جواهر السينما المصرية: “الكهف”
 
 

أول ما لفت نظري في فيلم “الكهف” (2013) أحدث أفلام أحمد غنيمي هو آداء أدهم. البطل رجل في العشرينات، جريء وعدواني بعض الشيء. سيدافع عن صديق يتم التحرش به في صالة الجيم ويقود آخرين إلى منطقة نائية فيتعرضون للسرقة.

يمكن أن تحب أدهم، وإن كان به شيء مريب يجعل المشاهدين غير مرتاحين، كما هو الحال مع الشخصيات الأخرى في الدراما التي يبلغ طولها 23 دقيقة. لغة جسده معبرة بشدة وقد فكرت في كونه ممثلًا عبقريًا، لولا أنه ليس ممثلا على الإطلاق.

أدهم فزاري هو أحد أصدقاء غنيمي منذ الطفولة ولكنهما فقدا الإتصال ببعضهما البعض لثمانية سنوات، ليعود إلى القاهرة في شهر يونيو من العام الماضي ليشارك في فيلم غنيمي الروائي المستوحى من شخصيته، ربما في حياة أخرى عاشها. ففرازي لم يقم بالنصب على أصدقائه وإنما هو موسيقي صاعد من الإسكندرية لا يسمح لأي شخص بالتعدي عليه ومن الصعب التكهن بردود أفعاله كما يظهر في “الكهف”.

أراد غنيمي في فيلمه أن يبرز مفاهيم الذكورية والعنف في المراكز الحضرية في مصر، بدلًا من صناعة سيرة سينمائية، وبدا أن شخصية فزاري هي الإختيار المثالي، فقام ببناء القصة والشخصيات حوله بحرص. إن طريقته في جمع خيوط الموضوع لا تقل إثارة للإهتمام عن الفيلم نفسه، والذي عُرض في شهر مارس الماضى في مهرجان “مصري أصلي” ومهرجان الأقصر للأفلام الإفريقية، بعد عرضه الأول في مهرجان ديربان الدولي بجنوب أفريقيا خلال شهر يوليو 2013.

في المشهد الإفتتاحي نرى فزاري خلال تجربة آداء. يجلب معه بعض المقطوعات التي سجلها مع صديق (عمرو وشاحي) وجيتاره كي يقدم عرضًا للمنتج الموسيقي لشركة 100 نسخة، محمود رفعت. يشعر المشاهد فورًا بالتوتر الحتمي الناتج عن مثل تلك اللقاءات وهو مبني على الديناميكية الحقيقية التي تظهر خلال البروفات عندما ينتقد رفعت الموسيقى. أدار غنيمي موسيقى فزاري فور دخول رفعت موقع التصوير لأول مرة، سامحا للأمور أن تتطور بشكل طبيعي ولكن بدون إستخدام المادة المصورة في النسخة الأخيرة من الفيلم. ثم قام بإعادة كتابة المشاهد بناء على ذلك وعلى تفاعلات مماثلة عديدة أخرى بين فزاري وباقي طاقم العمل.

عرض غنيمي الدور على رفعت (وهو ليس ممثلا) بسبب الإحترام الذي يلاقيه في نطاق موسيقى الأندرجراوند، فبخلافه لا يوجد من هو قادرعلى التسبب في أن يبدي فزاري ردود أفعال مليئة بالرهبة. كان وشاحي الذي لعب الدور الرئيسي في فيلم غنيمي “بحري” من إنتاج 2011، إختيارا طبيعيا آخر. فهو يعزف على الجيتار وبعد عدد من لقاءات العزف مع فزاري بدأت بينهما علاقة ودودة إنعكست لاحقا على “الكهف”. أميرة الغنيمي التي تلعب دور والدة وشاحي في الفيلم هي والدة غنيمي في الحقيقة وقد تم إختياراها للدور لأن فزاري كان سيتصرف بإرتياح بجانبها في مشهد مائدة العشاء في شقة عائلة غنيمي. قد تم بناء الفيلم بأكمله كي يستطيع فزاري آداء السيناريو الذي كتبه غنيمي بأكبر قدر من التلقائية مظهرا جانبا جديدا من شخصيته مع كل مشهد. 

يحب غنيمي التحدي الذي يمثله العمل مع أفراد لا يعملون بالتمثيل، كي يقدم للمشاهد قطعة من حياته، وقد إتبع طريقة مماثلة في “بحري” مع أن هذا الفيلم مستوحى من أحداث وقعت له خلال قيامه بالتصوير في حديقة للأطفال، حين شك اثنان من السكان في كونه متحرشا بالأطفال وأحتجزوه حتى الصباح في مخزن. عاد لاحقا وأقنع من أعتدوا عليه بالظهور في فيلم عن الواقعة. فهو يعمل مع الأشخاص ليعرض سمات من الحياة الحقيقية تجعل الفيلم أكثر قوة وتأثيرا. هذا هو ما يحركه، وهو يعترف أن ذلك قادر على إنجاح أو إفشال الفيلم، فهو يبدأ بفكرة وسرد فضفاض مستوحى من خبرات شخصية ثم يطوره ويعيد الكتابة والتصوير بناء على التفاعلات الإنسانية الجديدة التي تظهر.

في أحد المشاهد يلتقي فزاري مع صديقين، هما أدمة ومودا كي يتقاسموا نقودا من عملية نصب فيتشاجروا حول نصيب كل منهم، لأن غنيمي حين جعل الثلاثة يمضون وقتا معا في الأعراس (أدمة ومودا أشخاص حقيقين من حي المطرية الشعبي شرق القاهرة) كان هنا تنافس مستمر حول كل شيء في لقاءاتهم. كان من حسن الحظ أن هذا التوتر سيظهر في الفيلم أيضا.

إن “الكهف” شخصي جدا ويمكن التماهي معه، مما يبقي المشاهدين متعلقين به حتى حين يستطيعون استشراف أن التوتر بين الشخصيات على وشك التصاعد. وهو لا يحاول القيام بأي إدعاءات إرشادية أو أخلاقية مع تطور الأحداث.

تم إنتاج الفيلم كجزء من مشروع متروبوليس الأفريقى الذي دعم إنتاج ستة أفلام قصيرة تدور أحداثها في ست مدن أفريقية. يهدف المشروع الذي أنشأه معهد جوتة بجنوب أفريقيا والمنتج الجنوب أفريقي ستيفان ماركوفيتز إلى تحدي الصورة النمطية للقارة بدلًا من خلق المزيد من الصعوبات الإجتماعية والإقتصادية. وعلى عكس الطريقة التي يصف بها ملخص الفيلم فزاري، على موقع أحد المهرجانات، فهو ليس من الطبقة العاملة وليس لديه “فرص محدودة”. هو ببساطة شخصية متعددة الطبقات تستطيع أن تعكس الكثير من ديناميكيات المدينة المعقدة.

إحرص ألا يفوتك فيلم “الكهف” عند أقرب عرض له في مدينتك.

اعلان
 
 
مي الوكيل 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن