Define your generation here. Generation What

البوعزيزي القديم الجديد

قلت لنفسي: سبق وانتحرت.. ماذا كانت النتيجة؟
دعنا لا نتحدث عن الثورة والأيقونة وعلاقتهما، ولنبدأ في سرد الوقائع.

بحكم عملي الصحفي، استقبلت الأسبوع الماضي العديد من بيانات الرئاسة حول زيارة السيسي لروسيا، كان من بينها صورة لعبدالناصر وخروتشوف، ذكرتني بصورة قديمة لعمي، الذي أحمل اسمه، يجلس بينهما أيام تحويل مجرى النهر، فقد كان متخصصا في اللغة الروسية وعمل مع الخبراء السوفيّت، وكان في ذلك الحين يقدم برنامجا للإذاعة المصرية من وعن السد، كان على ما يبدو هو التغطية الإعلامية الرسمية الوحيدة من جانب الدولة للحدث الأهم في فترة حكم عبدالناصر، ورغم ذلك لم يكن مستغربًا ألا أجد لهذه الحلقات أي أثر في أرشيف الإذاعة المصرية، ككل ما له علاقة بالرجل.

تداعت إلى ذهني هموم ومواجع كثيرة وأسئلة أكثر، كيف في فترة عمره القصير (1940-1974) أنجز شعرًا ومسرحًا، وأتقن العديد من اللغات، إلى جانب عمله الوطني في مثل هكذا مناخ؟ وكيف قَبِل العمل مع نظام عبدالناصر، وكيف انقلب عليه في حين، وعارضه ومن بعده السادات، إلى تلك اللحظة التي اعترض فيها موكبه ونيكسون، وكانت زيارته الأخيرة لسجن القلعة ومنها إلى المستشفى؟ ثم كيف تحمل السجن والتعذيب والمطاردات والتضييق؟ وكيف مَحوا ذكره وأعدموا كتاباته؟ ولماذا قرر الانتحار؟ ولماذا اختار الحرق بالنار؟

أنا ..
العالمُ بيتي
كل مكانٍ مسقط رأسي
من سور الصين الأعظم 
حتى أعمق أعماق مناجم أمريكا اللاتينية
من أكواخ طميية
في أعلى أنهار جبال الشمس
حتى معمل تكرير الزنك
أو مصنع تفحيم المازوت
وأبي: هذا الفلاح الأشيب فوق حقول القوقاز
والزنجي الضخم المثقوب الأذنين
والسرّيح بعربة يد
بين براري ومزارع أمريكا الرحبة
أمي: رحم الأرض الطمييّ

عشت هذه السنين الطويلة، وأنا أحلم بالانتقام من المجتمع الذي أفلح في أن يجعلني أكفر بكل شيء”، في سبعينيات القرن الماضي بعث الكاتب والقاص المصري محمد رجائي عياش بهذه الرسالة إلى النائب العام، ثم أطلق على نفسه الرصاص. كما ألقى الشاعر المصري صالح الشرنوبي بنفسه تحت عجلات القطار عام 1951م، تماماً كما فعل الشاعر المصري فخري أبو السعود بعد ثلاثة أيام من انتحار الكاتب إسماعيل أدهم.

بل إنه في العام 1930، وبينما يتم عامه السابع والعشرين، دهن الشاعر المصري أحمد العاصي جسده بمادة كاوية، ظلت تأكل في جسده بالتدريج وتحرق فراشه ببطىء من التاسعة صباحًا إلى الخامسة من صباح اليوم التالي، وترك إلى جواره رسالة قال فيها: “إلى من يهمهم أمري: جبان من يخشى الموت، ومن لا يرحب بهذا الملك الكريم، الذي هو كالرائحة الزكية”.

وفي 1982، علم الشاعر اللبناني خليل حاوي، في منفاه باستراليا، باجتياح الجيش الإسرائيلي لجنوب لبنان، وما ارتكبوه من حصار وانتهاك وتنكيل واغتصاب لحقوق وأعراض بني شعبه، فأطلق على نفسه الرصاص من بندقية الصيد.

وفي 1973، عاد الشاعر الأردني تيسير السبول من عمله في الإذاعة الأردنية وطلب من زوجته الأديبة والطبيبة مي يتيم فنجان قهوة، وتمدد في فراشه، وأطلق على رأسه الرصاص، وترك إلى جواره تلك الرسالة:

أنا يا صديقي
أسير مع الوهم
أدري أيمّ نحو تخوم النهاية
نبياً غريب الملامح أمضي إلى غير غاية
سأسقط لا بد، يملأ جوفي الظلام
نبياً قتيلاً، وما فاه بعد بآية

وأنت صديقي، وأعلمُ.. لكن
عذيرك بعدُ، إذا ما التقينا
بذاتِ منام
تفيقُ الغداةَ، وتنسى
لكم أنتَ تنسى
عليك السلام

هذا ما فعله كثير من الشعراء والأدباء العرب، كالشاعر السوري عبدالباسط الصوفي، واللبناني أنطوان مشحور، والعراقي إبراهيم زايد، والكردي مصطفى محمد، والجزائري عبدالله بو خالقة، والمغربي كريم حوماري، والسوداني عبدالرحيم أبو ذكري، وغيرهم كثير، كلهم اختاروا الانتحار، وكان لكل منهم طريقته الخاصة.

إن الفضول الذي يدفعك لمعرفة الأسرار التي أخفوها خلف قرار إنهاء حياتهم، والاكتفاء بهذا الحد من العيش، هو نفس الفضول الذي جعل العالم يتساءل عما دفع الشاعر الفرنسي أرمان بارتيه للانتحار عبر ابتلاع المفتاح الحديدي للصندوق الذي وضع فيه كتاباته عام 1874، وهي نفس طريقة الانتحار التي اختارها من قبل الشاعر نيقولا جيلبير عام 1780.

وتكرر نفس التساؤل عند انتحار الشاعر الأرجنتيني فرانسيسكو ميرينو، والكاتب النمساوي يوزف روت، والألماني إرنستتولر، والبولندي يان ليخون، والأميريكية سيلفيا بلات، والشاعر الألماني فون كلايست، والكاتب المسرحي الياباني يوكيوميشيما، والأديب هنتر ثومبسون، والروائي الأمريكي ريتشارد براوتيكان، والشاعر جون بيريمان، والروائية السويدية كارين بويا، والروائية الإنجليزية فيرجينيا وولف، وغيرهم كثر.

هؤلاء أرادوا الموت وذهبوا إليه باختيارهم، تُرى كيف الحال مع من أراد الحياة؟

سأقول لكم أيها الجلادون، إنه حالما يطويني الردى فإن عقوبة أشد ستنزل بكم”، قالها سقراط عندما جلس خمسمائة قاض ليحكموا عليه بأن يتجرع سم الشوكران بنفسه، لأنه وياللعار، جعل اليونانيين يفكرون!

إن من حكموا على سقراط بهذا الحكم في أثينا القديمة، لا يختلفون كثيرا عمّن لاحقوا ونكلوا بالروائي توماس مان، والمغني الزنجي بول روبسون، والمخرج أورسون ويلز، والروائي هوارد فاست، وتلك الحملة المكارثية ضد المفكرين والأدباء في أمريكا بين عامي 1950 و1955، وهي أيضاً ما دفعت الفنان تشارلي شابلن لأن يهجر الولايات المتحدة قائلاً : “هذه بلاد حلت عليها اللعنة”.

هؤلاء هم نفس من حكموا على ديستوفسكي بأشغال شاقة مؤبدة، وأجبروه على تقطيع الأشجار قطعاً صغيرة طيلة النهار وإلقائها في النهر أول الليل، وهؤلاء هم من قتلوا الحلاج، ونفوا نصر حامد أبو زيد، واغتالوا فرج فودة.

إن كان لنا الموت ولهم الحياة، فتلك إذا قسمة ضيزى. الباب مفتوح الآن على مصراعيه لنقرر اليوم ما لن نعود إليه في الغد، وجوديات شتى تطرح نفسها، معنى الخلاص وجدوى الموت وأسباب البقاء، النور الذي يبزغ في داخلي ليحررني قبل أن يحرر العالم، لأرى أين تسكن روحي قبل أن أرى أين سكنت الروح التي أنعي زهقها.
 
العمل، الصمت، العزلة، الوحدة، حتى القضايا الكبرى.. الثورة، التغيير، الحرية، الحب، المعرفة.. كل شيء يبدو قابلًا للحسم الآن، إما أن نعيش كما أردنا، أو أن نموت كما أرادوا.

عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية.

اعلان