Define your generation here. Generation What
جواهر السينما المصرية: النوم فى العسل
 
 

شريف عرفة، وحيد حامد، وعادل إمام، مخرج وكاتب وممثل، كانوا هم الفرسان الثلاثة لفترة التسعينيات فى مصر، خلال عصر مضطرب نما فيه الفساد ووجد فيه الإرهاب تربة خصبة للنمو.

فى عام 1991 قدم الثلاثى فيلم «اللعب مع الكبار» الذى يتناول الصراع بين الرأسمالية والاسلاميين، ثم فى عام 1992 قدموا «الإرهاب والكباب»، فيلم كوميدى يتناول كفاح الطبقة المتوسطة فى ظل حكومة مهتزة ومجتمع مذعور من الارهاب. ثم استمر نجاح الثلاثى بفيلم «المنسى» عام 1993، ثم «النوم فى العسل» عام 1996 وهو أيضًا يتناول مواضيع الفساد، الجهل، والاحباط.

تدور أحداث الفيلم حول وباء مجهول يسبب العجز الجنسى للرجال، تبدأ الاحداث بحفل زفاف، راقصة ومعازيم وعريس وعروس فى طريقهما إلى غرفتهما فى أحد الفنادق ليبدآ حياتهما كزوج وزوجة، ولكن للأسف يتحول الفرح إلى مأتم، حيث ينتحر العريس بعد اكتشافه حالة العجز التى انتابته.

بعد ذلك، نتعرف على العقيد مجدى نور (عادل إمام) رئيس مكتب التحقيقات الذى يبدأ يومه بحادثتين غريبتين، عريس ينتحر فى ليلة زفافه، وسباك يذبح زوجته فى نوبة غضب شديدة. وفى وقت قصير تمتلىء ساحة القسم بعشرات الأزواج المتناحرين، وفى مشهد ميلودرامى كبير، يتوسط نور/إمام الجمع ويصرخ: ” أنا عارف إيه اللى حصل.. الرجالة ماعرفتش”.

تبدأ التحقيقات بمساعدة الصحفية سلمى عصفور، التى قامت بدورها شقراء التسعينيات شيرين سيف النصر. ثم تتوالى الأحداث وبعد يوم شاق يعود نور إلى منزله ليكتشف أن الوباء المجهول قد طاله وتبدأ الكوميديا السوداء بتولى نور التحقيق فى أمر الوباء، يزور بيت دعارة فتقول له صاحبته: “ده زمن الكلام مش الأفعال”، ثم يزور عطار يبيع خلطة سرية من الفول السودانى والجنزبيل يوهم الناس أن لها مفعول السحر، ثم ينتهى به الحال عند دجال يبيع للناس “ريش فراخ طبى” بـ 20 جنية الريشة. وتمتلئ العيادات برجال منكوبين وترتفع مبيعات المخدرات 200 فى المائة. 

A Deep Sleep

العجز الجنسى هو موضوع قليلًا ما تناولته السينما المصرية أو أى سينما أخرى لحساسيته. فى عام 1985 أخرجت إيناس الدغيدى أول فيلم لها بعنوان «عفوًا أيها القانون» تتزوج فيه أستاذة جامعة (نجلاء قتحى) من رجل عاجز جنسيا، وبعد مشوار علاج مضنٍ يُشفى الزوج ويستعيد “رجولته” ليبدأ فى إقامة علاقات مشبوهة. وفى عام 2002 تطرق المخرج محمد صلاح أبوسيف إلى الموضوع فى فيلم «النعامة والطاووس» حيث تدور أحداث الفيلم حول زوجان بعانيان من مشاكل نتيجة خلل فى العلاقة الزوجية. فى كلا الفيلمين استُخدم موضوع العجز لإلقاء الضوء على مواضيع أخرى مثل حقوق المرأة، العادات الاجتماعية الخاطئة والإنحراف. فى النوم فى العسل، تم استخدام العجز الجنسى كرمز للتعبير عن احباط المجتمع ككل.

ينتشر الوباء الغامض، ويصل إلى مجلس الشعب، فيتم استجواب وزير الصحة، الذى ينفى بدوره كل شيء، فتتطور الأحداث ويُطلب من نور تقديم استقالته.

كوميديا شريف عرفة سوداء، تتسلل إلى المشاهد وتجعله يتسائل، يضحك كثيرًا ولكنه ضحك من نوع آخر. ضحك تليه لحظات صمت مخيفة تنقل المشاهد إلى واقع أليم: حكومة ضعيفة ومسئولون فاسدون وإسلاميون يصطادون فى الماء العكر، وقبل كل هذا ـ أو بعده ـ شعب يغرق فى الجهل والظلم والفقر.

قرب النهاية يقوم 130 عضو برلمانى برفض مناقشة الأمر نظرًا لحساسيته، فيقوم نور بجمع الناس فى مظاهرة كبيرة يقودها إلى مبنى المجلس يصرخ فيها هو وجموع الناس بكلمة واحدة: “آآآآآآآه”، كرمز لطلب الخلاص لكل هؤلاء الذين عانوا ولم يُسمح لهم بالتعبير عن آلامهم. المشهد قوى يقوم فيه نور، ضابط الشرطة، بالوقوف مع الشعب ضد الحكومة.

فى التسعينيات كانت السينمات لا تزال تجذب قطاعًا كبيرًا من المشاهدين، خاصة أفلام إمام، حيث كان له قاعدة معجبين أغلبها من الطبقة المتوسطة، وأيًا كان محتواه كان كل فيلم من أفلامه يشهد حضور أعداد كبيرة من المشاهدين فى دور العرض.

الملاحظ فى فيلم «النوم فى العسل» هو خلوّه من كليشيهات عادل إمام المعتادة، التى كانت جزءا لا يتجزأ من أغلب أفلامه. فالفيلم خالى من القبلات المتكررة المفاجئة، ربما لأن نور ضابط كفء يعانى من عجز مؤقت. ولكن فى أحد مشاهد الفيلم، أثناء استجواب الارملة الشابة بعد انتحار زوجها، ينظر نور/إمام خلسة إلى مؤخرتها وهى حركة «إمامية» بحتة ليس لها علاقة بالشخصية.

بعيدًا عن القبلات، والنظر إلى المؤخرات، يتجاهل الضابط نور ضرب عساكره لأحد السجناء فى أكثر من مشهد بالفيلم. الكثيرون يرون أن الفرسان الثلاثة (إمام، وحامد، وعرفة) كانوا عملاء مزدوجين، استخدمتهم الحكومة وأعطتهم الشرعية لصنع مساحة صغيرة للمعارضة، يستغلونها بشكل خفى فى تشويه الإسلاميين. صحة هذا الاعتقاد من عدمه لا تنفى أن أفلامهم كانت ناجحة، ولا تزال تعبر عن واقعنا حتى اليوم، مما يجعلها أفلامًا خالدة.

إمام والموسيقى عمر خيرت أصبحوا ثنائيًا سنيمائيًا قويًا منذ الثمانينيات، عندما طلب إمام من الموسيقى المشهور تأليف الموسيقى التصويرية لفيلم «خلّى بالك من عقلك» الذى قام ببطولته هو ونجمة الثمانينيات شريهان. تلاه بعد ذلك عدد كبير من الأعمال المشتركة التى قام فيها خيرت بوضع لمسته الموسيقية المشهورة على أفلام إمام. بالرغم من أن عرفة كان دائم العمل مع الموسيقى مودى الإمام، ولكن فى أفلامه مع عادل إمام كان يتم الاستعانة بخيرت لأسباب يبدو أن لها علاقة بشباك التذاكر، حيث أن سيمفونيات خيرت كانت أكثر جذبًا للجمهور.

«النوم فى العسل» جوهرة سينمائية ـ بخلاف العنصر الفكاهى والتصوير المتقن ـ لأنه تناول موضوعات هامة وشائكة بخفة وذكاء، بالإضافة إلى النقد الواضح للحكومة الهزيلة وللجهل الذى تفشى فى مختلف طبقات المجتمع.

A Deep Sleep

اعلان
 
 
أماني علي شوقي