ما يمكن أن تفعله مصر لفلسطين

أدى الوضع السياسي في مصر منذ الأول من شهر يوليو، عقب عزل الرئيس مرسي بقيادة المشير السيسي، إلى الإضرار بمصالح الفلسطينيين في قطاع غزة وحركة حماس، التي نشأت من جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينية، والتي تحكم هذا القطاع الصغير منذ عام 2007. فقد قامت قوات الأمن المصرية بإغلاق الحدود مع غزة معظم الوقت، ما زاد من وطأة الحصار الإسرائيلي، كما قام الإعلام بشيطنة حماس وتصويرها على أنها تشكل خطرًا مميتًا على أمن الوطن وسلامته. وتبدو النتائج واضحة في عدم الاكتراث الرسمي والشعبي في مصر، حتى الآن، تجاه غزة وهي تتعرض إلى هجمة إسرائيلية دموية أخرى.

هذه لحظة حرجة لكل من حماس وإدارة الرئيس السيسي؛ فمن ناحية حماس هناك الدمار والخسائر التي تتكبدها غزة المحاصرة والمعدمة، ومن ناحية السيسي فهي اختبار مبكر له بعد أن قدم نفسه على أنه زعيم قومي عربي، قام العديد من حلفائه بتشبيهه بعبدالناصر حتى قبل أن يصبح رئيساً.

لقد شهد العام الماضي وابلًا من الهجمات الإعلامية على حماس. وتعرضت الحركة إلى العديد من الاتهامات، الخطير منها والتافه، من مساعدة مرسي على الهروب من السجن أثناء الأيام الأولى من الثورة عام 2011، إلى التآمر مع قطر ومرسي بعد أن أصبح رئيسًا لإعطاء جزء من أراضي سيناء إلى اللاجئين الفلسطينيين في غزة وإعادة توطينهم هناك. وتم تصوير حركة حماس على أنها منظمة إرهابية مع جماعة الإخوان المسلمين.

وكما قال بعض العقلاء من المحللين المصريين، لم يتم تقديم أي دليل مادي لإثبات صحة تلك الادعاءات. بل جاءت كلها في إطار الحالة العامة السائدة من معاداة غير المصريين ـ بما في ذلك السوريون الذين جاؤوا إلى مصر هربًا وبحثًا عن الأمان ـ ونتيجة للمؤامرات الوهمية التي يحيكها الاجانب لإلحاق الضرر بمصر. ولو حاول هؤلاء الذين يسعون إلى النيل من حماس التركيز على الخلافات في الأيدولوجيات والسياسات لكان ذلك أفضل وأكثر فائدة من المتاجرة بالمؤامرات الخيالية.

وعلى أرض الواقع قامت قوات الأمن المصرية بإغلاق معبر رفح ليشتد خناق الحصار الإسرائيلي الذي دام طويلًا على القطاع بحرًا وبرًا. وهذا المعبر هو المخرج الوحيد من غزة، حيث تسيطر إسرائيل على المخارج الأخرى في الشمال والتي تستخدم لنقل البضائع بصورة مشروطة ومتقطعة. وإتمامًا لتلك المهمة شرعت الحكومة بشكل منهجي في هدم الأنفاق التي كان قد تم حفرها بين غزة وسيناء أثناء عهد مبارك للتعويض عن معبر رفح المغلق، وكانت تلك الأنفاق هي حبل النجاة الوحيد لسكان غزة المحاصرين. وفي حبس الفلسطينيين داخل غزة بهذا الشكل دلالة مريرة، خصوصًا عندما تكون حدود سيناء مفتوحة على مصراعيها للسياح الإسرائيليين.

لا يستطيع أحد إنكار أن مصر تواجه مشاكل أمنية في سيناء، لكن من على دراية بحال سيناء من المصريين يعلم أن اللوم في ذلك يقع على السياسات المجحفة التي طبقتها حكومة تلو الأخرى على سكان المنطقة، وخاصة البدو الذين لا يتمتعون بحقوق مساوية في المواطنة. ولقد أدت محدودية تواجد الجيش المصري في المنطقة، التي تم الاتفاق عليها في معاهدة كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979، إلى زيادة الأمر سوءًا.

أعلن الرئيس السيسي بعد تنصيبه مباشرة تعهده بالحفاظ على أمن البلاد العربية الأخرى، وتأسيس دولة فلسطينية تكون عاصمتها القدس. ولا يصح لدولة مثل مصر، تعتبر نفسها مركز ثقل العالم العربي، أن تترك خطابها وسياساتها الإقليمية متأرجحًا هكذا. ما تحتاجه الآن هو رسم سياسة متكاملة طويلة الأمد في ما يخص الشأن الفلسطيني، تأخذ في اعتبارها طبيعة الوضع في غزة.

لقد فعلت إسرائيل كل ما بوسعها للحول دون ظهور دولة فلسطينية حقيقية عاصمتها القدس. فقد استولت على الكثير من الأراضي في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وحولتها إلى مجموعة من المقاطعات المنفصلة عن بعضها من خلال منظومة متكاملة من الطرق، والحوائط، ونقاط التفتيش، والطرق السريعة الحديثة المخصصة لليهود فقط، وسائر أدوات الاستعمار المعروفة. أما في ما يتعلق بغزة، فإسرائيل تود لو اختفت عن الوجود، كما أعلن رئيس الوزراء المغتال إسحق رابين ذات مرة. إن اختفاء غزة عمليًا يعني استيعابها من قبل مصر المكتظة بالسكان. و باختصار، فأهداف اسرائيل في الضفة الغربية وغزة تتعارض مع موقف الرئيس السيسي المعلن.

إن أحد “الآثار الجانبية” لحروب إسرائيل على غزة هو ضمور الدور المصري إلى دور الوسيط، والذي قامت به مصر في عهد مبارك عام 2009 وفي عهد مرسي أيضًا عام 2012، رغم خطاب جماعة الإخوان المسلمين المعادي لإسرائيل منذ زمن، وتقوم به اليوم مجددًا.

وعند الحديث عن رفض إسرائيل وحماس وقف إطلاق النار من طرف واحد فمن الإجحاف أن نقول، كما قال الرئيس السيسي، إن هناك “عناد وتعنت” من “الطرفين”. فهذه العبارة المحايدة تتجاهل حقيقة أن المواجهة غير متكافئة بشكل كبير، وأن عدد الموتى من الإسرائيليين مقابل الموتى من الفلسطينيين أصبح 0 مقابل 180 قتيل عند كتابة هذه الكلمات، وهو في ازدياد مطرد، وأن الاصوات الصادرة عن الصواريخ والشظايا لا تضاهي القذائف الجهنمية التي تمطر على سماء غزة.

إن ما تظهره مصر من موقف محايد يمكن تفسيره كانعكاس لتهميش مصر سياسيًا، أو حتى رغبة الحكومة في إضعاف حماس بشكل أكبر. أيا كان تفسيره، ومع أن هذا الموقف قد يلقى ترحيبًا كبيرًا في واشنطن وبلاد أخرى، إلا أنه سوف يقوض مصداقية إدارة السيسي في العالم العربي، بما في ذلك لدى المعارضين لجماعة الإخوان المسلمين. وفي نهاية الأمر ليست الوساطة العربية العامل المؤثر على قرار إسرائيل، وإنما تبني قراراتها على حسابات الربح والخسارة وبناءً على رغبات الدعم الأمريكي.

على المسؤولين في مصر في اللحظة الراهنة إعادة النظر في تعاملهم مع الشأن الفلسطيني على وجه العموم، ومع غزة التي تقع على حدود مصر على وجه الخصوص. وقد يكون إصدار بيان تضامن قوي، كالذي أصدره عدد من الأحزاب السياسية، كافيًا على المدى القصير. فهذا قد يحدث أثرًا كبيرًا في معنويات أهل غزة وهم يواجهون ذلك القصف المدوي وحدهم. كما يعد فتح معبر رفح خطوةً هامة للسماح بعبور المساعدات الإنسانية وخروج من يحتاج إلى العناية الطبية. وهذا ما قامت به الحكومة المصرية ولكن بشكل محدود وبمعوقات كثيرة، وهذه الخطوة لا تقوم مقام فتح المعبر بشكل كامل ودائم. وفي مقابل هذا على حماس تقديم كل الضمانات اللازمة التي تؤكد لمصر أن المعبر لن يستخدم إلا للأغراض المدنية.

أما على المدى الطويل، فيجب على مصر تشكيل سياسية بديلة ترفع عبء الحصار عن غزة، من خلال زيادة الضغط على إسرائيل لفتح حدود غزة على العالم. فقد قامت غزة ببناء مطار جوي وميناء بحري صغير حسب ما نصت عليه اتفاقية أوسلو عام 1993. لكن إسرائيل هدمتهما أثناء حملتها للقضاء على الانتفاضة الفلسطينية في عام 2000. كما نصت اتفاقية أوسلو أيضًا على العبور الآمن ما بين غزة والضفة الغربية، إلا أن إسرائيل لم تسمح بهذا قط لأنها لا تريد أن يتم دمج المنطقتين الفلسطينيتين.

إذا فتحت غزة على العالم سوف تتمكن من التعامل مع مشاكل البطالة والفقر التي تفشت بها ومع هذا العزل الخانق في زمن العولمة. كما سوف يؤدي اتصالها بالعالم الخارجي إلى إفشال محاولة إسرائيل جعلها جزء من مصر، ما يتفق مع سياسة مصر الرافضة لاستعياب القطاع داخلها.

وتزعم إسرائيل أنها ترفض أن يكون لغزة مخارج كي لا تتمكن حركة حماس والحركات الفلسطينية الأخرى من الحصول على الأسلحة، وهذا يقودنا إلى العنصر الثاني من الاستراتيجية الأشمل، وهي سبل المقاومة البديلة التي يمكن لمصر أن تحث عليها. إن محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية في رام الله، يرفض مفهوم المقاومة بشدة، ويفضل المفاوضات والطرق الدبلوماسية، التي لم تثمر إلا عن الدوران العقيم في متاهة ما يسمى “بعملية السلام” على مدار عشرين عامًا وأكثر. ليس من السهل الوصول إلى استراتيجية في المقاومة لا تستنفذ كل الموارد الفلسطينية، ومع ذلك فلا أمل بدون مقاومة.

والمقاومة ليست بالضرورة عسكرية. فإن الفلسطينيين لن يتمكنوا من هزيمة إسرائيل بقوة السلاح وحدهم؛ قد يستطيعون إزعاجها فقط، وكان هذا هو الغرض من مرحلة “الكفاح المسلح”. كما أن حماس لا تظن بكل تأكيد أن الصواريخ وحدها سوف تجعلهم يكسبون الحرب، أو تؤدي إلى وقف دك غزة من قبل الجيش الإسرائيلي. لكي يؤتي الكفاح المسلح ثماره ينبغي أن يكون له “بعدًا استراتيجيًا” في البلدان العربية، إلا أن كل البلدان العربية أحجمت عن هذا الأمر. وعلى أية حال، لطالما كانت أشكال المقاومة الفلسطينية سلمية، فإسرائيل هي التي تبالغ في الجانب المسلح منها، لأن ذلك يضعها في دور الضحية التي تدافع عن نفسها، وهي تعلم أنها تستطيع الاعتماد على أصدقائها في واشنطن أو لندن أو باريس، حيث يقوم التيار السائد في الإعلام بترديد مزاعمها.

تكون المقاومة السلمية على المستويين المحلي والدولي. وإن أشكال المقاومة المتبعة في فلسطين كثيرة وشهدت الكثير من الابتكارات. ما ينقص هو التنسيق ونشر تلك الممارسات في جميع المناطق الفلسطينية. ولقد قامت الحملة الدولية للمجتمع المدني ـ حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات واختصارها BDS ـ بالوصول إلى قطاعات مهمة من الناشطين سياسيًا في البلاد الغربية، وتنظيم مناقشات عن القضية الفلسطينية في الولايات المتحدة الأمريكية على حقيقتها كوسيلة للتحرر من منظومة الفصل العنصري والحرمان من الحقوق. والآن يجب التوسع في تلك التحركات وأن تأخذ شكلًا أكثر عمقًا حتى تصل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث لا يمكن لإسرائيل أن تحتمي بحق النقض الذي تتمتع به الولايات المتحدة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال تضافر الجهود العربية والقيادة المصرية القوية.

تلك الاستراتيجية التي تم استعراضها من شأنها أن تعفي مصر من أية اختبارات سياسية أخرى في المستقبل، وهي لن تؤثر سلبًا على العلاقات مع واشنطن، كما سوف تؤدي إلى استرجاع بعض من نفوذ مصر الذي فقدته بالمنطقة، وقد يمكن ذلك الفلسطينيين من تحقيق بعض طموحاتهم.


بيد أن العبء يقع في المقام الأول على عاتق الزعماء الفلسطينيين. يجب على الحركتين الرئيسيتين في الصراع، وهما حماس وفتح، الإسراع في إنهاء الانقسام الذي دام بينهما طوال سبع سنوات، ما أدى إلى تبديد الكثير مما تستند فلسطين عليه سياسيًا واخلاقياً، و أن تتم إعادة بناء الحركة الوطنية العجوز. كما يجب على السلطة الفلسطينية في رام الله أن تتخلى عن أساليبها التي أثبتت فشلها، وتوقف التعاون الأمني مع إسرائيل الذي لا يستفيد منه سوى الإسرائيليين. ويجب كذلك على زعماء حماس التركيز على المسألة الوطنية دون أن يحاولوا فرض قواعد أخلاقية على الشعب. على الجميع أن يستمع إلى صوت الشعب الفلسطيني، وفقط عندما يفعلون ذلك يكون من حقهم أن يطلبوا من مصر والآخرين الاستماع إليهم.

اعلان
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن