Define your generation here. Generation What

الأزمة الاقتصادية والعمل الخيري

قلصت الدولة من إنفاقها على قطاعات الصحة والتعليم والإسكان منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، في إطار تنفيذها لخطة “التثبيت وإعادة التكييف الهيكلي”، تنفيذاً لشروط صندوق النقد الدولي. وفي المقابل، توسعت في تقديم الدعم لرجال الأعمال؛ الذي تمثل في دعم الطاقة وإعفاءات ضريبية وجمركية كبيرة، وتسهيلات إئتمانية، وتسهيلات في الحصول على أراضي الدولة وغيرها. وكانت النتيجة أن توقفت الدولة تقريباً عن بناء وحدات الإسكان الشعبي، والمدارس والمستشفيات، كما تدنت الخدمات الصحية والتعليمية نتيجة تقليص الإنفاق. وهو ما أتاح فرصة كبيرة لرجال الأعمال في الاستثمار في هذه القطاعات المربحة، وحدثت طفرة في عدد المدراس والمستشفيات الخاصة في منتصف التسعينيات، وحدث نمو هائل في مجال الاستثمار العقاري. إلا أن القطاع الخاص لم يعوض غياب الدولة، حيث استهدفت مشروعاته الشرائح القادرة اقتصادياً، ولم يستثمر في المناطق النائية أو المحرومة. ففي مجال الإسكان، أنشأت الشركات الخاصة الأبراج والمدن السكنية باهظة التكلفة والمنتجعات الترفيهية. وفي مجال الصحة، أقام رجال الأعمال المستشفيات الفندقية، التي لا يحتمل تكاليف العلاج بها سوى الأثرياء، وهو نفس الحال في المدراس والجامعات الخاصة. ولقد كان متوسط الإنفاق الحكومي على الصحة ما بين عامي 1980 و2006، حوالي 2% من إجمالي الإنفاق العام للدولة. ورغم زيادة هذا الإنفاق بعد ذلك إلى ما يقارب 4%، إلا أن هذه الزيادة كانت بلا جدوى في ظل الزيادة السكانية وثبات الأجور وتدهور الأحوال المعيشية.

عانى الفقراء من أجل الحصول على سرير في أحد المستشفيات الحكومية، أو مقعد لأولادهم في المدارس العامة، رغم سوء الخدمات الصحية والتعليمية. وكان البديل عن سوء الخدمات الحكومية وارتفاع أسعار الخدمات الخاصة هو العمل الخيري، الذي يوفر خدمات صحية وتعليمية محدودة، وإن كانت أفضل مما تقدمه المؤسسات الحكومية، وبسعر مناسب. ويوجد في مصر حوالي 23 ألف جمعية أهلية خيرية، أغلبها تعمل في مجالات الصحة والتعليم. إلا أن هذا العدد لم يكن كافيًا لسد حاجات الخدمات الصحية والتعليمية لأسباب موضوعية تتعلق بزيادة المناطق المحرومة، وأخرى تتعلق بالعوائق الأمنية والبيروقراطية التي تواجه تأسيسها وعملها. كما تعمل هذه الجمعيات كجزر مُنعزلة، بلا أدنى تنسيق مشترك، وتتقيد بما تفرضه الجهة الإدارية عليها من أهداف وأسلوب عمل عند التأسيس، هذا بالإضافة إلى مشاكل التمويل التي تواجهها الكثير من الجمعيات، كما أن بعضها لا يخلو من فساد وبيروقراطية.

ولقد لعب وجهاء الريف ورجال الأعمال وجماعة الإخوان المسلمين دوراً بارزاً في العمل الخيري، لأغراض سياسية، في دوائرهم الانتخابية كنوع من الرشى الانتخابية. واتسمت هذه الجهود بالعشوائية، والتركيز على مناطق بعينها، بالإضافة إلى كونها موسمية الطابع، حيث تتزايد  قبيل الانتخابات وتتقلص بعدها وإن كانت محاولات الإخوان أكثر تنظيماً وانتشاراً. وتمثلت هذه الجهود في التبرع بأراضٍ لبناء مدارس أو مستشفيات، أو إنشاء مراكز تعليمية وطبية تقدم خدمات بأسعار رمزية، أو تقديم مساعدات عينية مباشرة للفقراء. إلا أن هذه الجهود الخيرية لم تقدم بديلاً حقيقياً يسد العجز الكبير في الخدمات الصحية والتعليمية الذي سببه انسحاب الدولة.

 

دوافع العمل الخيري

هناك من يُقدمون على العمل الخيري بدوافع دينية أو أخلاقية، إلا أن غالبية المتبرعين بمبالغ مالية كبيرة نسبياً، خاصة من رجال الأعمال أو التنظيمات السياسية، يهدفون إلى الحصول على خصم ضريبي، أو مكاسب سياسية؛ سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة. إلا أن الهدف الرئيسي للعمل الخيري في الدول الرأسمالية، أو التي تسعى للتحول إلى النظام الرأسمالي هو تحقيق الهيمنة الأيديولوجية، حتى لا ترفض الشعوب هذا النظام الرأسمالي وسياساته المعادية للفقراء، وبالتالي تخفيف حدة الاحتقان الشعبي نتيجة تردي الخدمات وسوء الأوضاع المعيشية، حتى لا تنفجر الجماهير. وتتضح هذه الفكرة من إجابة الملياردير الأمريكي “روكفلر” حين سأله ابنه: لماذا تتبرع ببعض الربح للأعمال الخيرية؟ فقال له: لكي أحافظ على باقي الربح. يقصد حتى لا ينهار المجتمع وبالتالي تنهار استثماراته وأرباحه.

 

هل ينجح العمل الخيري في حل الأزمات؟

يظل العمل الخيري من قبيل المسكنات، ولا يهدف إلى حل الأزمات التي تواجه الفقراء. فالرأسماليون هم من خلقوا هذه الأزمات حين ضغطوا للحصول على دعم الدولة بدلاً من الفقراء، كما أن هذه الأزمات تعتبر بمثابة فرص مواتية للاستثمار كما رأينا في حالة المدارس والمستشفيات الخاصة.

 

ولقد شهدت مصر مبادرات خيرية كثيرة على مدار القرن العشرين، مثل مشروع القرش وقطار الرحمة، وغيرها من المبادرات التي تبنتها ودعمتها أميرات العائلة المالكة. إلا أن هذه المبادرات تقلصت بعد ثورة يوليو 1952؛ حيث لعبت الدولة الدور الأساسي في تقديم الخدمات. ومن المبادرات الشهيرة حملة التبرع لسداد ديون مصر في نهاية الثمانينيات، التي تبناها الرئيس المعزول حسني مبارك، ولاقت استجابة واسعة من العمال والموظفين والطلبة. كما ظهر خطاب في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، يطالب رجال الأعمال بلعب دور اجتماعي والتدخل لسد الفراغ الذي سببه انسحاب الدولة.

إلا أن كل الجهود الخيرية لم تحسّن أحوال الناس ولو بشكل طفيف، وتفاقمت الأزمات حتى خرجت الجماهير يوم 25 يناير؛ مدفوعة بسوء أحوالها المعيشية وعدم قدرتها على تحمل المزيد. ولإن هذه الجماهير لا تمتلك رؤية للتغيير، وليس لديها حزب يدافع عن مصالحها، فقد حاول النظام الحاكم أن يحتوي ثورتها في إطار سياسي، لا يمس طريقة توزيع الثروة في المجتمع، وبالتالي ظل الوضع القديم قائماً رغم تغير الإدارة السياسية للبلاد.

ولقد اعتمد المجلس العسكري، ورئيس الوزراء عصام شرف على سياسات مبارك في إدارة البلاد، وهو ما أصاب الجماهير بالإحباط بعد عدة أشهر، وتصاعدت حدة الاحتجاجات العمالية والاجتماعية مُطالبة بأجر عادل وخدمات حقيقية. إلا أن خطاب الطبقة الحاكمة حاول تشويه هذه الاحتجاجات، مُطالباً الجماهير بالصبر، ثم ظهرت مبادرات للتبرع من أجل مصر لدعم الاقتصاد وتعويض قيمة المعونة الأمريكية، قادها الشيخ السلفي محمد حسان. لكن التبرعات لم تنهض بالاقتصاد أو تغير حياة الناس، وكان عليهم انتظار وعود الإخوان أثناء حملة محمد مرسي للرئاسة.

لم يكن لدى الإخوان تصور اقتصادي يختلف عن السياسات الرأسمالية التي تبناها مبارك. وحاولوا حل الأزمات الاقتصادية بالاقتراض والبحث عن منح خارجية وتبرعات داخلية. وأغلب الظن أن الإخوان راهنوا على خبرتهم الكبيرة في العمل الخيري لحل أزمات مصر الاقتصادية. وفي مبادرة لدعم مشروع النهضة، طالب الرئيس المعزول محمد مرسي رجال الأعمال وخاصة الفاسدين بالتطهر من ذنوبهم والتبرع في حساب بنكي لمشرع النهضة!! وسعى الإخوان إلى التصالح مع رجال الأعمال الموالين لمبارك على المستوى القانوني، وضمهم إلى جمعية “إبدأ” التي أسسها خيرت الشاطر وحسن مالك. وكانت المفارقة أن جهود الإخوان الخيرية لم تساعدهم وهم في سدة الحكم، ولم تمنع تصاعد الغضب الشعبي بعد الوعود الكاذبة والانتظار الطويل.

وبعد الإطاحة بمحمد مرسي، عادت الأزمات للظهور من جديد، رغم مُهاجمة أداء الإخوان، ورغم ادعاءات الإخوان بأنهم تعرضوا لمؤامرة من الدولة العميقة في محاولة منهم لإنكار فشل سياساتهم التي اتبعها من قبل مبارك والمجلس العسكري، والتي تنحاز لرجال الأعمال وتعادي الفقراء وتزيدهم فقراً.

وفي محاولة منه لحل الأزمة الاقتصادية الراهنة، ناشد الرئيس عبدالفتاح السيسي رجال الأعمال بالتبرع دعماً للاقتصاد، انطلاقاً من ذات الرؤية التي ترجع مشاكل مصر إلى نقص التمويل، وليس طريقة إدارة الاقتصاد. وحدد الرئيس المبلغ المطلوب لإنجاز مشروعات قومية والخروج من الأزمة الاقتصادية بمبلغ مائة مليار جنيه. ولا يُبدي رجال الأعمال حماساً واضحاً للتبرع، فهذا يُناقض ما اعتادوا عليه من دعم الدولة لهم.

يظهر الموقف الحالي الدولة كجامع تبرعات، بدلاً من اتخاذها إجراءات قانونية وإدارية من شأنها تحصيل المبلغ المطلوب. فهذا المبلغ المنشود لا يتجاوز ربع متأخرات الضرائب المُستحقة من كبار رجال الأعمال، ويكاد لا يُذكر مقارنة بما تقدمه الدولة لهم من دعم للطاقة، ناهيك عن الأشكال الأخرى من الدعم. كما أن فتح ملفات الفساد ومحاولة استرداد أموال مصر المنهوبة في الداخل والخارج كفيل بتوفير أضعاف المبلغ الذي حدده الرئيس.

حتى وإن نجح الرئيس في جمع تبرعات تفوق المبلغ المطلوب، فإن هذه الأموال لن تحدث طفرة في الاقتصاد، ولن تحسن حياة الناس. فلقد افتخر نظام مبارك من قبل بمعدلات نمو مرتفعة، إلا أن عائدها كان يصب في صالح فئة صغيرة من كبار رجال الأعمال. إن التدهور الاقتصادي والاجتماعي الراهن ناجم عن سياسات رأسمالية وممارسات فساد، وغياب الدولة، ولن يتغير هذا الوضع القائم سوى بتغيير هذه السياسات والممارسات.

اعلان
 
 
نصر عبد الرحمن