Define your generation here. Generation What
العدالة الصماء
 
 
صورة أرشيفية
 

في شهر ديسيمبر عام 2013 كان سيد عبدالله نائمًا في فراشه. لم يكن يعلم أن في شارع مجاور، وفي شقة تحمل نفس رقم شقته، يسكن عضو من جماعة الإخوان المسلمين تبحث عنه الشرطة. ولم يكن سائق سيارة الشرطة الذي توقف بالخطأ أمام بناية عبدالله يعلم ذلك أيضًا.

أُخِذ المهندس البالغ من العمر 62 عامًا بالقوة في منتصف الليل، وأخذوا معه أجهزة الكمبيوتر الخاصة بأبنائه، وبعض الكتب بزعم أنها موالية للإخوان المسلمين، ونسختين من جريدة «الشعب» الموالية للإخوان المسلمين أيضًا.

سأل وكيل النيابة أيمن في حذر إذا كان يريد نشر قصة موكله وإحراج الشرطة، ثم وعده بتوجيه بعض “التهم الخفيفة” لعبدالله حتى “لا يظهر أحد بصورة سيئة”. وفي غضون ساعتين أو أقل تم كتابة هذه “التهم الخفيفة” سريعًا وأُفردت لها خمس صفحات، وتصدرتها الجملة التالية: “أكدت لنا مصادر سرية موثوق بها أن . . . “.

تضمنت التهم حيازة سلاح، وذخيرة، ورصاص مطاطي، وأسلحة بيضاء، وكاميرا فضية في حقيبة سوداء، ومتعلقات تحمل شعار رابعة الإخواني، وشهادة من القوات المسلحة القطرية تفيد بأن عبدالله يحمل رتبة رقيب هناك، كما جاء في التقرير الجنائي لاحقًا أن أجهزة الكمبيوتر الخاصة بأبنائه، والتي تمت مصادرتها، كانت تحوي “مواد تعليمية لتدريب أعضاء تنظيم القاعدة في مصر”.

كما زعموا أن عبدالله كان يحمل منشورات معارضة لخارطة الطريق السياسية المعلنة في 30 يونيو، وتحرض على العنف، وتدعو إلى مقاطعة الاستفتاء على دستور 2014، ولقد حرص وكيل النيابة على الإشارة إلى أن اللجنة القائمة على كتابة هذا الدستور كانت ممثلة من جميع أطياف المجتمع المصري. “الحمد لله أنهم لم يروا الدبابة المخبئة تحت فراشه”، هكذا علق أيمن ساخرًا في الجلسة الأولى لمحاكمة عبدالله، ما دفع القاضي إلى أن يناديه محذرًا.

كما تم اتهام عبدالله أيضًا بأنه كان يسعى إلى إشعال الخلافات وتنظيم الاعتصامات في الجامعات وبين العمال وفي الشوارع لتعطيل العام الدراسي والإنتاج والمرور.

نشأ أيمن في منطقة عين شمس، حيث كان مؤيدو الإخوان المسلمين مجرد “جماعة خيّرة تحفظ القرآن ولا تؤذي أحد”، وكان هو متعاطفًا معهم فقط. فهو يقول إنه لم ينضم أبدًا إلى الجماعة أو إلى حزب الحرية والعدالة، لأنه كان يشعر أن هناك مؤامرة وشيكة لإفشالهم.

تقابلنا في مكتب الشركة بمدينة نصر، حيث يعمل أيمن حاليًا، للحديث عن صعوبة الدفاع عن المتهمين من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين. كانت إضاءة المكتب خافتة، رغم وجود ثريا ضخمة أجبرت أيمن على أن يحني رأسه وهو واقف تحتها.

وضح لي أيمن قائلًا إنه لا يقبل سوى القضايا التي تخص أشخاص يعرفهم بشكل شخصي، مثل قضية عبدالله المذكورة سلفًا.

وحسب النيابة فقد قام عبدالله بتنفيذ جرائمه لتعطيل مسار خارطة الطريق من خلال مهاجمة المنشآت الحكومية والممتلكات العامة، وقتل زملائه من مؤيدي الإخوان المسلمين “وإصابة أكبر عدد ممكن من المارة” لإلصاق التهمة “برجال الشرطة الشرفاء والأبرياء” لكي يظهروا بمظهر همجي وغير قادر على الحفاظ على الأمن.

تم احتجاز عبدالله ثمانية أشهر، ولم يتم إصدار حكم بشأنه حتى الآن. ويقول أيمن إن هذا ليس أمرًا استثنائيًا، بل هذه القاعدة العامة، مشيرًا إلى كومة من الملفات والأوراق الموجودة على مكتبه. لقد أصبحت سلسلة الاتهامات الموجهة ضد عبدالله، بشكل ما، صيغة متكررة في كل قضايا جماعة الأخوان المسلمين.

يقول أيمن معقبًا إن في الوقت ذاته يحصل المتهمون في الجرائم الجنائية على أحكام أخف بكثير، مشيرً إلى بعض ملفات القضايا الأخرى كمثال على ذلك. ففي واحدة من تلك القضايا ألقي القبض على المتهم أثناء شراءه 150 جرامًا من الحشيش، لكن تم إطلاق سراحه بعد أن حُكم عليه بستة أشهر مع إيقاف التنفيذ، لأن الشرطي الذي ألقى القبض عليه قد ارتكب خطأين في الإجراءات، حسب قرار المحكمة.

لكن يبدو أن الحد الأدنى المطلوب من أدلة الإثبات فى القضايا الجنائية العادية أقل بكثير في محاكمات الإخوان المسلمين. يقول أيمن إنه لم يتم عرض أيّ من الأسلحة التي يفترض أنهم قد وجدوها في حيازة عبدالله في المحكمة، كما لم يستعلم القاضي عنها، حيث اكتفى بتقرير النيابة الذي يقول إنه “قد تمت مراجعة الأدلة وإثبات التهم”.

فيصل السيد، أحد المحامين الذين يدافعون عن المتهمين من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، يقول: “ما يحدث لا علاقة له بما درسناه في كلية الحقوق ولم نر مثله من قبل”.

يتسم السيد، المحامي الجنائي، بحدة الطباع، وطوال الوقت توحي شفتاه المقلوبتان بالامتعاض بشكلٍ عام. ولقد جعله إيمانه بقضية الإخوان المسلمين يمتنع عن قبول القضايا العادية، ليتولى الدفاع عن ما يقرب من 1000 طالب من الأعضاء والمؤيدين متهمين في 80 قضية جنائية. نصفهم حُكم عليه بالإدانة، والنصف الآخر تم حجزه للتحقيق وفي انتظار المحاكمة.

يقول السيد إن هناك انحياز واضح ضد المتهمين الذين على علاقة بجماعة الإخوان المسلمين. ويروي وقائع قضية طلاب الأزهر، الذين يقضون حاليًا عامين ونصف في السجن لتمزيقهم أوراق الإجابة الخاصة بالطلاب من غير الإخوان حسب ما يزعم. “هم لم يهتموا حتى بتوثيق شكاوى الطلاب الذين مُزقت أوراقهم كأدلة. إذا كان ذلك قد حدث فعلًا، لماذا لا يقدم الطلاب المتضررون تقريرًا بذلك على الأقل، أو يطلبون إعادة الامتحان مرة أخرى كي لا يرسبون؟” يتساءل السيد.

القصص التي يرويها المحامون عن تعرضهم شخصيًا لمضايقات، أصبحت شائعة مثل القصص التى تُروى عن تعذيب موكليهم وسوء المعاملة التي يلقونها. يقول أيمن إن الشرطة والنيابة تُصعِّب عليهم مهمة الدفاع عن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين. “كانوا (النيابة) مثلًا يحددون موعدًا للتحقيق في التاسعة مساءً، رغم أن حظر التجوال يبدأ في السابعة مساءً”.

وأصبح أمرًا عاديًا أنه في كل مرة يبدأ فيها المحامي بالحديث ينظر إليه المجندون بنفاذ صبر.  حتى أن بعضهم يرفض الرشوة المعتادة لإخراج المتهمين من غرفة الحجز وفك قيودهم للحظات قليلة يقابلون فيها عائلاتهم.

وهناك محامين تعرضوا للاحتجاز أيضًا. فقد قضى السيد شهر يناير بأكمله في غرفة حبس صغيرة مع 70 شخصًا آخرين لحيازته أوراق متعلقة بالإخوان المسلمين. “لم يتم تعذيبي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن … “. قالها وهو يمسح على رقبته.

السيد حكى لنا أنه قال لوكيل النيابة الذي كان يحقق معه: “أنت تعلم أنه يمكن أن يتم القبض عليك أنت أيضًا لحوزتك الأوراق المتعلقة بقضيتي”. لكن وكيل النيابة لم يرد، تمامًا مثل القضاة الذين يمثل أمامهم في المحكمة. وأضاف السيد قائلًا إنهم لديهم “أذن من طين وأذن من عجين … فهم لا يسمحون لك بسؤال الشهود. وهم غير معنيين بنقصان الأدلة. وحتى إذا دخل المتهم وأنفه مكسور أو ذراعه مكسورة لن يحدث شيء”.

ويقول السيد إنه في مرة ذكر أن أحد موكليه، وهو عمر الشويخ طالب الأزهر البالغ من العمر 19 عامًا، قال إنه قد تم اغتصابه من قبل الشرطة، وكان رد القاضي أن ذلك ليس من شأنه.

عندما حاول خالد حسين المحامي تقديم شكوى ضد عدد من ضباط الشرطة لتعديهم بالضرب على موكله أثناء احتجازه رفض القاضي الشكوى غير مكترثًا، بزعم أن الاتهامات كانت غير محددة. يقول حسين متعجبًا: “إذا اتهمت خمسة من ضباط الشرطة بضرب رجل واحد لن تثبت التهمة لأنك لا تستطيع تحديد أيهم الذي كال اللكمة، لكن إذا اتهمت 529 شخصًا ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين بقتل ضابط واحد تثبت التهمة عليهم!”.

ويقول حسين إنه في أحيان كثيرة “خاصة عندما يكون المحامي غير مشهور، يمنعك القاضي حتى من تقديم الدفاع. بل أنك حتى لن يكون لديك الفرصة لتقول “سيدي القاضي” وما إلى ذلك”.

يبتسم أيمن ابتسامة مهزومة وهو يقول: “لقد توقفت عن قبول قضايا جديدة حتى لا تمتهن كرامتي أكثر من ذلك”. وحسب حديثه فإن القاضي “ليس بوسعه أن يصدر حكمًا آخر غير حكم الإدانة، وإلا سيتم وصمه على الفور بأنه “قاضي الإخوان”. وفي النهاية هؤلاء الرجال قد عملوا وازدهروا تحت حكم مبارك، ولقد تم اختيارهم للجلوس في مقاعدهم تلك”.

معظم محاميي الدفاع الذين يتولون مثل هذه القضايا يعملون تحت شعار “لا تتوقعوا مني أية نتائج، فقط العمل الجاد”. وتبدو العدالة لهم بعيدة المنال، إلى درجة أنهم لم يعودوا يسعون إليها. وبدلًا منها يسعون إلى إرضاء ضمائرهم أمام الله وكسب شرف المحاولة. يقول سيد في عناد غريب خالٍ من التأثر: “أنا أعلم أن القاضي قد تم إبلاغه بالقرار مسبقًا قبل أن أبدأ مرافعتي بوقت طويل. لكني أقبل القضية حتى لا يشعر المتهمون وهم واقفون داخل قفص الاتهام أنه لا يوجد من يقف معهم، ومن أجل عائلاتهم أيضًا. لكننا لن نشعر بالإحباط”.

رغم كل جهود السيد التي يبذلها دون مقابل لم تجد والدة موكله الشويخ ما يعزيها في مصيبتها. بعد الزلزال الذي وقع مؤخرًا اتصلت به لتسأله إن كان القاضى الذى حكم على ابنها ـ قائد المظاهرات الطلابية سابقًا ـ  بالسجن خمس سنوات وغرامة مئة ألف جنيه، قد شعر بالزلزال واستشعر التحذير الإلهي.

“ألا يعلم أنه إذا لم يضع حدًا لذلك فسوف يخسف الله بنا الأرض جميعًا، الظالم لظلمه والبريء لأنه لم يحاول ردعهم بالقدر الكافي؟ أليس ذلك صحيح؟ هل أنا على حق؟ أم أنك تظن أني مخطئة؟”، هكذا سألته السيدة في إلحاح قبل أن تبدأ بالدعاء مجددًا لتحقيق القصاص.

*تم تغيير أسماء العديد من المتهمين والمحامين بناءً على طلبهم خوفًا من الانتقام.

اعلان