Define your generation here. Generation What

سياسات التقشف في صعيد مصر.. بين الرضا والاحتجاج

فور إعلان الحكومة الجديدة التحريك الجزئى لأسعار البنزين، أطلق السائقون فى محافظات جنوب الصعيد غضبهم، وامتنعوا عن نقل الركاب، معترضين ليس فقط على قرار الحكومة برفع الدعم عن المواد البترولية، ولكن أيضاً على التعريفة الجديدة التي وضعتها تلك المحافظات لنقل الركاب، باعتبارها لا تتناسب مع مقدار الزيادة الكبيرة فى أسعار البنزين والسولار.  

في الأيام الأولى من شهر رمضان، وبعد أسابيع قليلة فقط من تنصيبه، أصدرت حكومة الرئيس المنتخب الجديد عبدالفتاح السيسي قرارات تقشفية صادمة، قامت على التحريك الجزئى لأسعار السلع المدعمة من بنزين وسولار، إلى جانب رفع أسعار الكهرباء والغاز، جاءت تلك القرارات كخطوة تمهيدية للتحرير الكامل لأسعار السلع المدعومة فى مصر بما يتلائم مع أسعار السوق، وذلك خلال خمس سنوات تبدأ من الآن.

كان الشاغل الأكبر للسائقين فى محافظات جنوب الصعيد – والتى تعانى من النسب الأعلى للفقر بين أهلها بالمقارنة مع باقى محافظات مصر- هو تعويض الفرق الكبير فى أسعار الوقود بعد رفع الدعم، وهو ما رفضه بطبيعة الحال الركاب. يقول زكى جميل، أحد السائقين الذين إضربوا عن العمل فى سوهاج: “اعتدت على تموين السيارة بما يعادل عشرة جنيهات كل أسبوعين ولكن منذ ارتفاع سعر البنزين، أصبحت إُنفق ضغف هذا المبلغ لتموين السيارة”. كانت مشكلة زكى أن المواطنين ليس لديهم الاستعداد لتحمل نصيبهم فى فرق السعر بعد التحريك الجزئى لأسعار الطاقة، ما سيضطره إلى “الخناق يومياً مع الركاب للقبول بالسعر الجديد”.

قبل تطبيق الأسعار الجديدة لمواد الطاقة، أعلن رئيس الوزراء إبراهيم محلب أنه اتفق مع ممثلين عن التجار والسائقين على عدم زيادة الأسعار، لكن تغير الوضع بعد احتجاجات السائقين، وتم زيادة تعريفة الركوب بقرار رسمى فى محافظات جنوب الصعيد، سوهاج وقنا والأقصر وأسوان.

تراوحت الزيادة الجديدة فى تعريفات الركوب بين المحافظات الأربع ما بين خمسين قرشاً ومائة قرش، قد يبدو مقدار الزيادة هيناً بالنسبة للبعض، ولكن رأت نادية فتحى، أحد الركاب، أن زيادة أسعار المواصلات ستلتهم نصف راتبها، وعلى الرغم من صيامها وشدة حرارة الجو فضلت نادية الوقوف لثلاث ساعات متواصلة فى موقف سوهاج حتى انتهاء إضراب سائقى السرفيس على أن تضيع ميزانية الأسرة فى أجرة سيارة التاكسى.

في أبريل الماضي، عندما أشار رئيس الوزراء حينئذٍ إبراهيم محلب إلى نية الحكومة إلغاء دعم الطاقة، لم تُثر تصريحاته جدلاً شديداً وقتها، ربما لأن حكومته كانت مؤقتة على كل حال وكان من المتوقع حلها عقب الانتخابات الرئاسية، ومن جهة أخرى في مايو الماضي عندما سُئل السيسى كمرشح للرئاسة عن موقفه من الدعم، كانت إجابته: ” أنا لو جيت النهاردة اتكلمت فى كهرباء بدون دعم مطلق وغاز بدون دعم مطلق، الناس مش هتستحمل، ويجب أن أغنى الناس أولاً بدل ما ياخدوا ألف يبقى ألف ونص أو ألفين، أنا بكلمك عن كل مواطن، لما المصانع والمزارع تشتغل والناس تاكل عيش، يبقى ممكن أوى الدعم ده يتحرك معاه”.

وفي أول خطبه له وجهها للشعب احتفالاً  بتنصيبه رئيساً، أكد السيسي على تأييده لمصالح الفقراء ومحدودى الدخل. ولكن جاءت أولى قرارته لسد العجز فى الموازنة العامة للدولة على حساب هؤلاء الفقراء، وعلى رأسهم أهالي جنوب الصعيد.

كان للمواطنين فى جنوب الصعيد ردود فعل متابينة بين التأييد والمعارضة لقرارات التقشف وتحريك الدعم، فالمؤيدون يرون أن تردى الأوضاع الاقتصادية للبلاد قد وضع السيسى فى هذا الخيار الصعب، حيث إنه من المقرر أن تنتهى حزمة المنح البترولية الخليجية المقدمة لمصر خلال شهرى يوليو وأغسطس القادم بما يعادل 1.4 مليار دولار فقط. شجعت سعاد محمد – محاسبة بأحد البنوك فى محافظة قنا – قرار الحكومة برفع الدعم واعتبرت أنه ” كان لابد من رفعه من زمان، هناك العديد من الأفراد الذين يملكون ثروات طائلة وبالرغم من ذلك لديهم بطاقات تموين، نرى أصحاب سيارات فارهة يعبئون سياراتهم من الوقود المدعم، فالدعم لا يذهب إلى الفقراء”.

استمعت نعمت إبراهيم – موظفة حكومية بمحافظة قنا – إلى خطاب السيسى فى ذكرى العاشر من رمضان بكل اهتمام، فتلك هى المرة الأولى التى تصوت فيها نعمت لصالح رئيس اعتبرته شبيهاً بالرئيس الراحل جمال عبدالناصر. تقول نعمت: “لقد قال الرجل أنهم سنتين وبعدين هتنتهى الأزمة الاقتصادية، لازم كلنا نستحمل شوية لغاية ما السفينة تعدى”. وصل راتب نعمت بعد مرور عشرين عاماً على عملها إلى 1200جنيه وذلك بعد علاوة الحد الأدنى للأجور، وبالرغم من ذلك أصرت على الصبر حتى مرور العامين، وفى النهاية اختتمت حديثها قائلة: “دول يا بنتى هما الأخوان اللى عايزين يخربوا الدنيا عشان مانعرفش نعيش”.

على جانب آخر، وجد بعض المعارضين من أهل الجنوب فى سياسة رفع الدعم تطبيقاً واضحاً لشروط صندوق النقد الدولى من أجل الحصول على قرض الصندوق، يقول أبوبكر فاضل رئيس حزب العيش والحرية بالاقصر إن “خطة الحكومة لرفع الدعم خلال الخمس سنوات القادمة هى خطوة للتمهيد نحو التفاوض مرة أخرى مع الدول الأوربية المانحة وصندوق النقد الدولى لتقديم المساعدة المالية لمصر، فقد سبق وأن اشترط الصندوق على النظام السابق رفع الدعم حتى يتسنى لمصر سداد قرض فى حالة الحصول عليه، ولكن المعارضة الدينية من قبل الإسلاميين فى البرلمان المنحل عام 2012 وعدم قدرة النظام حينئذ على تطبيق المعايير الدولية للإقتراض مع توتر الأوضاع السياسية فى البلاد، كل ذلك حال دون اتمام حصول مصر على القرض الدولي”.

البسطاء من الناس رفضوا رفع الدعم، لأنه بمنتهى البساطة “الحاجة الوحيدة اللى جعلتهم مستورين” طبقاً لتعبير أشرف محمد – أحد مواطنى الأقصر.  شعر محمد بالصدمة مما يحدث قائلاً: “التموين هو لقمة الغلبان، قام السيسى برسم حلم وهمى كبيرللشعب، فرفعوا صورته إلى جانب صورة جمال عبدالناصر واعتبروه المخلص لهم، فقد سبق وأن وعدهم بحياة كريمة فكيف له أن يفعل هذا بهم؟”.

أحمد حسين – عامل فى هايبر ماركت بالأقصر- لا يكفيه مرتبه البالغ خمسمائه جنيه كى يؤسس أسرة، يدفع يومياً ستة جنيهات كى يصل إلى عمله، بدأ حسين قوله بـ”حسبنا الله ونعم الوكيل، الغلابة تروح فين بعد ما المواصلات غليت؟، إزازة الزيت فى التموين بقت بعشرة جنيه، حتى التموين اللى كان للغلابة أصبح توفيره عبء عليهم، حرام عليكو، حنجيب منين؟”. وافق حسين الحكومة على رفع الدعم فى حالة واحدة وهى أن تعطى الفقراء البديل المناسب بعد غلاء الأسعار،حيث يقول: “لو الحكومة عايزة ترفع الدعم، يبقى لازم مرتبات الموظفين تزيد، ما عادتش 1200 جنيه دلوقتى بتكفى حاجة بعد ما الأسعار زادت، فين فرص العمل والتشغيل للشباب اللى الحكومة قالت عليه؟، نشتغل الأول وبعد كده يرفعوا الدعم”.

صار من الواضح أن الرئيس الجديد عبدالفتاح السيسي قد حسم اختياره بشأن أية سياسة اقتصادية سوف يتبناها لإدارة الأزمة الاقتصادية في مصر، وقرر الاعتماد على سياسة التحرر الاقتصادى أو كما تعرف بالسياسة النيوليبرالية، عبر آليات مثل رفع الدعم والخصخصة وإعلاء دور القطاع الخاص، مع إعطاء الحرية الكاملة لمرور رؤوس الأموال بدون فرض أى نوع من رقابة الدولة عليها، وهو الطريق الذى سبق وأن اتخذه مبارك من قبله واستمر عليه كلاً من المجلس العسكرى والإخوان. كان السفير إيهاب بدوى المتحدث الرسمى لرئاسة الجمهورية قد صرح أن “الرئيس السيسى أكد على أن الرؤية الاقتصادية لمصر تقوم على أساس اقتصاد حر وسوق حرة، مع الأخذ فى الاعتبار الاحتياجات الأساسية لمحدودى الدخل”، جاء ذلك خلال مأدبة الإفطار التى جمعت السيسى مع كبار رجال الأعمال فى مصر.


طُبقت منظومة الدعم فى عهد الرئيس جمال عبدالناصر، فى إطار الدور الأبوى للدولة الإشتراكية والذى يُلزم الحكومة بتوفير كافة الاحتياجات الأساسية لأفرادها، وعلى الرغم من العبء الاقتصادى الذي وضعته تلك المنظومة على كاهل الدولة، إلا أن الأنظمة السياسة فى مصر ظلت تعتمد عليها كوسيلة لتحقيق الرضا الشعبى وضمانة لتجنب الاحتجاجات.. تبرر الحكومة الجديدة قرارتها الأخيرة بالتقشف بأنها لأجل تحقيق العدالة الاجتماعية في ظل سوق حر، ولكن لا نعرف إن كان الشارع المصري – خاصة في جنوب الصعيد – سيصبر كثيراً على ما تأخذه الحكومة منه بدون مقابل ملموس بعد.

اعلان
 
 
رانيا ربيع