Define your generation here. Generation What

عن إضراب علاء عن الطعام

بعد تعرضه للاعتقال ثلاث مرات منذ بدء الثورة أعلن علاء عبدالفتاح أنه سوف يبدأ إضرابًا عن الطعام. وعلاء هو واحد من ضمن 25 شخص حُكم عليهم بالسجن خمسة عشر عامًا لتنظيم مظاهرة في شهر نوفمبر والمشاركة بها. في تلك المظاهرة تم تصوير فيديو لضابط شرطة كان يخنق فتاة شابة فوقع وفقد جهاز اللاسلكي الخاص به. ووجه اتهام سرقة جهاز اللاسلكي للخمسة وعشرين رجل، وكان 24 منهم قد تم إلقاء القبض عليهم أثناء التظاهرة بشكل عشوائي. أما علاء فقد أخذ من منزله في منتصف الليل بعد يومين، فقد أصبح من العادي أن تستهدفه الحكومات المصرية المتعاقبة بسبب عمله كمدون وناشط.

على مدار 238 يومًا فقدها علاء في السجن لما يمثله من قيادة فكرية لشباب الثورة، لم يفكر يومًا في الإضراب عن الطعام. لماذا قرر ذلك الآن إذًا وما الذي يمكن أن يحققه ذلك الإضراب؟

إن الدولة المصرية تحيا على الركود. وبيروقراطية دولة ناصر المتفشية هى أساس سياسة تأجيل النتائج المعروفة مسبقًا إلى ما لا نهاية. فالحياة تسير ببطء، ولكل ورقة هناك ثلاث نسخ، والإجراءات مبهمة، والمرور لا يتحرك، وحياتك لا تتغير. إن مصر، كما تقول الدولة المصرية لرعاياها، هي المركز الأكبر والأبدي للعالم العربي، وهى مهد الحضارات الذي أنهكه الزمن. التغيير بالنسبة لها أمر مُحَرَّم. وفي حقيقة الأمر، التغيير لن يأتي بشيء غير الفوضى. والتغيير بها، حتى في أبسط صوره، يكون ممكنًا فقط من خلال الواسطة والنفوذ والأموال والفساد. فنجد المستشفيات تنهار في بطء، والمساجين يذوون في السجون لأن قضاياهم معلقة بسبب تأجيلات العملية البيروقراطية وأهواء المتحكمين بها.

أُلقى القبض على علاء في يوم 28 نوفمبر، حيث أُخذ إلى سجن غير معروف وبقى هناك دون محاكمة لمدة تزيد عن 100 يوم، ثم عُرض على القاضي في يوم 23 مارس وتم إطلاق سراحه بكفالة بعد حجزه دون داعٍ ولا مبرر. وبعدها، في يوم 11 يونيو، منع القاضي المتهمين من دخول قاعة المحكمة وأصدر حكمًا غيابيًا وفجائيًا بالإدانة والحبس لمدة 15 عامًا. وبينما كان علاء واقفًا خارج القاعة يحاول الدخول لحضور جلسته قامت الشرطة بالقبض عليه، حيث اعتبروه هاربًا، ثم ألقوا به مجددًا في محبسه القديم إلى جوار أحمد دومة وأحمد ماهر ومحمد عادل. وعادة يترتب على صدور الحكم غيابيًا إعادة المحاكمة. ومع ذلك فقد مضى شهران قبل أن تبدأ إعادة المحاكمة، وأحد أسباب ذلك كان إجراء “أعمال تجديد” في قاعة المحكمة، حيث تم تزويدها بقفص زجاجي ليقف فيه المتهمون، ليتم التحكم بشكل تام في الصوت الداخل إليهم والخارج منهم. وعندما جاء موعد المحاكمة ضغط القاضي على زر كتم الصوت. وما زالت المحاكمة مستمرة.

أما سناء شقيقة علاء فهي في الحبس منذ 21 يونيو لمشاركتها في تظاهرة. لم تعرض على المحكمة سوى مرة واحدة، وبعدها أخذ القاضي إجازة وأجلّ الجلسة القادمة إلى 10 سبتمبر. وحسب ما قيل لنا لا يوجد أي شيء يمكن فعله حتى ذلك الحين.

هذا هو قدر السخافة الذي ينطوي عليه جدول المحاكمات، إن إجراءات النيابة وإثبات الأدلة لعلى قدر أكبر من البشاعة.

لذا قرر علاء الإضراب عن الطعام. هي محاولة للتصدي إلى المسار المتوقع لمنظومة المحاكم، الذي يقف عند الصغائر والمستمر إلى ما لا نهاية. وبهذا يتغير الجدول الزمني من آلاف الأعوام المحتملة التي قد تستغرقها الدولة المصرية ليصبح رهن عمليات الجسد البشري محدودة الأجل. أيما كان الذي يدبرونه فسوف يتضح الآن بشكل أسرع على الأقل.

ولماذا الآن؟ لأن الآن والد علاء وسناء، أحمد سيف الإسلام، المحامي في قضايا حقوق الإنسان الذي يحظى بتقدير دولي، يرقد في العناية المركزة. جلستُ أمام غرفته في المستشفى. كان يخضع إلى جراحة في القلب تم تحديد موعدها منذ شهر، لكنه انهار فاقدًا وعيه ليلة الجمعة بعد حدوث مضاعفات خطيرة. هذا المساء امتلأ الممر الطويل المضاء بمصابيح النيون بالناس وشباب النشطاء والرفاق القدماء والأطباء الذين حضروا تعبيرًا عن تقديرهم. الجميع ينتظر كلمة أو خبر جيد للتمسك بالأمل. وفي الصباح جلس إلى جواره خالد علي، المحامي والمرشح الرئاسي الوحيد الجدير بانتخابات الرئاسة لعام 2012، وتحدث إليه لمدة ساعة. وقال لنا إن في لحظة ما نزلت دمعة على وجنة سيف. وما زلنا متمسكين بالأمل.

في السجن لا تصلك أية أخبار عن العالم الخارجي إلا عندما يسمح لك بالزيارة. وكان آخر خبر وصل إلى علاء عن حالة والده يوم الخميس، وقت كان واعيًا ولا يكف عن الضحك. وفي يوم السبت تم السماح لأبناء سيف الاثنين المحبوسين بزيارته في المستشفى بشكل استثنائي. إلا أنهما لم يكونا يعلمان مدى تدهور حالة والدهما.

رأى علاء والده في وقت متأخر ليلة السبت. وبدأ إضرابه عن الطعام يوم الإثنين. فقد أصبح على قناعة أنه لا توجد خيارات أخرى أمامه، وأن الوقت ينفد، وهذه هي ورقة الضغط الأخيرة التي يملكها.

الإضراب عن الطعام هو الملاذ الأخير للمسجون الذي يجد نفسه في وضع ظالم لا يمكن الهرب منه. مثل المساجين الفلسطينيين الذين يقعون أسرى الشبكة الإدارية التي لا تنتهي بالسجون الإسرائيلية، والرجال المحتجزين في سجن جوانتانامو، والذين صدر أمر بالإفراج عنهم لكنهم ما زالوا يعانون في هذا السجن المعزول. وكذلك مثل نزلاء سجن بيليكان باي الذين قضوا أكثر من عشر سنوات في الحبس المنفرد. ومثل المرأة الحديدية بالهند والمهاتما غاندي وبوبي ساندز وغيرهم كثيرين.

وفي مصر حصل عبد الله الشامي على حريته من خلال إصراره الجدير بالاحترام على رفض الطعام. ورغم ذلك ما زال محمد سلطان ينتظر في السجن، حيث لم يعد جسده قادرًا على حمله.

أثناء مؤتمر صحفي عقد في شهر يناير، وبينما علاء في الحبس، أخذ سيف الميكروفون، مستندًا إلى عصاه، ووقف يتحدث ليملأ الغرفة بصوته: “عذرًا يا ابني، عذرًا لهذا الجيل، كنا نحلم ونطمح أن نورثكم مجتمع ديمقراطي يحافظ على كرامة الإنسان، للأسف.. ورثتك الزنازين التى دخلتها”.

واليوم، بينما جسد أحمد سيف الإسلام يصارع للبقاء على قيد الحياة، يقدم علاء ابنه حياته في مقابل أن يكون إلى جواره.

اعلان
 
 
عمر روبرت هاميلتون