Define your generation here. Generation What
قانون المجتمع المدني الجديد.. خطوة أخرى تُقّيد المعارضة في مصر
 
 

في ١٨ يوليو الماضي نشرت صحيفة الأهرام المملوكة للدولة إعلانا لوزارة التضامن الاجتماعي في صفحتها الثانية والعشرين، تطالب منظمات المجتمع المدني المصرية والأجنبية بتقنين أوضاعها تماشيا مع قانون الجمعيات الأهلية لسنة ٢٠٠٢، تجنبا لتعرضها للمساءلة وفقا للتشريعات والقوانين ذات الصلة.

رسالة الحكومة إلى منظمات المجتمع المدني كانت واضحة: “لتلتزموا بتشريع صارم، وإما ستواجهون إجراءات قانونية ومن ثم الحلّ”.

ملتقى منظمات حقوق الإنسان المستقلة، وهو ائتلاف للمنظمات الأهلية، انتقد هذا الإعلان قائلا إن ذلك الإجراء يمثّل “إعلانا للحرب من جانب الوزارة على حرية إنشاء الجمعيات وعمل منظمات المجتمع المدني في مصر”. وفي بيان نُشر الشهر الماضي دعا الائتلاف وزارة التضامن إلى التراجع عن إنذارها.

وقال الائتلاف: “إن منظمات المجتمع المدني تعد خط الدفاع الأخير عن ضحايا القمع، والآن تريد الحكومة رحيلنا”.

منظمات حقوق الإنسان فسرت إخطار الشهر الماضي بوصفه إشارة تحذيرية لموجة جديدة من الهجوم على المجتمع المدني. كان هجوم الحكومة السابقة قد اشتمل على حملات تشهير ضد منظمات المجتمع المدني والنشطاء، واقتحامات مسلّحة لمقراتها، والتحفظ على بيانات خاصة وممتلكات هذا المنظمات، فضلا عن مضايقة واعتقال عدد من موظفيها، وإغلاق مكاتبها.

فقد تعرض مقر المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للاقتحام في ديسمبر من العام الماضي، وتعرض ٣ من العاملين بالمقر للاعتقال من بينهم الناشط السياسي محمد عادل، ثم أخلى سبيل إثنين منهم وتحفّظت الشرطة على الأخير، ونشر المركز وقتها صورا لأجهزة كمبيوتر مُحطّمة، وقال أنه تم الاستيلاء على عدد آخر من أجهزة الكمبيوتر.

الأمر نفسه تكرر مع مقر المركز المصري أيضا في الإسكندرية، عندما تم اقتحامه في مايو الماضي، وتحطيم والاستيلاء على عدد من أجهزة الكمبيوتر والقبض على عدد من العاملين والمتواجدين بالمكان، الذين تم إخلاء سبيلهم لاحقا. وأتى ذلك الإجراء عقب استضافة المركز مؤتمرا صحفيا للتضامن مع الناشطة السياسية ماهينور المصري، عقب صدور حكم بحبسها سنتين في قضية تظاهر.

كما صادرت قوات الأمن عدد نشرة «وصلة»، التي تصدرها الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، بعد مداهمة المطبعة أثناء طباعة العدد وإلقاء القبض على عامل الطباعة، الذي ظل محبوسا على ذمة التحقيقات قبل أن تفرج عنه النيابة.

يقول محمد زارع، ناشط حقوقي ومدير برامج في مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان: “نحن مجبرون على العمل والسيوف مُسلّطة على رقابنا”.

ويضيف زارع إن الإعلان الأخير يجبر منظمات المجتمع المدني على الدفاع عن حقهم في البقاء، الأمر الذي “يصرفنا عن هدفنا الأساسي في الدفاع عن من لا صوت لهم، مع اعتبار الحكومة مسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان”.

ويُوصف قانون الجمعيات الأهلية الحالي بأنه واحد من بين أكثر القوانين المتعسفة للمجتمع المدني في العالم، بما يشتمل عليه من قيود صارمة على تشكيل منظمات المجتمع المدني، وتمويلها وتشكيلها، إذ يخول الحكومة، عبر ترسانة من القوانين، باتخاذ إجراءات ضد تلك المنظمات إذا ما رغبت في تقييد النشاط الأهلي، ورغم ذلك فإن الحكومة في طريقها لطرح مشروع قانون جديد، يرى الحقوقيون أنه سيقضي على العمل الأهلي الحقوقي في مصر.

أحمد عزت، المحامي الحقوقي في مؤسسة حرية الفكر والتعبير، يرى أن إعلان وزارة التضامن الاجتماعي هو تمهيد من جانبها لتمرير “أكثر التشريعات الهادفة لتنظيم عمل منظمات العمل الأهلي ظلما خلال الخمسة عقود الأخيرة”.

منظمات المجتمع المدني ترفض التشريع الجديد باعتباره ينتهك الحقوق الواردة في دستور عام ٢٠١٤، والذي ينص، في المادة ٧٥، على تشكيل منظمات المجتمع المدني عن طريق الإخطار وممارسة نشاطها بحرية، “ولا يجوز للجهات الإدارية التدخل فى شئونها، أو حلها أو حل مجالس إداراتها أو مجالس أمنائها إلا بحكم قضائى”، ويذكر الدستور تحفظا واحدا فقط على تشكيل منظمات المجتمع المدني مرتبط بوجود نشاط سري ذو طابع عسكري أو شبه عسكري.

إلا أن مشروع القانون الجديد يفرض وصاية على هذه المنظمات من خلال إجراءات التسجيل، مما يجعل المنظمة تحت سيطرة السلطة التنفيذية.

ويفصح المزيد من التدخل الإداري عن نفسه في مشروع القانون الجديد، الذي “يمنح بشكل مؤثر ممثلي وزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني مقعدا في كل اجتماع لمجلس إدارة أي منظمة من منظمات المجتمع المدني” بحسب زارع.

ويوضح زارع أن “اللجنة تتمتع بحقوق كثيرة للاعتراض على تمويل منظمات المجتمع المدني، بما يمنحها السيطرة على نشاط المنظمة. حتى أنه يمكنها أن ترفض تعيين أعضاء بمجلس إدارة المنظمة، كما تملك حق الاعتراض على القرارات التي تضعها المنظمات موضع التنفيذ، وهو ما يمثل تدخلا حكوميا فاضحا في الشئون الداخلية للمنظمات المستقلة”.

قضية تمويل منظمات المجتمع المدني إحدى النقاط المحورية في الهجوم الإعلامي والحكومي عليها، فمعظم الاتهامات التي توجه للمنظمات تركز على تلقيهم تمويلا أجنبيا بما يستتبعه ذلك من اتهامات بالعمالة والخضوع لـ”أجندات خارجية”.

جاسر عبدالرازق، المدير المساعد للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يقول: “معظم المنظمات الحقوقية في العالم يتم تمويلها من قِبل مؤسسات دولية، سواء كانت تلك المؤسسات خاصة أو تتبع إحدى الحكومات. والقانون الجديد يضع قيودا متعسفة على التمويل القادم من الخارج، وواقع الأمر أنه في ظل المناخ السياسي الحالي لا أتوقع قانونا ديمقراطيا لتنظيم عمل منظمات المجتمع المدني”.

يضيف عبدالرازق: “المشكلة أنه لا يوجد بدائل محلية للتمويل، فقط لفترة محدودة عقب تنحي مبارك شهد المجال السياسي انفتاحا وظهرت ثقافة السياسة التشاركية، وقتها كان ممكنا نوعا ما الحصول على المزيد من المشاركين والداعمين بشكل منتظم لنشاط المجتمع المدني”، يستدرك: “لكن نقطة التحول جاءت عندما قررت الدولة والإعلام شن حملة تشويه ضدنا، وحققت الدولة هدفها بتشويه صورة المنظمات الحقوقية والأصوات المعارضة وربطها بمؤامرة. مما جعل من الصعب جدا على هذه المنظمات أن تعمل بشكل مستدام اعتمادا فقط على الدعم والتمويل المحلي المصري”.

ويطرح مشروع القانون الجديد أن تقوم لجنة مشتركة بين وزارة التضامن الاجتماعي وجهات أمنية متعددة، بمراجعة طلبات التمويل المختلفة في كل مرة، ولها الحق في رفضها.

التشريع يحظر أيضا ممارسة النشاط المدني تحت أي إطار يخالف ذلك الذي يفرضه، ومع هذا فإن عزت يحتج بأنه “من غير القانوني فرض أشخاص بشكل حقيقي أو صوري لمباشرة حق دستوري وجد حصريا ضمن هيكل قانوني موحد تم فرضه من جانب الدولة”.

التشريع الجديد يختلق أيضا محظورات تتجاوز ما يذكره الدستور، بحسب تأكيد عزت، مثل مخالفة النظام العام والآداب العامة، والمشاركة في نشاط سياسي وإجراء استطلاعات ميدانية دون إذن.

ويرى نشطاء المجتمع المدني أن التشريع الجديد خطوة على طريق “تأميم المجتمع المدني”، ويقولون إن مشروع القانون يعيد إلى الأذهان قانون عام 1964 والذي تم تمريره خلال حكم الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر، والذي أغلق منظمات المجتمع المدني من الأساس أو قام باستقطابها.

ملتقى منظمات حقوق الإنسان المستقلة، فضلا عن 23 منظمة مجتمع مدني أخرى نددت رسميا بأن مشروع القانون يضع كافة الجمعيات المستقلة في مصر تحت طائل صلاحيات مُكبِّلة تفرضها الأجهزة الأمنية.

ونُشر بيان المنظمات بالتوازي مع تقديم مذكرة رسمية إلى رئيس الوزراء إبراهيم محلب لرفض مسودة القانون، ولتحفيز الحوار المتعثر بين الدولة والمجتمع المدني حول المبادئ الأساسية لمشروع قانون الجمعيات والتي كان وزير التضامن الاجتماعي الأسبق أحمد البرعي قد تقدم بها للتقرير الدوري الشامل للأمم المتحدة.

ويقول مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بهي الدين حسن أنه “خلال فترة حكومة محلب الحالية لم تتم استشارة أي عضو من المجتمع المدني أو طُلب منه المشاركة في مسودة مشروع القانون الحالية، على الرغم من المشاركة النشطة والتعاون مع وزارة التضامن الاجتماعي على مدار السنوات الثلاث الأخيرة”. 

وقد تقدم حسن بالتماس لرفض مسودة القانون إلى رئيس الوزراء أواخر الشهر الماضي، إلا أن هذا الالتماس انتهى بـ«حسن» إلى الاعتقاد بأن “الوزارة ليست سوى بوق لإعلان مشروع القانون الذي ربما تولى وضعه أعضاء بالأجهزة الأمنية”.

يقول زارع إنه عقب انطلاق الثورة في عام 2011 علق نشطاء المجتمع المدني آمالا عريضة على الفجر الجديد الذي ستشهده أنشطتهم.

وفي اليوم التالي للإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك، عُقد منتدى لمنظمات المجتمع المدني، حيث وقعت جماعات عديدة على خارطة طريق تقترح سياسات على الحكومة من شأنها “تعزيز حُكم القانون وتعزيز حقوق الإنسان”.

وبدلا عن ذلك، في أعقاب إجراء حوار ظاهري مع المجتمع المدني، تجاهلت الحكومة إلى حد كبير المقترحات الموجهة إليها، لتواجه المنظمات المدنية عزلة متزايدة وتعسفا من جانب الدولة، على حد وصف زارع.

زارع، الذي شارك أيضا في مناقشات إصلاح قانون الجمعيات الأهلية على مدار السنوات الثلاث الأخيرة، يقول أن السياسات الحكومية بعد الثورة تعكس “نقصا واضحا في الإرادة السياسية لاحترام المبادئ الديمقراطية أو حقوق الإنسان”.

وحذر ملتقى منظمات حقوق الإنسان المستقلة الحكومة الحالية من ارتكاب “نفس الأخطاء” التي وقع فيها الرئيس المعزول محمد مرسي، والذي رفض كذلك مقترحات المجتمع المدني لتعديل قانون المنظمات غير الحكومية.

وعندما قامت حكومة محلب بأداء اليمين الدستورية هذا الصيف بعد أن تولى عبدالفتاح السيسي رئاسة الجمهورية، أخذت وزيرة التضامن المعينّة حديثا، غادة والي، التشريع على عاتقها كأحد مهامها الأولى.

ولم تتمكن «مدى مصر» من الحصول على تعقيب من وزرة التضامن على الانتقادات الموجّهة للتشريع الجديد.

ويرى منتقدي القانون أنه يُمثّل الخطوة الثانية من القمع ضمن موجة هجوم واسعة بدأت منذ الإطاحة بمرسي في يوليو 2013، ضد كل من المعارضة الإسلامية والعلمانية للنظام الحالي.

ويخشى قادة المجتمع المدني من أن يؤدي التشريع إلى قمع الدولة للمجتمع المدني بنفس الطريقة التي أُستخدم بها قانون التظاهر على نطاق واسع لإسكات المعارضة على اختلاف أطيافها السياسية.

ويرى عزت أن هناك مخاوف أيضا من استهداف التشريع منظمات حقوق الإنسان على نحو خاص، خاصة مع ما لعبته من دور فى كشف انتهاكات السلطات الحالية لحقوق الإنسان خلال العام الماضي.

ومع مواجهة مصر لانتقادات دولية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان حذر عزت من التوجه نحو ترويض الأبواق المحلية والتي تبحث وتكشف ممارسات الحكومة للعالم .

ويقول جمال عيد مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان أن “هذا القانون ربما يمثل، على نحو جيد جدا، الحلقة الأخيرة في سلسلة القيود التي تحيط بالمعارضة المصرية المستقلة”.

ويواصل عيد قائلا: “قامت الحكومة بالضغط أولا على وسائل الإعلام، ومن ثم القضاء. وبمجرد الاطمئنان إلى أنهما أصبحا في معسكر الحكومة في حملتها على الإخوان المسلمين، تحركوا لإسكات الشباب الثائر عبر التشهير بهم في وسائل الإعلام واعتقال أصحاب الأصوات العالية، بموجب قانون التظاهر”.

ويحذر عيد من أن “منظمات حقوق الإنسان غير الحكومية تعد خط الدفاع الأخير بالنسبة لضحايا القمع، والآن الحكومة لا تريدنا”. ويواصل قائلا: “تريد الدولة إسكاتنا كوسيلة للثأر من الدور الذي لعبناه أثناء الثورة”.

اعلان
 
 
الشريف ناصف