Define your generation here. Generation What
عين على غزة
 
 

تقف أم إياد، ذات الـ ٦٥ عامًا، فجراً فى شرفة منزلها بمدينة رفح المصرية، تشاهد الدخان المتصاعد بعد سقوط سلسلة من القنابل على الجانب الآخر من الحدود، محدثة إهتزازًا عنيفًا بمنزلها.

منذ بداية الإعتداء الإسرائيلي على غزة منذ أسبوعين، تصل إلى رفح المصرية أصوات إنفجارات مدوية، أنوار ساطعة، وصرخات مذعورة تعرض أهالي المدينة لليال بلا نوم. ولكن لدى أم إياد مخاوف أخرى.

أم إياد من غزة، تعيش في رفح مع زوجها وبعض أفراد أسرتها بينما تظل إثنتان من بناتها في غزة مع أسرهن. لا تستطيع أم إياد الإطمئنان على بناتها بعد كل إنفجار في غزة بسبب سوء الإتصالات على جانبهم. تتمتم بدعوة إلى الله بينما يرتفع الدخان إلى السماء ثم تلتفت وتعود إلى أعمالها المنزلية.

يتميز المنزل بطاقة نشاط وإيجابية. يستيقظ الجميع مع الفجر ويقضون اليوم في آداء المهام المختلفة داخل وخارج المنزل. يمثل النشاط الدائم للعائلة مصدر إلهاء مطلوب ولكنه غير كافٍ. تتدفق الأحاديث العادية على خلفية أصوات التفجيرات، ويمثل اللعب مع الأطفال النشاط الأساسي بالمنزل.

ولكن غزة وأفراد العائلة المعرضين للقصف هناك حاضرون دائماً ، يظهر التفكير بهم في شكل أدعية هامسة وبعض النقاشات القصيرة التي سريعًا ما تُستبدل بالحديث عن أمور الحياة العادية.

بينما كانت سيدات المنزل تسرعن للإنتهاء من إعداد طعام الإفطار، يشتد صوت القصف. ولكن حالة الطواريء الناتجة عن عدم الإنتهاء من إعداد الطعام قبل أذان المغرب تغطي على القلق المعتاد من القصف. تجلس العائلة لتناول الطعام في صمت بينما تستمر أصوات القنابل.

عبير ذات العشر سنوات، أكبر أحفاد أم إياد، هي أكثر الأطفال تأثراً بالقصف. عندما يعلو صوت التفجيرات تلقي بنفسها في حضن جدتها وهي ترتعش وتبكي بكاءًا مكتومًا. عبير بعادتها مرحة ومطيعة إلا أنها تعترض فقط حين يُطلب منها الذهاب وحدها إلى غرفة أخرى لإحضار أو فعل شيء. ترد بصوت ضعيف: “والله خايفة”، فلا يكرر أحد طلبه عليها.

ابتكرت العائلة من القصف لعبة لمحمد ذي السنتين ونصف السنة. عندما تظهر طائرة الإستطلاع المعروفة بالـ«زنانة» في سماء غزة القريبة، يشير إليها أحد أفراد العائلة ويسأل محمد “فين الطيارة؟” فيجيب مطيلاً في الكلمة بفكاهة طفولية: “هنااااك”. تضم أم إياد محمد بحب ثم تخبره بمزيج من المرح والثورية: “تف على الطيارة، تف على ولاد الكلب دول، هم سبب بؤسنا”.

جارة أم إياد، وهي أيضاً من غزة، تأتى كل ليلة مع أطفالها لتمضية الوقت بالرغم من حظر التجوال الصارم الذي يبدأ فى الرابعة عصراً.

لا تضطر الجارة لإختراع وحوش وهمية لتخيف أطفالها كما تفعل أمهات أخريات، ففي متناولها تهديد أكثر واقعية. تقول لإبنها ذي الأربع سنوات أن الطائرات التي تحوم فوقهم تستهدف الأطفال الأشقياء وسوف تصيبه إذا أساء التصرف.

عندما تشكو الجارة من عدم قدرتها على الإطمئنان على أهلها في غزة بسبب سوء الإتصالات، تُظهر أم إياد قلقها الدائم على بناتها، والذي تخفيه معظم الوقت، في رد مقتضب: “وحتى لو كلمتيهم هتفرق في إيه؟ هتغيري حاجة؟ أنا كلمت بناتي إتطمنت عليهم ولسه قلبي بيتحرق كل مرة باسمع إنفجار”.

يتطرق النقاش إلى الليلة الماضية، والتي إتفق الجميع أنها كانت الأعنف منذ بداية القصف وشعروا كأن البيوت ستتهدم من كثرة الإهتزاز.

تحكي الجارة عن مشاهد الرعب بحس فكاهي، فتقهقه وهي تحكي عن تشبثها بذراع زوجها عندما إشتد القصف أثناء صلاتهم الفجر. ثم تحكي عن ابنها الذي ركض لأبيه ليؤكد: “أنا مش خايف يا بابا”. كما تحكي الجارة عن مشاكل الحمل المعتادة التي تعاني منها، ثم تضيف بعفوية أن المشاكل اشتدت بسبب الضغط العصبي الناتج عن إجتياح قوات الأمن لمنزلها مؤخراً، وهو ما أصبح من الممارسات المعتادة في رفح خلال الفترة الأخيرة.

عندما يشتد القصف، تهرع الجارة للمغادرة وتقول، محتفظةً بنبرتها الضاحكة: “على الأقل لو إتقصفنا نكون في البيت”.

أصبح لدى عائلة إياد الآن خبرة في التعرف على أنواع الطائرات والأسلحة المختلفة. تتعرف العائلة على طائرات الإستطلاع بطنينها المميز والشعاع الأحمر الصادر منها. يرونها تُحلق بالقرب منهم كل يوم محددةً أهداف القصف. أما أصوات القصف فهي تصل بأشكال مختلفة بحسب موقعها ونوعها. في بعض الأحيان تسمع العائلة هدير صوت إطلاق الصاروخ، فتغطي عبير أذنيها وتنحني منتظرة صوت الإنفجار بنظرة رعب في عينيها. في أحيان أخرى يأتي صوت الإنفجار بلا أي مقدمات، فيهرع الأطفال للإختباء فى حضن جدتهم. أحياناً يسبق الإنفجار نور ساطع يبدو وكأنه قادم من البيت المجاور.

ينام الأولاد بعد تقوقعهم في حضن أمهم وجدتهم بعد بدء القصف الليلي بفترة قصيرة. تقول أم إياد: “خافوا فناموا”. بعد إدخال الأطفال إلى غرفهم، تستطيع أم إياد أخيراً البوح بإعتراف لزوجة إبنها قبل ذهابها للنوم: “بس تعرفي، إمبارح كانت أول مرة أخاف”.

تجربة العائلة في معايشة الإعتداء الحالي على غزة والذي أسفر عن وفاة أكثر من ٥٠٠ فلسطيني في غضون أسبوعين ليست ظرفًا إستثنائيًا، فالعمليات الإسرائيلية في القطاع بهذا النطاق أصبحت حدث يتكرر تقريباً كل سنتين.

مشاكل أهل رفح ليست فقط متعلقة بالحدود ولكن المدينة تعاني من مشاكلها الداخلية أيضاً.

منذ بداية العمليات العسكرية بشمال سيناء العام الماضي مع إعلان الحكومة بدء حملة ضد الجماعات الإرهابية في المنطقة، انتشر الدمار في أنحاء رفح. لم تقدم الدولة حتى الآن معلومات موثقة عن طبيعة تلك الجماعات المسلحة أو علاقتها بأعمال العنف سواء في مصر أو عبر الحدود.

تم غلق العديد من الطرق المؤدية لرفح والطرق الرئيسية داخل المدينة. كما تنتشر بالمدينة حقول الزيتون الجرداء بعدما أزالت قوات الجيش الأشجار للتخلص من أماكن اختباء المسلحين. ومن مدخلها إلى الحدود تملأ المدينة بقايا البيوت المهدمة، كما تتواجد ثقوب ضخمة فى الأسفلت بسبب إنفجار ألغام استهدفت سيارات الجيش مؤخراً.

الخط الحدودي أصبح عبارة عن أرض واسعة تخلو إلا من بقايا البيوت المهدمة التي تم تدميرها في سياق حملة الجيش للتخلص من أنفاق التهريب بين رفح و غزة.

منذ أكثر من عام تعيش رفح في حظر تجول يبدأ من الساعة الرابعة عصراً مما أثر بشدة على نشاطها الإقتصادي.

في خلال السنة الماضية، يعلن الجيش كل فترة عن نتائج العمليات بشمال سيناء، معلناً أعداد الأنفاق التي تم تدميرها والمسلحين الذين قتلوا. ولكن العمليات العسكرية برفح كان لها أيضاً أثر بالغ على المدنيين والذين لا يثقون في قدرة تلك العمليات على إستهداف الجماعات المسلحة.

يؤكد سكان رفح الذين قابلتهم «مدى مصر» أثناء زيارتها القصيرة للمدينة، أن معظم الأنفاق تم تدميرها فعلاً، إلا أنهم يقولون أنهم يعيشون في رعب مستمر بسبب القبض العشوائي من قبل السلطات والعنف المستمر من جهة المسلحين والقوات الأمنية.

يقول السكان أن إنعدام الأمان الذي يعايشوه الآن هو الأسوأ على الإطلاق، وكثير من ضحاياه مدنيين لا علاقة لهم بالنشاط المسلح.

“أنا من المدينة المشئومة”، يقول بائع الفاكهة محمد أحمد مشيراً إلى مدينة رفح التي ولد بها. يحكى أن إيقافه من قبل قوات الأمن في طريقه للعمل أصبح جزءًا من الروتين اليومي، ويضيف أن المشي فى الشوارع لم يعد آمناً بسبب إندلاع إطلاق النار العشوائي في أي وقت من جهات مختلفة.

يقول محمد: “لقد زادت كل الأسعار الآن، والناس تموت كل يوم. الدولة تريد إثبات قوتها ولكنها لا تفرق بين الجيد والسيء. نحن لا نطلب إلا الأمان الذي يتحدثون عنه”.

عالقة بين النارين وبينما تبدأ طلقات النار التحذيرية التى تطلقها قوات الجيش المصري مع بداية حظر التجول، تلخص أم إياد الموقف ضاحكة: “المصريون يضربون علينا النار من الداخل واليهود يقصفونا من الخارج”.

 

*تم تغيير أسماء أفراد العائلة الفلسطينية لحمايتهم.

اعلان
 
 
هبة عفيفي