Define your generation here. Generation What

الحفاظ على مواقع الذاكرة

قبل الذكرى الأولى لواقعة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة عاد النزاع مجددًا بين منظمات حقوق الإنسان والمجموعات السياسية المختلفة والدولة حول ما حدث خلال تلك الأشهر التي امتلأت بالقتل عقب عزل محمد مرسي.

وعلى عكس ما أشارت إليه منظمة هيومان رايتس ووتش مؤخرًا بأن ما حدث كان “انتهاكات خطيرة لقوانين حقوق الإنسان” بل على الأرجح “جرائم ضد الإنسانية”، أرادت الحكومة أن تعضد انتصارها على الإرهاب في مصر بتجريم كل من ينتقد استخدام الدولة للعنف، فقامت بحبس صحفيين وقمع منظمات حقوق الإنسان، حيث منعت دخول اثنين من كبار المسؤولين بمنظمة هيومان رايتس ووتش فى مطار القاهرة بداية الأسبوع الماضي.

ولقد دارت هذه المعركة لإسكات كل من يروي وقائع ما حدث يوم 14 أغسطس 2013، والتي وصفها كثيرون على المستويين المحلي والدولي بالمذبحة، في ساحات عدة على مدار العام الماضي.

لقد تم منع ووقف عدد من الرياضين المصريين، من بينهم أحمد عبد الظاهر لاعب الأهلي لرفعه إشارة رابعة (الأربع أصابع) تضامنًا مع من ماتوا، ومحمد يوسف بطل الكونغ فو لارتدائه قميص رابعة عند استلامه الميدالية. كما بعثت الحكومة ممثلين لها إلى الولايات المتحدة والبلاد الأوروبية التي انتقدت أحداث الفض وعزل مرسي، وتمت الاستعانة بشركة للعلاقات العامة في الولايات المتحدة لذلك الغرض، كل هذا لدعم الروايات التي تم نسجها بعناية لتكون شبكة من الروايات الأورويلية.

وفي نهاية الأسبوع الماضي، بعد مرور عام على فض الاعتصام، قام العديد من الصحف المحلية بتأييد الرواية التي تروج لها الدولة. فجاء المانشيت الرئيسي لصحيفة «المصري اليوم» يوم 14 أغسطس بعنوان “عام على تحرير رابعة”، كما كتبت صحيفة اليوم السابع: “حتى لا ننسى جرائم رابعة وما بعدها”، مع صورة لسيارة شرطة محترقة وجثث لضباط ماتوا في الهجوم على قسم كرداسة. ورغم أن هذا الخطاب موجه من الدولة، إلا أن الكثيرين في مصر يعتنقون هذا الرأي، ويثنون على قوات الشرطة والجيش لدورهم في إنقاذ مصر.

في أكتوبر عام 2013 دفعت الدولة 90 مليون جنيه لتجديد ميدان ومسجد رابعة، حيث أصابهما الدمار من جراء الفض العنيف. تم طلاء المسجد وبناء نافورة تذكارية على شكل كفين، يرمزان إلى الجيش والشرطة، يحتضنان كرة في المنتصف ترمز إلى الشعب.

لم تكن تلك المرة الأولى التي تقوم فيها الدولة بالاستيلاء على مواقع شهدت أحداث عنف بهذه الطريقة. فقبل ذكرى معركة محمد محمود ببضعة أيام تم بناء نصب تذكاري في ميدان التحرير في محاولة لاحتكار ذكرى الشهداء. حيث قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بهدم النصب التذكاري الذي تم بنائه بشكل شعبي في عام 2012، زاعمًا أنه تضمن أسماء “البلطجية” ولم يذكر “الشهداء الحقيقيين”. ولقد تم تشويه النصب الذي بنته الدولة بعد تشييده بفترة قليلة، إلا أنهم أعادوا بنائه وتنظيفه بعدها.

وفي سياق مشابه قامت مجموعة من الطلاب ـ يقال أنهم أتوا من سكن الطلاب بجامعة الأزهر القريب ـ  بإشعال النيران في سقالات البناء حول نصب رابعة التذكاري في شهر مايو عام 2014، وهم يهتفون ضد الحكم العسكري وعبدالفتاح السيسي، إلا أنهم لم ينجحوا في حرق النصب نفسه.

في أعمالها تتناول لاله خليلي، أستاذ العلوم السياسية بالشرق الأوسط ومؤلفة كتاب “أبطال وشهداء فلسطين”، هذه المعركة على الذاكرة والمساحات. تقول خليلي: “إن المساحات تفسح مجالًا لإحياء الذكرى، لكنها تشكل أيضًا محفزًا للتذكر، ومصدرًا للروايات التي تخلد الذكرى، ومركزًا للنزاع على دلالات التاريخ. وإن إدارة المساحات بغرض إحياء الذكرى وبناء المتاحف والأنصاب التذكارية يتطلب موارد مؤسسية”.

إن تلك الوصاية على المواقع التذكارية، وإسكات بعض الروايات لترويج روايات أخرى، يعكسان علاقات القوة والمحاولات التي تبذلها الدولة للسيطرة على الذاكرة الجمعية، بدلًا من السماح بوجود ذاكرات متعددة، أو حتى تطوير الخطاب بشكل لا يضعها في موضع المتحكم.

إن الدولة تملك المال والسلطة المؤسسية، وهي تستخدمهما لتشكيل الذاكرة الشعبية عن الأحداث. لكن عندما سألت المصور الصحفي مصعب الشامي ـ الذي وثق أعمال العنف في فض رابعة ـ عن رأيه في نصب الدولة التذكاري، وكيف اختارت عائلات وأصدقاء الشهداء شكل رثاء موتاهم، تحدث عن القصص التي تُروى والطرق التلقائية التي لجأ إليها الناس لدمج تلك الذكرى الدموية في حياتهم اليومية. في “حرب الرموز” هذه يقف الأطفال لالتقاط الصور في بيوت أقربائهم الذين ماتوا، وتُرفع تلك الصور على الإنترنت، ويعد ذلك شكلًا بديلًا للرثاء لا تستطيع الدولة التحكم فيه، حسب قوله.

آلن فلدمان، عالم الأنثربولوجي ومؤلف كتاب “الإرهاب السياسي وتقنيات الذاكرة”، يقول في كتاباته عن تاريخ العنف في شمال أيرلندا: “إن الذاكرة التاريخية سلعة أنتجتها الجماهير في ثقافة بلفاست السياسية، وهي مكتوبة على البنايات المحيطة ـ في أسماء الأماكن، والأنصاب التذكارية، والثقوب التي تخلفها طلقات الرصاص، وحطام المنزل ـ وفي خيارات السكن والزواج، وفي كل المناسبات السنوية والمسيرات تقريبًا”.

وبينما نتذكر أحداث العنف التي وقعت في العام الماضي، أيًا كانت نظرتنا لها، وبينما تستمر الدولة في تخليد ذكرى رواية بعينها عما حدث، تصبح ذكريات العنف جزءًا من الحياة اليومية لهؤلاء الذين شهدوا تلك الأحداث ونجوا منها.

ولكن بعيدًا عن هؤلاء الذين شهدوا أحداث رابعة بأعينهم، فإن أحداث العنف لا يمكن محوها، كما هي الحال مع مذابح أخرى مثل ماسبيرو ومحمد محمود. والمحاولات الهجومية والحادة لمحوها أو تجاهلها تؤدي بطريقة ما إلى ترسيخها بشكل أكبر.

اعلان