Define your generation here. Generation What
جواهر السينما المصرية: “جنينة الأسماك”
 
 

الهوية هي قدرة الإنسان أن يحكي قصته. أو، في أسوأ الأحوال، أن يتذكرها. على هذه الحقيقة بنَى يسري نصرالله فيلمه الملحمي “باب الشمس” (٢٠٠٤)، المعالجة السينمائية لرواية إلياس خوري الحاملة نفس العنوان. في “باب الشمس”، يحكي نصرالله، من بعد خوري، عن خليل، ذلك الطفل الذي تاه عن أمه في خضم التهجير القسري لسكان قريته الفلسطينية، على يد قوات الإحتلال الإسرائيلي سنة ١٩٤٨. وفي مخيم اللاجئين تبناه يونس، أحد أبطال المقاومة، وكبّره وعلّمه، ثم غاب في غيبوبته إثر إصابته في إحدى عمليات المقاومة. بقى خليل وحده أمام جسد أبيه بالتبني الغائب عن الوعي، لا يبحث فقط عن أن يفيقه بل عن أن يفيق معه كل الحكايات التي حكاها له عن تاريخه وأصله. فيحكي له خليل الحكايات نفسها، كما قصها عليه يونس طوال حياته، عن بطولاته وعن فلسطين وعن المقاومة، ويمزجها مع روايات الآخرين المتضاربة، ويبحث بائساً في كل هذه التفاصيل عن هوية. هذه هي قصة خليل، تائه عن أمه طفلاً، وتائه في إزدحام الحكايات الموروثة أمام جثمان أبيه شاباً.

وفي الفيلم الذي تلى، حكى يسري نصرالله مرة أخرى عن الهوية وغيابها. لكنه هذه المرة، لم يحكي مأساة شعب دُفِع للهجرة تحت تهديد السلاح، ليتوه بين الحرب والمذابح والمخيم، وتضيع منه هويته، بل حكى عن سكان القاهرة. قديمًا، كان إسم مدينتنا مرتبطاً بشكل مباشر مع أعدائنا، فقد كانت القاهرة قاهرة للأعداء. ولكن اليوم وفي عهد ما بعد السلام، وما بعد العدو الذي قد صار الصديق، لم تزل القاهرة قاهرة. فمن هو المقهور الجديد؟ يهيأ لي أنه لم يُجب أحد عن هذا السؤال فى براعة وبلاغة يسري نصر الله في فيلمه “جنينة الأسماك” (٢٠٠٨).

يوسف، بطل فيلم “جنينة الأسماك”، ليس تائهاً كخليل في “باب الشمس” بين تعقيدات روايات متعددة ومتضاربة وتفاصيل الذاكرة الجماعية لشعب مُهجَّر. ولكنه يسكن مدينة فقدت ذاكرتها، لم تعد لديها قصة لتحكيها. المغارة في “باب الشمس” إن كانت تمثل سر ذاكرة شعب وحافظة لقصصه وهويته، فهي مغلقة وسرية، بعيدة عن خليل، على الطريق بين المخيم والعودة. أما في “جنينة الأسماك” فالمغارة في وسط المدينة معلنة ومفتوحة. ومع ذلك فإن يوسف يحوم حولها لشهور ويخاف أن يدخلها. إن كان إغتراب خليل عن هويته مرتبطاً ببعده عن وطنه، فإن إغتراب يوسف يحدث على أرضه وفي قلب مدينته.

في أحد المشاهد الرائعة قرب نهاية الفيلم، تنزل يد (شبه إلهية) في حوض من أحواض الحديقة، تترك الأكل للأسماك وتعاود الصعود، فيتجادل يوسف وأحد حراس الحديقة عما إن كانت للأسماك ذاكرة. أظن أن في هذا المشهد تكثيف رائع لسؤال الفيلم الرئيسي، عن العلاقة بين الذاكرة والهوية وأكل العيش. يأخذني المشهد للمقدمة ولتتر البداية، فبعد التجول بين جدران وممرات المغارة، تتوقف الكاميرا على أحد الأحواض حيث تسبح الأسماك في بطء، في لقطة هادئة تصحبها موسيقى تأملية، لا يشوبها إلا مقاطع دخيلة من أغنية أسمهان بكلماتها المستغيثة: “يا حبيبي تعالى إلحقني شوف إيه اللي جرالي”. تحويل رائع لوظيفة الأغنية وما تحمله من إرث رومانسي في آذان المستمع المصري. فبقطع الأغنية عند “اللي جرالي” دون ذكر سببه، الذي كان في الأغنية الأصلية بُعد حبيبها، تتحول أغنية الحب إلى نداء إستغاثة وتعبير عن حالة ضياع عامة وقلق وجودي.

يتكرر المقطع، ويأخذنا معه لأولى لقطات الفيلم، فنسمع أصوات موجات الراديو ونرى شوارع القاهرة من أعلى وبزوايا مائلة، بفوضاها الليلية المعتادة، السيارات والبائعين والمارة. لقطات فوقية تضع المشاهد على مسافة مما يرى، كما فعلت من قبلها مباشرةً لقطات التتر لحوض الأسماك، وكأنها دعوة بصرية للمقارنة بين حال الأسماك التي تسبح في لا وعي في حوض السمك، وحال سكان المدينة، السابحون في تفاصيل أيامهم. ونداء الإستغاثة المتكرر في التتر، بصوت أسمهان، يأخذ شكلاً آخر في المشهد الأول، فمع لقطات الشوارع، نسمع صوت برنامج “أسرار الليل” الإذاعي. وتحاور ليلى، بطلة الفيلم، متصلًا بالبرنامج، اختار أن يعرف نفسه بـ”مواطن خايف”.

تظهر إشكالية الهوية منذ البداية، في اختيار هذا المتصل لذلك الإسم، فقد إختار أن يصف نفسه بكلمة “مواطن” على صورتها غير المُعَرَّفة، مظهراً نقوص ما في إعلانه لهويته وارتباط هذه المشكلة بصفته كمواطن. أما “خائف”، فتظهر لي كنتيجة حتمية لوضع كهذا، ووصف مكمّل لمأساته، فكأن هذا المواطن لم يجد ما يُعَرِّف به نفسه سوى خوفه، وحين تسأله ليلى عن سبب هذا الخوف يجيب: “هو فيه حاجة ما بتخوفش؟”، ثم يعدد الأسباب: “الناس، الطيور، الإخوان اللي كسبوا في الإنتخابات، الحكومة، كل حاجة”. ربما يستطيع الفرد أن يعرف نفسه من خلال تحديد دوره في شبكة العلاقات التي تجمع بينه وبين من حوله، إلا أن هذا المواطن يظهر و كأن الدور الوحيد الذي يلعبه مع كل ما هو خارج عن حدود وجوده هو دور المتلقي. كأنه طفل عاجز لا حول له ولا قدرة على التأثير أو حتى على الإعتراض على ما يصيبه من العالم الخارجي. تحت وطأة هذه الرؤية شديدة الضيق للنفس وللعالم، يتوغل الخوف في أعماق صاحبها ليصل إلى حد الإرتباطات الشرطية والبرمجة العصبية، التى تجعل مجرد ذكر إسم أو التنويه عن موضوع يثير في نفسه الخوف. في هذا الإطار النفسي، وفي سخرية كاتب الحوار اللاذعة يشكو المواطن الخائف من الحكومة والأمريكان وإسرائيل والإرهاب كأسباب لما سماه “خوفه الفطريّ”!

ثم يكمل الحديث عن علاقته بجارة له كانت تربي الفراخ في بيتها، وكيف بسبب أنفلوانزا الطيور، تحولت علاقته الطيبة بها إلى علاقة ريب وخوف. هذا التحول المفاجىء للقريب إلى وحش مرعب، فى حكايات المواطن الخائف، وهذه المسافة التي تظهر فجأة بين الناس وتجعل الكل غريباً فجأة، توحي بشكل العلاقات التي تصل بين هؤلاء المارة الليليين في اللقطات الأولى المتعاقبة لشوارع القاهرة. يمزج شريط الصوت بين صوت المواطن الخائف وهو يعدد أسباب خوفه في برنامج الإذاعة وأصوات الشوارع. أتخيل موجات الراديو وهي سابحة في أثير القاهرة حاملة خوف المواطن الخائف، ممتزجة بضوضاء الشوارع، وأعود بهذه الصورة إلى لقطات التتر للأسماك. في مقارنة بين مشهد المقدمة ومشهد التتر، لو شبهنا سكان القاهرة بالأسماك، فالماء الذي يسبحون فيه هو الخوف.

لم تنته المقدمة بعد من دعواتها للتخيل والتشبيه. ولم ينته المواطن الخائف من البوح بخوفه بعد، فيكمل حديثه عما سمع هذا الصباح عن صاحب مزرعة الدواجن الذي ظهرت عنده حالة من حالات أنفلوانزا الطيور، فعندما علم أن الحكومة سوف تعدم كل فراخ المزرعة، أطلقهم جميعاً على الطريق الصحراوي. وهنا يعود بنا الفيلم لأوسع لقطة لإزدحام المارة في الشوارع، ويدعونا صانعه، مع دعوة مواطنه الخائف لليلى، أن نتخيل وربما أن نُسقط على هذا المشهد مشهدًا آخر: “تخيلي حضرتك، عشرتلاف فرخة بيضة بيجروا على الطريق الصحراوي!”. تلاصُق الصورتين، تلك التي نراها مباشرةً، والأخرى التي نتخيلها حين نسمع وصفها، يفرض نوعًا من المقارنة بين الزحام في شوارع القاهرة والفراخ على الطريق، إستعارة بليغة لوصف العبث في قلب الحياة اليومية في القاهرة. ولكن عبقرية المخرج لم تتوقف عند الإستعارة الكلامية، لأن هذه المقارنة تتأكد شيئاً فشيء مع تسلل صوت الفراخ المتخيلة تدريجياً لشريط صوت المشهد، فيجتاح صوت الصورة المتخيلة عالم الصورة المصورة. وبعد حكايات الرعب من أنفلوانزا الطيور، يصير سماع هذا الصوت وهو يعلو ليغطي على كل أصوات المشهد، وكأنه تجسيد صوتي للخوف نفسه. وقبل ظهور عنوان الفيلم مباشرة، تتحول مادة الخوف الصوتية لصورة بصرية، ونرى – بأعيننا – عشرة آلاف فرخة بيضاء، مشتبه في إصابتها بالمرض الخطير، سارحين على الطريق الصحراوي.

اعلان