أرشيف الحالة الفلسطينية

يجلس رجل مع ابنه الصغير على قالبين من الأسمنت، ومن حوله أكوام من الحطام كانت في يوم بيتًا يأويهما، على أطراف الشارع الذي كان محل سكنهما من قبل. يشبهان في جلستهما بعضهما الآخر. تتدلى ذراعيهما النحيفتان على ركبتيهما، قبضتي كلاهما مضمومتان، مطرقان برأسيهما وهما يتأملان الخسائر، ويفكران في ما ينتظرهما بعد ذلك.

كان هذا المشهد في السادس عشر من شهر يوليو، بعد مرور ثمانية أيام على بدء الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة. وسوف يتم تداول تلك الصورة، مثلها مثل العديد من الصور الأخرى، في أماكن عدة حول العالم. فهي تعبر عن قدر البؤس الذي أصاب القطاع.

بدءا من التاسعة من مساء التاسع عشر من يوليو شرعت الدبابات والمدفعية والصواريخ الإسرائيلية فى قصف سكان حي الشجاعية، وهو واحد من أفقر أحياء القطاع وأكثرها تكدسًا بالسكان. وقامت وسائل الإعلام الإسرائيلية بمشاركة نظرائها في أوروبا والولايات المتحدة بوصف هؤلاء الضحايا بأنهم “دروع بشرية”. وبإطلاق وصف “درع” على نحو 1.8 مليون شخص، نفى هؤلاء المعلقون السياسيون عنهم الصفة البشرية. وهكذا فإن مجرد وجودهم كفلسطينيين على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية يجعلهم لا ينتمون إلى الجنس البشري.

في الصباح التالي امتلأت شوارع الشجاعية بالجثث والأشلاء. ثمة أم تربط وشاحًا ملطخًا بالدم على رأسها تصرخ من فرط الصدمة: ابنى مات. وهناك شاب يرقد بلا حراك بين الحطام، يتضرع إلى الله قبل أن يصيبه قناص إسرائيلي فيقتله. أما من بقى على قيد الحياة فسارع إلى الهرب مذعورًا، لينجو بحياته من الهجوم المستمر. تغطيهم سحابة سوداء أثناء سيرهم مشيًا أو بالسيارة أو حتى على كراسي المقعدين تاركين منازلهم ورائهم.

في عصر الرابع والعشرين من يوليو قام عدد من السكان الذين كانوا يحتمون بمدرسة الأمم المتحدة في بيت حانون بالتجمع في الساحة استعدادًا للإخلاء. ولم تمض دقيقة قبل أن يمطرهم وابل من القذائف الإسرائيلية ليموت 16 شخصًا ويصاب 200 آخرين. ولقد زعم الجيش الإسرائيلي أنه قد أعطى أمرًا بالإخلاء، بينما أكد كريس جنيس المتحدث باسم الأمم المتحدة أنها قد طالبت بوقف إطلاق النار لتسهيل عملية الإخلاء. وكانت تلك المرة الرابعة التي يصاب فيها مبنى تابع للأمم المتحدة من قبل إسرائيل منذ بداية عدوانها.

وفي السابع والعشرين من يوليو عاد القصف مجددًا على سكان غزة. أخذوا يقلبون أكوام الحطام باحثين عن موتاهم. ووسط رائحة الموت كشفوا عن 150 جثة تحت الحطام. بينما قام آخرون بالبحث عن بقايا سيرهم الذاتية: كتبهم، أعمالهم الفنية، وأوراقهم.

ما هذا إلا بعض المشاهد من غزة 2014، وهي مشاهد مؤلمة لسرعتها المفاجئة. لكن ما يزيد من الألم أيضًا هو أنها مشاهد متكررة، فقد شاهدناها في أوقات وأماكن أخرى. هي مجرد أمثلة من الصراع الذي دام نحو قرن مع الاستعمار. وهي الآن جزء من الأرشيف الذي تحولت إليه الحالة الفلسطينية. إن الحياة في غزة، في الوقت الراهن، تعني البحث الدائم عن ملجأ.

وتعيدنا تلك المشاهد من غزة إلى كوارث سابقة حددت شكل الصراع، مثل أحداث عام 1948 التي حولت ثمانين بالمئة من الأراضي الفلسطينية إلى أراضٍ إسرائيلية. في ذلك الوقت قامت القوات الصهيونية بتدمير وتهجير ما يزيد عن 400 قرية، وتحول 800,000 فلسطيني إلى لاجئين مشردين محرومين من حق العودة المعترف به دوليًا، وصار هناك 150,000 فلسطيني غرباء “حاضرين غائبين” على أراضيهم التي أصبحت الآن تابعة لإسرائيل.

تعيدنا تلك المشاهد من غزة إلى حوادث القتل بلا تمييز على يد قوة متفوقة عسكريًا، والتي غالبًا ما كانت تقوم بها بدعوى الثأر الزائفة، وفي جميع الأحوال كانت تنفذها على شكل عقوبات جماعية. كما تعيدنا إلى مذبحة القبية التي وقعت عام 1953، عندما قام آريل شارون الشاب بقتل 69 من السكان وساوى 45 منزلًا بالتراب. وتعيدنا أيضًا إلى مذابح صبرا وشاتيلا في عام 1982، حين قام الجيش الإسرائيلي بقصف معسكر اللاجئين مفسحًا المجال لدخول الكتائب اللبنانية “لتصفية” الفلسطينين بالداخل.

وعلاوة على ذلك، تعيدنا تلك المشاهد من غزة إلى لحظات أكثر اعتيادًا: من هدم منازل، ونزع أراضٍ، واغتيالات موجهة. لقد نجم عن الهجوم الإسرائيلي الأخير تخصيص 44 بالمئة من أراضي القطاع لتصبح “منطقة فاصلة“. وهذا حدث يتكرر تاريخيًا في استراتيجية إسرائيل لنزع ملكية الأراضي المستهدفة، وقد ترتب عليه انكماش مطرد في مساحة الأراضي الفلسطينية.

وبالنسبة للفلسطينيين الذين يعيشون في ظل الاحتلال بالضفة الغربية، والفلسطينيين الذين يعيشون في إسرائيل، واللاجئين الفلسطينيين، وفلسطيني الشتات، لا يعد مشهد النزوح والشتات والأسى والبحث عن ملجأ حادثًا فرديًا. فهو يقع ضمن سلسلة من الأحداث المتكررة تاريخيًا ضمن صراع المواجهة مع الصهيونية، التي تمكنت بفضل تقدمها التكنولوجي ومواكبتها للتغيرات من الاستمرار في الاستيلاء على الأراضي بكل ما يستلزمه ذلك، خاصة محو الفلسطينيين. لقد أصبحت غزة اليوم جزء من أرشيف الاستعمار.

في الثاني من شهر يوليو عثرت الشرطة الإسرائيلية على جثة محمد أبوخضير البالغ من العمر 16 عامًا في إحدى غابات القدس. وكان ستة إسرائيليين قد قاموا بخطفه وهو في طريقة إلى الصلاة، وأرغموه على شرب الغازولين ثم أشعلوا بجسده النيران. ولقد قامت الجماعة المكونة من مليون شخص ونصف، الذين ينطبق عليهم تصنيف “عرب إسرائيل” الاستعماري الجارح، بالخروج إلى الشوارع احتجاجًا من جنوب النقب إلى شمال حيفا. وانتفض الفلسطينيون في أنحاء البنتسوتانات المتفرقة بالضفة الغربية. وعلى جانبي الخط الأخضر الذي يقسم مساحة فلسطين التاريخية احتدت المعارك مع القوات الإسرائيلية. جانب يقذف بالحجارة، فيقوم الجانب الآخر برميه بالغاز المسيل للدموع، والرصاصات المطاطية، والذخيرة الحية، و”ماء الظربان”. أصبح من الصعب تفريق الناصرة عن رام الله، وطولكرم عن الباقة.

إن تلك الانتفاضات ليست وليدة اليوم؛ فهي تنتسب إلى الثوار في الفترة من 1936 إلى 1939، الذين قاموا بتحرير المدن الفلسطينية من الحكم البريطاني لفترة وجيزة، كما تنتسب إلى فدائيي الثورة الفلسطينية في الستينيات والسبعينيات، وإلى المضربين والمحتجين الذين تصدوا لمصادرة الأراضي داخل إسرائيل في يوم الأرض عام 1976، وكذلك إلى الثوريين في الانتفاضة الأولى الذين واجهوا العدوان الوحشي بالعصيان المدني، وأطفال الحجارة الذين اعتادوا الاعتقال في السجون الإسرائيلية. ما يحدث في غزة اليوم ينتسب إلى الجزء الآخر من أرشيف الحالة الفلسطينية، أرشيف التحرر من الاستعمار.

عندما شرعت إسرائيل في تدشين تجربتها العسكرية في قطاع غزة، حقل تجاربها المفضل، كانت تعتمد على عامل التكرار التاريخي وهي تنفذها مع تصاعد عدد الموتى على الجانب الفلسطيني. وفي المقابل قام الفلسطينيون بكسر النمط التاريخي؛ فللمرة الأولى منذ عام 1993 أكد الفلسطينيون لكل القوى التي تفوقهم بأسًا أنهم لن يخضعوا لمنطق الاتفاق أولًا ثم التفاوض. لقد رفضوا الاختيار ما بين الموت البطيء أو الفوري، وطالبوا بإنهاء حصار غزة. وعلى عكس ما حدث في الهجومين الإسرائيليين الأخيرين على غزة، تمكنت حماس من تكبيد القوى الإسرائيلية العسكرية المتفوقة خسارة أكبر من أي وقت مضى، حيث قتل حتى الآن 63 جنديًا، واثنان من المدنيين، وشخص يحمل الجنسية التايلاندية. وبعدما كان المعلقون الإسرائيليون يصفون حماس بأنها غير عقلانية وغير ذات صلة بالأمر، أصبحوا الآن يواجهون صمود حماس أمام الخراب الذي يحدثه ميزان القوى غير المتكافئ. ولقد أدى ذلك الصمود إلى تغيير لهجة الخطاب السياسي بين الفصائل السياسية الفلسطينية، حتى ولو كان ذلك بصفة مؤقتة، ليتخلوا عن مستنقع “المفاوضات” ويستعيدوا التركيز على المقاومة. إن غزة اليوم تمثل تصدعًا في السجل التاريخي.

وكان رد فعل الفلسطينيين على ذلك ـ كما في المرة السابقة وفي كل المناطق المتفرقة ـ هو الخروج إلى الشارع للاحتجاج. ففي مساء الرابع والعشرين من شهر يوليو خرجت مسيرات بالآلاف، متحدية الرصاص الحي والمطاطي. في رام الله اتجهت المسيرة إلى قلنديا، وفي نابلس توجهت إلى حوارة، وفي الخليل، بيت لحم، وطولكرم قامت بمواجهة القوات الإسرائيلية. وفي بلدة أبو ديس على أطراف القدس قام الشباب بتكسير الحائط العازل. كانت القدس الوجهة الرمزية لهم. وكانت النتيجة الملموسة هي رفض الخضوع والتصدي للتقسيم.

إن اختزال تلك التحركات في “تأييد غزة” يعد قراءة خاطئة للتاريخ. هؤلاء الفلسطينيين يؤيدون غزة بكل تأكيد، لكنهم يرونها على أنها جزء من واقعهم، وجزء من المواجهة الدائمة مع الاستعمار. إنهم ينتهزون هذا التصدع. يتظاهرون من أجل غزة كما يتظاهرون من أجل فلسطين. عابرين ومتصدين لمؤامرات التقسيم الإسرائيلية.

ولقد قامت القوات الإسرائيلية حتى وقت كتابة هذا المقال بقتل 1,892 فلسطيني، كما تسببت في إصابة 8,000 آخرين. وأمام هذا الحجم الهائل من الخسائر يبدو أنه ليس من المنطقي أن نقف لنتأمل الأثر التراكمي. ومع ذلك، فمن الممكن أن نرى أحداث الأربعة وعشرين يومًا الماضية على أنها الحلقة الأخيرة في سلسلة من التراكمات التاريخية.

في مساحات الالتقاء الضيقة بين الذاكرة الشعبية والممارسات الأرشيفية نجد قصصًا يرويها الناس لكي يتمكنوا من التعامل مع الأحداث اليومية. تلك القصص ينسجونها لتشكيل الحاضر، وبناء روابط مع الماضي، والمطالبة بالحق في المستقبل. ونجدهم يستخرجون الأنماط المتكررة، ويميزون المواضع التي تتصدع فيها تلك الأنماط، ويولون اهتمامًا إلى الأوقات التاريخية العصيبة الحافلة بالإمكانيات والمخاطر، ويبحثون ما بين الحالات المتكررة لرصد ما هو متفرد وجديد. وهم أيضًا يقومون على تكوين وتغذية أرشيف خاص بهم؛ الأرشيف الذي يحوي سجل الاستعمار ويدافع عن إرادة التحرر منه. إن غزة اليوم، بأنماطها المتكررة والمتصدعة، ما هي إلا واقعة في أرشيف الحالة الفلسطينية.

نشر هذا المقال ضمن سلسلة نشرت على مدار أسبوع على مدونة دار نشر جامعة ستانفورد. يمكن الاطلاع على السلسلة الكاملة المكونة من عشرة أجزاء على المدونة.

اعلان
 
 
شيرين صيقلي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن