Define your generation here. Generation What

أشوف إبداعك أصدقك.. أسمع مواقفك أستعجب

في اليوم الرابع بعد الثامن والعشرين من يناير (كانون الثاني) من العام 2011، خرجت مجموعة من الفنانين والمثقفين في وسائل الإعلام، مطالبين الشباب بالرجوع إلى منازلهم والكف عن المظاهرات والاحتجاجات والبدء في العمل والكد من أجل عجلة الإنتاج وبناء الوطن، وانطلق البعض من الفنانين (أعضاء نقابة المهن التمثيلية بالأخص)، في مسيرة دعم للمخلوع مبارك، والتي انطلقت من ميدان مصطفى محمود في نفس يوم موقعة الجمل، بقيادة نقيب المهن التمثيلية آنذاك الممثل والمخرج أشرف ذكي، وهنا أذكر قصة حكاها لنا أحد الأصدقاء أعضاء النقابة، عندما استقبل على هاتفه المحمول اتصالًا من أحد أعضاء النقابة يدعوه للإنضمام لمسيرة الفنانين والمثقفين التي ستنطلق من ميدان مصطفى محمود دعما للمخلوع متجهين لطرد “شوية العيال اللي واقفين في التحرير عاوزين يمشوا الريس، الدكتور أشرف قالّي أكلم كل الناس أقولها تكون موجودة”.

لن أُصدر أحكاماً قاسية على هؤلاء الذين اختاروا أن ينحازوا بشكل واضح وصريح لنظام دعمهم وتربوا في كنفه وحصد البعض منهم الملايين في عهده، فأنا لن أكترث كثيرًاً بداعمي المخلوع آنذاك من أصحاب الأعمال الفنية غير الموثرة – على أقل تقدير – لأن الأزمة الحقيقية لم تظهر في أيام دعم مبارك من قبل الفنانين المحسوبين على المشهد الثقافي المصري، الأزمة بحق تجلت في أعقاب الثورة السورية وتعليق مجموعات كبيرة من المثقفين المؤثرين في تشكيل وعي هذا الجيل على المشهد السوري وما يحدث فيه، إلى أن وصلنا إلى موقف المبدعين المصريين من حال السلطة اليوم.

في السطور التالية سأطرح بعض التساؤلات التي من المهم أن تُطرح في تلك اللحظة التاريخية الملتبسة والمعقدة، في ظل صعود فاشي شديد الشراسة والانتقامية، وصراع سياسي محتدم بين أطراف اللعبة في المنطقة، وفي ظل تصاعد الآراء والتصريحات والانحيازات لأدباء ومفكرين وسينمائيين ومسرحيين يوما بعد يوم، لتخلق جوًا من الارتباك عند الجميع، خصوصًا الفاعلين في المشهد الثقافي المصري والعربي.

في أعقاب الثورة السورية انقسم المثقفين إلى نصفين، أحدهما يدعم نظام بشار الأسد (كنظام ممانعة للكيان الصهيوني) مبررين ذلك بأن اسقاط نظام بشار خطر على القضية، ودعم للكيان الصهيوني، بغض النظر عن ارتكابه جرائم بحق مواطنيه المحتجين على أوضاع اجتماعية بائسة، وبالطبع مع ظهور مجموعات الإسلام السياسي المسلحة بدأت نبرة الدفاع عن نظام بشار تزداد حماسًا، فهؤلاء لا يدافعون عن نظام ممانعة فحسب، لكنهم يدافعون عن دولة سيأكلها “الإرهابيون” – من وجهة نظرهم – إذا ما سقط النظام، ونصف آخر رأى أن بشار ونظامه هو نظام إجرامي قمعي لم يكن يوما مواجهًا للكيان الصهيوني، ولم يطلق يومًا رصاصة في أراضي سوريا المحتلة صوب العدو المحتل، قدر ما دفع بآلياته العسكرية لقصف من عارضوه واعتقل الآلاف منهم، وأن الإسلاميين ما هم إلا انتهازيين لا يقلون عن بشار رجعية باختلاف الوازع، ركبوا على الثورة الشعبية واستغلوا الوضع لخلق صراع سياسي على كرسي الحكم.

وبعيدًا عن الخوض في تفاصيل الصراع السوري، الثابت أن عنف بشار الأسد ضد شعبه لا يستطيع أحد أن يغض الطرف عنه أو أن يشكك فيه، وبالضرورة كل من يدعم سفاح كهذا هو شخص يفتقد كل معاني الانسانية ولا يدرك بالمرة خطورة استمرار أنظمة دموية كتلك الأنظمة، لكن الأزمة أننا وجدنا فنان له وزنه الفني والسياسي كـ”دريد لحام” يُصرّح بتأييده المطلق لبشار الأسد، ومعاداته للثورة السورية وزياد الرحباني وموقفه المعادي للثورة السورية.

كما إننا في مصر، وجدنا عادل إمام الذي قدّم عدد كبير من الأعمال السينمائية التي تناولت فساد دولة مبارك بشكل شديد الحساسية والدقة ، والذي خرج بعد ذلك في أحد البرامج التليفزيونية يدافع عن مبارك.

أما محمد منير الذي شكل وعي جيل بأكمله، وغنى لنا عن التحرر والبراح ومقاومة كل ما هو مفروض ورفض كل الأنماط والأشكال، فقد قام على مدار عامين متتاليين بإحياء إحتفالية حرب أكتوبر في حضور المخلوع مبارك وبطلب شخصي منه، كما حيرنا موقفه من يناير 2011 الذي لم يتم ايضاحه نهائيا حتى الآن، ولكن الواقع أنه قد انتهي بنا الحال أن نشاهد “الكينج” حاضرًا لاحتفالية تنصيب عبدالفتاح السيسي، منير الذي ربما خيل لنا تنبؤاته المستمرة بالثورة والتغيير.

الأزمة أن مجموعة كبيرة من الأدباء المصريين من أبناء جيل الستينات الذين لهم تاريخ طويل من الإنتاج الأدبي شديد الخصوصية والأهمية، يقررون معاداة الحرية ودعم استبداد جديد.

ومع كل موقف سياسي وكل رأي يطرحه مثقف له وزنه الثقافي، ويكون هذا الموقف أو ذلك الرأي متذيل للسلطة أو منحاز للحاكم أو حتى ضد الثورة بدون تذيل أو تحيز، تنقلب الدنيا رأسًا على عقب غضباً من المثقف وأعماله معا حتى ولو كانت لها قيمه فنية أو وزن، ومن هنا بدأت أواجه نفسي بعدد من الأسئلة: هل اتخاذ المثقف موقفا سياسيا بعينه، يلزم اتخاذ موقف من منتجه الإبداعي، أم أن انحياز المثقف السياسي ليس له علاقة بإنتاجه؟

وماذا عن المثقفين الذين يسّخرون أدواتهم الإبداعية لتجييش الجماهير وحثهم على دعم السلطة حتى ولو كانت سلطة فاشية؟، هل المثقف لا بد وأن يكون ثوريًا بطبيعة الحال؟ وماذا عن المثقفين أصحاب الإنتاج الفني الذي له قيمه على المستوي الإبداعي لكننا لم نسمع عن آرائهم ومواقفهم السياسية وانحيازاتهم الأيدولوجية أي شىء والتزموا الصمت؟ وهل الفن بعيد عن السياسة أم إنه يبدأ من مواقف سياسية؟

في الحقيقه ليس لدي اجابات كاملة ونهائية على تلك الأسئلة، لكنني لدي بعض الأفكار التي سأطرحها كمدخل للنقاش.

في البداية، علينا أن نتفق أننا بصدد وضع شائك ومركب ومعقد جدا، خصوصا وأن هناك ممارسات من  جانب أطراف عدة، لمحاولة فرض وصايا محددة على الفن والثقافة ووضعهما في قوالب بعينها لخدمة مصالح بعينها، أو لمجرد أن يكونا آداة أيدولوجية، وهنا علينا إلقاء الضوء على ما طرحه لوي ألتوسير (16 أكتوبر 1918 – 22 أكتوبر 1990) الفيلسوف الماركسي وأستاذ الفلسفة بمدرسة الأساتذة العليا في باريس.

انطلق ألتوسير من أن الدولة بمفهومها الكلاسيكي هي جهاز قمعي وُجد ليتيح السيطرة للطبقات المستِغلة على الطبقات المستَغلة، ويؤمن تلك السيطرة من خلال ما سُمي بـ”جهاز الدولة”، أي كل ما عُرف وجوده من ممارسات الشرطة والقضاء، والجيش الذي يتدخل كمرحلة نهائية وكقوة ضاربة عندما تفقد الوسائل الأولى قدرتها على التعامل مع الأزمة، ولكن طرحه كان هو أن للدولة أيضا جهاز أيدولوجي يعيد إنتاج الأفكار، ويعمل على تسويق أفكار وأخلاق وانحيازات الطبقات المسيطرة، وتسريبها بشكل ناعم داخل عقول الطبقات المستَغلة حتى يتعاملون معها باعتبارها أمر واقع وحتمي وسُنة حياتية، هذا الجهاز الأيدولوجي مكون من المثقفين ورجال الدين والاعلاميين وأساتذة الجامعة وواضعي المناهج الدراسية، وعليه فبناء على طرح “ألتوسير” نستطيع القول أن الدولة والسلطة الحاكمة تحتاج طوال الوقت أن تمتلك مجموعة من المثقفين الذين يعملون على تطوير الجهاز الأيدولوجي للدولة. لكن ليس بالضرورة أن يكون هذا الجهاز على قلب رجل واحد، فمن الممكن أن تجد تباين واختلافات في المواقف، من الممكن أن يعارض مثقفون السلطة الحاكمة بقوة ويعترضون على آداء رجال حكومتها بل ويشنون الحملات ضدهم، ومن الممكن أن تجد خلاف كبير بين المؤسسة الدينية وبين وزير الثقافة.. إلخ، لكن بالنهاية ما يجمع هؤلاء هو العمل على إعادة إنتاج خطاب أيدولوجي دولتي طبقي موجه للجماهير.

أضف الي ذلك ما طرحه جوليان باندا (1867 – 1956)، الروائي والفيلسوف الفرنسي عندما تحدث عن المثقفين الذين يتنازلون عن سلطتهم المعنوية أو الأدبية في مقابل المشاعر الجماعية الجارفة، مثل الطائفية والعداوات المبنية على اختلاف القوميات والمصالح الطبقية، وحديثه عن مدى أهمية استعانة الحكومات بالمثقفين لا في مواقع القيادة فحسب، بل لتدعيم السياسات الحكومية وللدعاية ضد الأعداء الرسميين ولوضع صيغ التلطف في التعبير.

هل بالضرورة أن يكون المثقف صاحب أفكار تقدمية منفتحة حتى يستطيع أن يقدم انتاج له قيمة فنية؟، كما ذكرت سابقا فإن عدد من الفنانين الذين ساهموا في تشكيل وعي أجيال بأكملها من خلال أعمالهم التي لها أهمية على المستوى الإبداعي، كانت لهم انحيازات أيدولوجية وآراء سياسية رجعية، وفي بعض الأحيان تكون الآراء يمينية متطرفة، فعلى سبيل المثال الشاعر الإنجليزي المعروف  تي.س.أليوت (26 سبتمبر1888 – 4 يناير 1956) كان يمينياً كاثوليكيا من فصيل محافظ جدًا وملكي، وأخذ في أوقات يداعب الفاشية، لكنه له انتاج أدبي له أهميته وقيمته الأدبية وله أعماله التي استخدمت اللغة بشكل جديد وأعمال أخرى كانت تنقد المجتمع الغربي بعد الحرب العالمية الأولى.

قد أميل بشكل شخصي إلى ذلك الرأي الذي يتعامل مع المثقف والفنان على أنهما أفراد تتمتع بمواهب خاصة تمكنهم من أن يكونوا حاملي رسالة ما أو موقف ما أو رأي ما، وقادرين على تجسيد ذلك والتصريح به للمجتمع بأي طريقة يختارونها، انطلاقا مما يملكونه من موهبة خاصة، ودورهم ذلك هو دور فعال وله تأثير قاطع. هؤلاء هم الذين يطرحون دوما الاسئلة المحرجة، ولديهم القناعة بأن وجودهم هو تمثيل لمجموعة من القضايا التي عادة ما يكون مصيرها التجاهل أو عدم الاهتمام، هم من لا يسمحون بالسكوت عن أي انتهاك ضد الإنسان أو أي انتقاص لمعايير ومستويات لائقة ومناسبة من حيث تحقيق العدل والحرية والكرامة، وأن يحاربوا كل انتهاك بشجاعة وبسالة، هم هؤلاء اللذين يصعب على الحكومات أو الشركات استقطابهم .

لكن هذا رأيي والواقع الذي نعيشه اليوم يستدعي بالتأكيد فتح نقاش واسع بين كل الأطراف الفاعلة في المشهد الثقافي، حول علاقة المثقف وانتاجه الإبداعي بانحيازاته الأيدولوجية وآرائه السياسية ومواقفه من حركات التحرر والتغيير، لطرح فهم جديد لعلاقة المثقف بالسلطة.

 

الإسكندرية

٧ يوليو (تموز) ٢٠١٤

اعلان
 
 
حكيم عبدالنعيم