Define your generation here. Generation What
مصعب الشامي.. أن توثّق مذبحة
 
 

هناك تقليد أسبوعي تتبعه «مدى مصر» منذ شهور، وهو دعوة ضيف كل خميس على إفطار يدور حوله نقاش مفتوح حول إحدى الموضوعات. مصعب الشامي، المصور الصحفي الشاب، كان ضيف هذا الخميس.

بدأ الشامي، ٢٤ عاما، عمله كمصور صحفي حر منذ ٤ سنوات في آواخر سنة ٢٠١٠ بعد تخرجه في كلية الصيدلة، وعقب ذلك التحول بقليل بدأت ثورة ٢٥ يناير، ليوثّق بعدسته معظم الأحداث الهامة والمفصلية التي مرت بها مصر خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وكانت أكثر تلك الأوقات حرجا وخطورة، هي الساعات التي قضاها داخل اعتصام رابعة أثناء فضه، منذ عام مضى.

نشر الشامي ٢٥٠ صورة على حسابه بموقع “فليكر”، من بين نحو ١٠٠٠ صورة التقطها ذلك اليوم. تواجد داخل الاعتصام لساعات أثناء الفض، وانسحب عندما سمع صوت أزيز رصاصة مرت بجانب رأسه. انبطح أرضا، واحتاج ثواني كي يدرك أنه ما زال على قيد الحياة. قرر مغادرة الاعتصام. أخفى “كارت الذاكرة” في جوربه، وأثناء خروجه استوقفه عدد من المدنيين احتجزوه واستولوا على كاميرته الشخصية قبل أن يتركوه يغادر ومعه “كارت الذاكرة” دون أن ينتبهوا.

“قررت أنه من الحماقة الاستمرار أكثر من ذلك، لم يكن هناك أي سبب يمنع استهدافي برصاصة قناص من فوق أحد المباني المحيطة بمكان الاعتصام، لم يكن هناك مكانا آمنا إلا داخل المستشفى الميداني، قررت الخروج ففي النهاية إذا بقيت قد ألتقط صورا أكثر لكنها قد لا تصل إلى أي أحد إذا قُتلت”.

وفقا لتقرير مؤسسة حرية الفكر والتعبير، قُتل يوم فض رابعة ٣ صحفيين، وأشيع خطأ أن الشامي قد قتل قبل أن يتبين عدم صحة ذلك، وتعرض ٣٢ آخرين لإصابات ناتجة عن طلقات نارية وخرطوش والضرب بآلات حادة وتحطيم الكاميرات والمعدات أو الاستيلاء عليها.

في اليوم نفسه تعرض عبدالله، شقيق مصعب ومراسل شبكة الجزيرة، للاعتقال على يد قوات الجيش والشرطة، ليظل محبوسا مدة ١٠ أشهر، أمضى نصفها مضربا عن الطعام، قبل أن يخلي النائب العام سبيله و١٢ آخرين لظروفهم الصحية.

وفي اليوم نفسه أيضًا، قُتل قرابة ٨٠٠ شخص، وفقا للبيانات الرسمية، في مجمل أحداث فض اعتصامي رابعة والنهضة وأحداث العنف المختلفة في باقي المحافظات، وذكرت المصادر نفسها سقوط ٢٠٦ قتيل من الشرطة. بينما تشير تقارير حقوقية، أبرزها تقرير هيومن رايتش ووتش الصادر منذ يومين، إلى مقتل ما بين ٨٠٠ إلى ١٠٠٠ مدني أثناء فض اعتصام رابعة فقط، فيما وصفته بـ”أكبر حادث قتل جماعي للمتظاهرين في يوم واحد بالتاريخ الحديث للعالم”.

أن توثّق مذبحة

“بين أحداث رابعة العدوية ومسجد الإيمان ومسجد الفتح برمسيس، مررت بأسوأ ٧٢ ساعة في حياتي كمصور صحفي، لم أنم، أقوم بالتصوير ونشر الصور بشكل آلي، وفوق كل ذلك أتى اعتقال شقيقي” هكذا وصف الشامي ما اعتبره التجربة التي دشنت السنة الأكثر تأثيرا في حياته.

بعد فض اعتصام رابعة العدوية نقل المعتصمون جثث القتلى إلى مسجد الإيمان بشارع عمر مكرم، القريب جغرافيا من موقع المذبحة، حيث اضطر الشامي لمواجهة ما تجنبه طوال ٣ سنوات.

يقول: “لأسباب كثيرة تجنبت طوال أعوام الثورة الذهاب إلى المشرحة، كان علي أن أواجه كل ذلك للمرة الأولى، كل تلك الجثث المكدّسة”.

في اليوم التالي لفض رابعة ورغم وجود نحو ١٥ مصورا عرّضوا حياتهم للخطر، يقول الشامي أنه لم يجد صورة واحدة في الصحف المحلية، فقط عناوين وأخبار عن “تحرير” رابعة، في إشارة إلى أحد عناوين الصحف اليومية الشهيرة. وعندما بدأ في نشر شهادته والصور التي التقطها على حساباته المختلفة بشبكات التواصل الاجتماعي، جاءت التعليقات على صورة عاصفة من الإهانات والتشكيك والاتهامات.

“لم يعد ضروريا أن تكون إخوانيا كي يتم التشكيك في روايتك، يكفي أنك كنت في مكان الاعتصام وقت الفض كمصور صحفي تقوم بعملك لتتعرض للاتهامات” يضيف الشامي.

“كل ذلك أورثني شكا تجاه كل ما نفعله، هل يستحق العناء فعلا؟” تساؤلات الشامي لم تتوقف عند حد شكوكه في جدوى عمله كمصور صحفي بل تجاوزتها إلى السؤال حول قدرته على احتمال ذلك طوال حياته.

“ربما كانت مذبحة رابعة هي أسوأ ما واجهناه، لكن لا توجد أي ضمانة أنها قد لا تتكرر، فهل أنا قادر على التعامل مع ذلك؟”. بعدها، توقف الشامي عن التصوير لعدة أشهر.

الصور لا تغير العالم

موقفان غيرا وجهة نظر الشامي تجاه التصوير مرة أخرى، هكذا أخبر «مدى مصر».

الأول، عندما تلقى اتصالا تليفونيا من أحد أصدقاء طفولته، بعد فترة وجيزة من فض اعتصام رابعة، وكان صديقه قد التحق بالخدمة العسكرية قبل شهر من فض الاعتصام، وللمصادفة كان ضمن القوات المشاركة فى الفض.

يقول الشامي عن صديقه أنه، رغم وسطيته، كان مساندا للثورة، إلا أن الحوار الذي دار بينهما كان حادا.

سأل الشامي صديقه عن رأيه فيما حدث في الاعتصام وسقوط كل هؤلاء القتلى، فأجابه أن المتواجدين هناك مسؤولون عما حدث معهم، فسأله الشامي بدوره: “لقد كنت هناك أقوم بتغطية وقائع الفض فماذا لو كنا قد تواجهنا؟”، فأجابه: “كنت سأقوم بعملي”، وانتهت المكالمة بينهم.

بعد فترة تلقى الشامي اتصالا آخر من صديقه بعدما شاهد الصور التي قام بنشرها، وبعدما اعتذر له في البداية عن حدته تجاهه في المكالمة السابقة، طلب منه أن يحكي مشاهداته، وبدأ الشامي في قصّ ما رآه، وتدريجيا تغيرت وجهة نظر صديقه.

الموقف الثاني حدث بعد واقعة إطلاق نار من قبل مجهولين على حفل زفاف في كنيسة بالوراق أثناء خروج المدعوين، مما أسفر عن مقتل ٤ أشخاص. وقتها صوّر الشامي جنازة القتلي ومظاهر حزن ذويهم.

يحكي الشامي: “لدي ابنة خالة سلفية، كتبت بعد الحادث على فيسبوك ما يفيد أنها غير متعاطفة مع القتلى، لاعتقادها أنهم مؤيدون لما حدث في رابعة”. يذكر الشامي أنه تجاهل ما كتبته، لكنه صوّر الجنازة والأهالي ونشر الصور، فوجد رسالة منها لاحقا تخبره أنها كانت مُخطئة، وأن مشهد الأهالي المنهارين شديد الصعوبة، ورغم أنها كانت ترى ذويهم يستحقون هذه الميتة إلا أنها تظن الآن أنها كانت مخطئة.

“هذان الموقفان غيرا وجهة نظري تجاه ما أفعل”، يضيف الشامي: “ربما لن نغير العالم، لكن البشر وآرائهم يتغيرون، الصور لن تغير الواقع ولن تعيد حقوق من قُتلوا، لكنها تساعد الأشخاص على طرح أسئلة وتغيير وجهات نظرهم، تساعدهم على تحطيم الجدار الذي يضعونه بينهم وما يحدث”.

الصور التي التقطها الشامي اكتسبت حياة خاصة بها بعد نشرها، خلال العام السابق ارتفعت معدلات مشاهدة صوره على موقع “فليكر”  من ٢٠٠ ألف إلى أكثر من مليونين. بدأ عدد من المشاهدين في التعرف على أقاربهم وأصدقائهم الموجودين في صور فض اعتصام رابعة، ليتركوا بعد ذلك تعليقات تحكي قصص هؤلاء الأشخاص. وما كان صورة منتزعة السياق أصبحت قصة حيّة في حد ذاتها. هذا ما جعل الشامي يفكر في العودة مرة أخرى وتتبع بعض هذه الخيوط ليعيد بناء المشهد من جديد، لكنه اكتشف أن الكثيرين ممن صورهم إما قُتلوا أو سُجنوا.

خلف الكاميرا

يتحرك الشامي خلف الكاميرا، في بعض الأوقات بخفة دون أن يكون منظورا، عندما يلتقط صورة لأم بجوار جثة ابنها المسجاة على أرض مغطاة بالدماء، يحافظ على مسافة بينه وبينهما، مفكرا أن هذه اللحظة ملكا لها وحدها. بينما في أوقات أخرى يصبح وجوده أكثر وضوحا وعلانية.

يقول الشامي: “في مواقف أخرى يصبح هناك ما هو أكثر من مجرد الانتقال بين المواقع المختلفة والتقاط الصور بآلية، يكون هناك وجود ملحوظ بشكل أكبر للأشخاص المحيطين بك، تواصل دون كلمات.. تواصل يصنعه المصير المشترك.. أنا هنا أحاول أن أوثق ما قد يحدث لك بعد ثوان”.

كان العام الماضي صادما بالنسبة للشامي، “وبالنسبة لكل من عاشوه في مصر” هكذا أضاف.

ما زال الشامي يحاول استيعاب ما حدث، وما شهده. تجنب لفترات الحديث عن رابعة وما تلاها من أحداث، لكنه أدلى بشهادات مفصّلة بما عايشه لمنظمات حقوقية، ما استدعى أن يرجع إلى الصور التي التقطها مرة أخرى لإعادة بناء المشهد.

“لم أكن قادرا على التعامل مع ما حدث، كانت هناك الكوابيس، والمشاهد المستمرة التي تقفز إلى ذهني، لم أكن قادرا على التفكير بشكل سليم، كانت صدمة ذات تأثير عنيف، وهكذا سيظل الأمر بقية حياتنا، وعلينا أن نتعلم كيف نتعايش مع ذلك”.

اعلان