Define your generation here. Generation What
معايشة ما بعد المذبحة
 
 

في ذروة فض اعتصام رابعة العدوية، وقفت مجموعة من 20 صديقًا في المستشفى الميداني واتفقوا على الاحتماء في شارع جانبي على بعد أمتار قليلة.

ستة أشخاص فقط نجحوا في القيام بذلك:

حمزة الصروى يتذكر الركض في خضم الرصاص المنهمر، ورؤية سقوط أصدقائه واحدًا تلو الآخر.

يتذكر الصروى: “كان أحد الأصدقاء يركض ثم يتم قنصه فيسقط، ويذهب شخص آخر لمساعدته فيتم قنصه ويسقط فوقه”.

ركضوا حتى وصلوا إلى مكان آمن وأدركوا أنهم لا يزالوا على قيد الحياة.

“بقى منا ستة فقط، من بينهم أنا وأقاربي” يقول، ثم يستكمل: “الباقون جميعًا سقطوا على يد القناصة”.

بعد مرور عام من الفض الدموي، يستعيد  الصروى محنته التى استمرت 14 ساعة في يوم الحصار العنيف، حيث هرب من الرصاص، وحمل أصدقائه المصابين، وتعرف على الجثث.

حوالي الساعة السادسة صباحًا يوم  14 أغسطس 2013، تحركت قوات الشرطة والقوات المسلحة لفض معسكرين من معسكرات الإخوان المسلمين في رابعة العدوية وميدان النهضة بشكل عنيف، مخلفين ورائهم أكثر من ألف متظاهر قتيل.

وقال تقرير صدر عن منظمة هيومن رايتس ووتش هذا الأسبوع، إن الفض “لم يشكل انتهاكات خطيرة لقانون حقوق الإنسان الدولي فقط، وإنما من المرجح أنه بمثابة جرائم ضد الإنسانية”.

الصور المروعة للمشاهد الدموية، والجثث المتفحمة، ونحيب الرجال والنساء، كل هذا رسم صورة غامضة لشكل الصدمة التي سببها هذا اليوم، صور ستظل في أذهان أولئك الذين ظلوا على قيد الحياة.

يتذكر الصروى الساعتين اللتين أمضاهما في الفض، ويتذكر دخوله إلى المركز الإعلامي الذي تحول إلى مستشفى ميداني ورؤية ستة صفوف من الجثث المتكدسة.

يقول إنه استطاع التعرف على بعض الأجساد قبل أن يفقد وعيه بفعل الصدمة. وبمجرد استعادة وعيه، بدأت الأخبار تنهمر عن سقوط عدد أكبر من الأصدقاء، واحدًا تلو الآخر.

يقول الصروى إن فقدان حبيبة أحمد عبدالعزيز وأسماء البلتاجي أثر فيه بشكل خاص. يصفهما كصديقتين عزيزتين.

ولم يعرف خبر مقتلهما إلا بعد دخوله على فيس بوك وتويتر حوالي الساعة الثانية ظهرًا في منتصف “المعركة”.

“لم أستطع تصديق خبر مقتل حبيبة، فاتصلت بها على هاتفها وأجابني طبيب” يتذكر الصروى: “من المؤكد أنه تلقى الكثير من مثل هذه المكالمات الهاتفية؛ لأنه أخبرني ألا أتصل مجددًا وأن حبيبة عند الله الآن”. يستكمل: “لقد كانت تلك لحظة مؤلمة للغاية .. لا يمكنني وصفها”.

يقول الصروى، إنه نتيجة أعداد الذين فقدهم فى هذا اليوم “فقد شهيته للحياة”. ولا تزال هناك بعض اللحظات الملتهبة محفورة في عقله.

“رأيت رجلًا مع أسرته، رفع رأسه إلى السماء وبدأ يسأل الله أين هو. وكان يصرخ: إذا كنت موجودًا فلماذا لا تحمينا؟ لماذا تترك هذا الأمر يحدث لنا؟”

في الجانب الآخر من الميدان، أحد المشاركين في الإعتصام، يفضل أن يُسمى الشيخ عليّ، كان مسئولًا عن تأمين أحد المداخل عندما بدأت قوات الأمن في الدخول. يقول: “توقعت مواجهة مع قوات الأمن المركزي، ولكني لم أعتقد إنها ستكون عملًا حربيًا”.

يتذكر عليّ رؤية أشخاص حوله يبكون ويصرخون، بينما يردد آخرون الشهادة.

غطى عليّ حروبًا في سوريا وغزة من خلال عمله منتجًا ميدانيًا للصحفيين.

يشرح: “في أماكن مثل هذه، كنت مستعدًا عقليًا؛ لأنهم كانوا في حرب. ولكن في رابعة كان الأمر مختلفًا. لم أعتقد أن شخصًا في بلادي قادر على هذا النوع من الوحشية”.

يتذكر عليّ التملص من وراء المتاريس المصنوعة من أكياس الرمال والصفائح المعدنية مع متظاهرين آخرين. بعدها جاء أحد جنود الأمن المركزي بجوارهم، ودفع الصفائح المعدنية وبدأ إطلاق النار من مسافة قريبة.

يستكمل: “قتل حوالي ستة أشخاص، ثم جاء المزيد من الجنود وكنا محاصرين. قُتل 17 شخصًا في أماكنهم خلال ثلاث دقائق على غرار عمليات الاعدام”.

يتذكر عليّ الطلقات النارية القادمة من الطائرات التى اعتلت رؤوسهم، مع الرصاصات التي تخترق الرأس وتخرج من الذقن. ويتذكر أيضًا الخيام المحترقة والمتظاهرين المجبرين، ومن بينهم النساء والأطفال، على الركض وسط وابل النيران القادم من جهات مختلفة.

يقول: “رأيت الناس تُحرق أحياء، ولكنني لم أتمكن من القيام بأي شيء حيال هذا الأمر. يتوقف عقلك عن العمل، وتبقى فقط غريزة البقاء على قيد الحياة”.

بالنسبة لمصطفى جميل، أحد المشاركين، بقيت المشاهد التي سبقت وتلت الفض بساعة هى الأقوى.

“أتذكر رؤية فتيات يبلغن من العمر أقل من 17 عامًا يلتقطن صورًا معًا قبل حدوث الهجوم. أتذكر رؤية أسماء البلتاجي بينهم” يقول جميل: “كما رأيت أيضًا أطفال لم يعرفوا معنى الفض يلعبون مع بعضهم البعض في الخيام”.

“كنت واثقًا من أنهم لن يتمكنوا من فض الاعتصام. كنت أعلم أنهم سيقتلون الكثير منا، ولكني أعتقدت في مرحلة ما أن القتل سوف يتوقف”، يقول جميل متذكرًا لحظة تأمين مداخل الاعتصامات استعدادًا للهجوم.

كما يتذكر تلقيه أخبار مقتل أصدقائه، بعد ساعة من الفض، بينما تبتعد مجموعة من المتظاهرين الناجين من الميدان وعيونهم ممتلئة بالدموع.

ويؤكد أن مشاهدة ما بعد الفض كان أكثر قسوة من مشاهدة الفض نفسه، مع عودته لرؤية أجساد القتلى.

يتذكر الدماء تغطي الخرسانة، وقيامه بعدّ أكثر من 50 جثة متفحمة. يقول إنه قام بتكفين جثث اكتشف أنها لأصدقائه فيما بعد. تتجسد الصدمة التي تحملها جميل في حياته اليومية الآن.

يشرح: “أي شخص أقابله، أشعر على الفور أنه إما أيد الفض أو احتفل بمقتل أصدقائي. أدركت أن الناس أكثر قمعية من الحكام”.

“كان هناك سلسلة من المجازر”، يستكمل جميل مسلطًا الضوء على المواجهات المختلفة مع قوات الأمن منذ ثورة 25 يناير. “حتى وإن لم نقتل جسديًا .. أشياء بداخلنا ماتت”.

منى حامد، طبيب نفسي في مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي لضحايا العنف، تقول إنه من المحتمل أن الناس الذين شاهدوا الفض يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة.

والصدمة تستمر، مع تعرض أولئك الناجين من الفض إما للإصابة أو مقتل أحد أفراد عائلتهم أو تعرضهم للإصابة أو الاعتقال.

تؤكد حامد أن أولئك الساعين للعلاج لا يتابعونه بالضرورة، وينشغلون بالمصابين أو المعتقلين من أفراد عائلتهم واحتياجاتهم. غالبًا ما يتأثر شخص بالعديد من المآسي، بدءًا من وفاة وحتى إصابة أحد أعضاء الأسرة.

تقول حامد إن هناك من يشعرون بالذنب لتلقيهم العلاج؛ لأنهم يعرفون أن الآخرين لم يتمكنوا من النجاة من الفض.

عنف 14 أغسطس كان أقرب إلى “كابوس لم يستيقظ منه الناس، ولكنهم لا يريدون الغرق فيه”، تؤكد حامد.

حتى هذا اليوم، يقول الصروى إنه إذا سمع سارينة عربة مدرعة “يومض اليوم كله أمام عيني”. وتتكرر رسائل وزارة الداخلية التحذيرية لترك الميدان في رأسه أيضًا.

يقول: “أسرتي تعتقد أنه ينبغي أن أذهب إلى الطبيب؛ لأنه لا يمكن أن يشهد أحد مثل هذه المجزرة ويستمر في حياته طبيعيًا”.

ولكن الصروى لا يعتقد أن العلاج يكمن في رؤية طبيب. وإنما “يكمن العلاج في تذكر أصدقائي وحكي قصصهم”.

يخطط الصروى لنشر قصص عن أصدقائه الذين فقدوا حياتهم في الفض. ويشرح: “أريد أن يعرف الناس أنهم كانوا بشرًا طبيعين ذهبوا معي إلى الجامعة، كانوا يدافعون فقط عما كانوا يؤمنون به”.

كما يخطط لتمضية الذكرى الأولى للفض في التفكير في الأحداث، وزيارة بعض أولئك الذين فقدوا أحد أفراد عائلتهم في أحداث العنف.

بالنسبة لعليّ، فهو يتحدث عن الكوابيس المتكررة للحظات الأخيرة للفض. يقول: “تأتيني دائمًا كوابيس عن تعرضي للحرق حيًا مثل الذين رأيتهم، وتعرضي للتعذيب أو الاعتقال”.

عليّ مستمر في المشاركة في مظاهرات وفعاليات أخرى بعد الفض، وانشغل عن تلقي العلاج.

“للحصول على العلاج يجب إزالتك من المشكلة” يفسّر علىّ: “ولكننا لا نزال منغمسين فيها”.

اعلان