Define your generation here. Generation What
الاصطدام بسقف الأجور
 
 

خلال خطابه بتاريخ ٢٤ يوليو، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مرتبات الموظفين العمومين في مصر لن تتجاوز ٤٢ ألف جنيه شهريا وهو ما يوازي مرتب رئيس الجمهورية.

بعد شهر أصدر رئيس الوزراء إبراهيم محلب قرارا ينظم تطبيق القانون الجديد للحد الأقصى للأجور. واشتعل الجدل منذ تلك اللحظة حول الحكمة من وضع حد أقصى للأجور، واتجه المؤيدون والمعارضون إلى الإعلام لطرح وجهات نظرهم.

وبينما انتقد أصحاب الدخل المرتفع الحد الأقصى البالغ ٤٢ ألف جنيه شهريا (٦٠٠٠ دولار) قائلين أنه منخفض، قالت مجموعات عمالية أنه مرتفع للغاية.

منذ نحو سبع سنوات، طالب نشطاء عماليون بإقرار حد أدنى للأجور يبلغ ١٢٠٠ جنيه وحد أقصى لا يزيد عن ١٥ مِثل الأدنى. ومنذ ثورة يناير ٢٠١١ قدمت الحكومات المتعاقبة وعودا بالمضي قدما في إقرار حد أقصى يبلغ ٣٠ أو ٤٠ مِثل الحد الأدنى في محاولة لتلبية مطالب العدالة الإجتماعية.

وجاء القانون ليحدد أخيرا الحد الأقصى للأجور بـ ٣٥ ضعف الحد الأدنى الذي يناله العمال بالقطاع العام.

يقول الناشط العمالي ناجي رشاد، العامل بشركة مطاحن جنوب القاهرة: “الحد الأقصى للأجور نقطة بداية جيدة لتحقيق العدالة الاجتماعية وسيكون خطوة إيجابية للأمام في حالة تمكن السلطات من تنفيذها”.

لكنه ما زال يرى أن الحد الأقصى للأجور مرتفع جدا “الفارق في الأجور لا زال مرتفعا. ليس هذا ما كنا نأمله”.

تقول مصادر مطّلعة على هيكل الأجور في القطاع العام أن سقف الـ٤٢ ألف جنيه لن يؤثر على معظم العاملين بالدولة.

إسلام، أحد العاملين في البنك الأهلي المصري والذي طلب عدم نشر اسم عائلته، يقول أن راتب الموظف المبتدئ يتراوح بين ٢٠٠٠ إلى ٣٠٠٠ جنيه شهريا ويرتفع إلى ٩٠٠٠ مع سنوات الخبرة المختلفة. كما يتقاضى مديرو الأفرع نحو ٢٠ ألف جنيه شهريا. فقط أعضاء مجلس الإدارة والإدارات العليا يحصلون على زيادات كبيرة ونصيب من الأرباح تصل بدخلهم إلى أكثر من ٤٢ ألف جنيه شهريا.

في قطاع البترول، يحصل عدد قليل من القيادات على دخول تتجاوز ٤٢ ألف جنيه شهريا، ومع ذلك فقد أتى الحد الأقصى كخبر غير سار بالنسبة لهم.

في بيان صحفي صدر الشهر الحالي، عبّر المتحدث الرسمي باسم البنك المركزي المصري وبنوك أخرى من القطاع العام عن قلقه من أن يؤدي الحد الأقصى للأجور إلى عزوف شباب العاملين في البنوك عن العمل لدى القطاع العام، مفضّلين التوجه إلى القطاع الخاص حيث لا يوجد سقف للرواتب، تاركين المؤسسات العامة عُرضة لقلة المهارات والعمال من أصحاب الخبرة.

ويقول أنجس بلير رئيسس مؤسسة “سيجنيت” المتخصصة في تقديم خدمات ودراسات اقتصادية عن الشرق الأوسط، ومقرها القاهرة، أن تلك الخطوة قد لا تكون سيئة في بلد مثقلة بفاتورة أجور القطاع العام الباهظة.

ويضيف: “مصر في حاجة إلى دفع المزيد من الأفراد للعمل بالقطاع الخاص، وهي تبعث رسالة مفادها أنك إن أردت راتبا جيدا فالقطاع العام ليس مكانك”.

إصدار قانون لتطبيق الحد الأقصى للأجور يشير إلى انتهاء العهد السابق، حينما كان موظفو الوزارات المصرية يتوقعون الحصول على رواتب تفوق ما يتقاضاه نظراؤهم في أوروبا، يقول بلير أن القانون يرسل رسالة أخرى مفادها “لا مكان لفساد الرواتب الكبيرة”.

قلق رشاد من وضع سقف للأجور يتركز حول إمكانية أن يصبح ذلك الإجراء طاردا للأشخاص الأكثر موهبة إلى خارج البلاد بشكل كامل، في دولة يسعى بالفعل الكثير من عمالها المهرة إلى فرص العمل بالخارج.

وبالرغم من موقفه الذي يرى أن الحد الأقصى للأجور مبالغ فيه بشكل عام إلا أنه يطالب بوضع استثنائات في حالات بعينها.

يقول رشاد: “شخص في قامة دكتور أحمد زويل أو أقرانه لا يجب أن يتم حصر أجورهم بـ٤٢ ألف جنيه شهريا وإلا سيختارون العمل في مكان أخر من العالم” في إشارة الى عالم الكيمياء/الفيزياء المصري الشهير الحائز على جائزة نوبل.

تشريعات الحد الأقصى للأجور:

يوجد قراران ينظمان الحد الأقصى الجديد: القرار الرئاسي رقم ٦٣ لسنة ٢٠١٤ الخاص بالحد الأقصى لأجور العاملين بالدولة الصادر يوم ٢ يوليو، وقرار رئيس مجلس الوزراء رقم ١٢٦٥ لسنة ٢٠١٤ الصادر يوم ١٩ يوليو والذي يضع القواعد التنفيذية الخاصة بقرار رئيس الجمهورية.

ويحدد القرار الأول الحد الأقصى للأجور التي سيتم فرضه في جميع أنحاء البلاد وعلى جميع الوزارات والهيئات ومكاتب القطاع العام بينما يوضح الثاني الإجراءات التفصيلية لهذا التشريع.

وتأتي المادة الأولى لقرار رئيس الوزراء أن مجمل الدخل الصافي سيكون بحد أقصى 42 ألف جنيه شهريا بلا استثناءات في صورة حوافز أو أجور إضافية أو مميزات مالية أو علاوات. علما بأن تلك الإضافات تشكل الكتلة الأضخم من الرواتب في مصر.

والحد الأقصى لا يتضمن الانتقالات وبدل الإقامة خلال مهام العمل أو أي مهام رسمية أخرى.

تسرد المادة الثانية ٣٠ قطاعا تنطبق عليهم هذه القواعد ومنهم بنوك القطاع العام والقضاء والشرطة والقوات المسلحة والوزارات والمجالس القومية المعينة من الحكومة وشركات الخدمات والصيانة الحكومية. كما سيتم تطبيق الحد الأقصى للأجور على المستشارين والتقنيين والخبراء والمتخصصين المعينين من قِبل الدولة.

ومواد هذا القانون لا تنطبق على الدبلوماسيين وموظفي القنصليات والبعثات التجارية أو أي تمثيل رسمي لمصر في الخارج.

وفي حديث مع قناة صدى البلد الإخبارية قال إبراهيم محلب، رئيس الوزراء، أن تلك الفئات من الموظفين معفية من الحد الأقصى للأجور “للحفاظ على أدائهم الرفيع” و”في ضوء ارتفاع تكلفة معيشتهم في الخارج”.

وبناء على المادة الثالثة من القانون يتم إنشاء لجان أو مجموعات عمل داخل كل جهة حكومية لمراقبة الحد الأقصى للأجور وتحويل جميع الأموال الفائضة إلى حسابات بنكية خاصة أو إلى وزارة المالية.

ويجب على كل من يتقاضى أجر يتجاوز الحد الأقصى أن يسوي أي زيادة في المدفوعات خلال ٣٠ يوما من نهاية السنة.

كما تنص المادة الرابعة على أنه في حالة رفض الانصياع يمكن للحكومة خصم الدخل الزائد من العاملين بداية من شهر ديسمبر في العام التالي للدفع، وترسل أي أموال مخصومة إلى الخزانة العامة.

وحسب المادة الخامسة يجب على أي جهة حكومية توظّف مستشارين أو متخصصين أن تعلن المبالغ المدفوعة إلى المراقب الحكومي خلال ٣٠ يوما، ويترتب على عدم فعل ذلك جلسة تأديبية يمكن أن تصل إلى اضطرار المستشار إلى إعادة أي مكافآت تلقاها.

ويترك القانون عددا من الأسئلة دون إجابة. على سبيل المثال لا يوضح كيفية تعديل هياكل الأجور في الهيئات حيث يحصل العاملون بمختلف درجات أقدميتهم على أجر أكبر من ٤٢ ألف جنيه شهريا. ويشير النص القانون إلى “سنة الدفع” وهي عبارة مبهمة تترك الكثير من المساحة للحيرة وحول ما إذا كانت القواعد مرتبطة بالسنة الميلادية أم السنة المالية، كما أنه من غير الواضح كيفية تأثر الجهات المختلفة المكونة من شراكة بين الدولة المصرية ومستثمرين أجانب مثل شركات البترول.

ولا يحدد القانون مدى استقلالية اللجان المخوّلة بمراقبة تنفيذ القانون في الهيئات الحكومية، كما أنه ليس من الواضح مقدار الأموال التي تأمل الحكومة توفيرها بعد فرض الحد الأقصى للأجور.

تقول الأرقام التي أصدراتها الجهات المالية في الدولة أن فرض حد أقصى للأجور سيوفر ملياري جنيه مصري سنويا، بينما قالت مصادر أخرى أن القانون سيوفر 13 مليار جنيه للخزانة العامة للدولة.

وبينما من المخطط البدء في تنفيذ القانون مع نهاية الشهر الجاري، فإن مدى التزام مؤسسات الدولة به من عدمه هو أمر محل نقاش وشك.

فغياب الوضوح المحيط بقانون الحد الأقصى للأجور أدى بالمسؤولين إلى شن حملة رأي عام عبر صفحات الصحف المحلية.  ففي تصريحات نُسبت إلى هشام جنينة، رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، أتهم فيها عدة جهات حكومية، من بينها القضاء والشرطة، برفضها تطبيق القانون على العاملين بها. بينما لجأت الجهات المذكورة إلى الصحافة لنفي ما أسمته بادعاءات منسوبة إليها.

ومن بين المسؤولين الحكوميين الذين يتقاضون الأجور الأعلى في الدولة، ركزت وسائل الإعلام على أعضاء مجالس إدارات البنوك الحكومية والوزراء والقضاة والدبلوماسيين وقيادات الشرطة والجيش، ومن جانبها أنكرت كل هذه الفئات أنها تتقاضي أجورا تفوق الحد الأقصى المعتزم تطبيقه، وأعلنت مختلف مؤسسات الدولة أنها تطبق القانون أو في طريقها لذلك.

“الأقصى للأجور”.. خمر قديم في أواني جديدة:

فكرة فرض حد أقصى للأجور ليست جديدة، فهي تعود إلى نحو 40 عاما. فالمادة ٢٤ من دستور سنة ١٩٧١، الذي ظل ساريا حتى ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ مع بعض التعديلات عليه، تدعو إلى وضع حدين أقصى وأدنى للأجور.

كما تضمنت المادة ١٤ من الدستور الذي تم إقراره سنة ٢٠١٢ في فترة حكم الإخوان المسلمين تعديلا على هذا الطرح.

في شهر أبريل سنة ٢٠١٢، ناقش البرلمان، ذو الأغلبية الإسلامية وقتها، قرارا بوضع حد أقصى للأجور يبلغ ٥٠ ألف جنيه يطبق على جميع الوزارات وأعضاء البرلمان، وقد تم انتقاد ذلك القرار على أساس أنه لم يطبق بشكل شامل على كبار موظفي الدولة. فضلا عن وجود استثناءات من القانون لبعض فئات المستشارين والعلماء والخبراء التقنيين.

وفقا للمادة ٢٧ من الدستور الجديد الذي تم إقراره مطلع العام الجاري، فإن على الدولة وضع حدين أقصى وأدنى للأجور ولكن هناك مخاوف تدور حول التطبيق الفعلي لهذه المادة.

ففي يناير من العام الحالي صدر قانون يُقر حد أدنى للأجور يبلغ ١٢٠٠ جنيه، لم يستفد منه سوى ٤ ملايين و٩٠٠ ألف موظف في القطاع العام من إجمالي القوى العاملة المصرية البالغ عددها ٢٧ مليون فرد. يعمل ٧ ملايين منهم بالدولة..

يقول رشاد، الناشط العمالي: “السلطات الحالية تسعى لإظهار نفسها كقيادة شعبوية لحكومة شعبوية كما فعل الرئيس المخلوع مبارك الذى سعى إلى إظهار نفسه بشكل معين أمام الشعب”.

“أتوقع أن المسؤولين الكبار في الدولة والقطط السمان داخل النظام سيجدون طريقة لإعفاء أنفسهم من الحد الأقصى للأجور وقواعده”، يقول رشاد، قبل أن يضيف مشككا في تطبيق الحد الأقصى للأجور: “طالما أن تطبيق الحد الأدنى يتم بضعف وبشكل محدود، فإن الأمر نفسه سيسري على الحد الأقصى”.

اعلان
 
 
جانو شربل 
إيزابل إيسترمن