Define your generation here. Generation What
لماذا غاب تضامن المصريين مع الفلسطينيين؟
 
 

مساء الأحد الماضى نظمت الحملة الشعبية لدعم انتفاضة الشعب الفلسطينى وقفة على سلالم نقابة الصحفيين، فى أعقاب إفطار جماعى دعت له تضامنًا مع الشعب الفلسطينى الذى يتعرض منذ أكثر من أسبوع لقصف يومى عنيف من قبل الجيش الإسرائيلى، أسفر حتى الآن عن وفاة 205 شخص، وإصابة أكثر من 1530 آخرين. الوقفة التى شارك فيها العشرات، تحولت إلى مسيرة خرجت من النقابة وصولا إلى شارع صبرى أبو علم قبل أن يعلن منظموها عن انتهائها، كانت أعداد أقل بكثير قد نظمت صباح الأحد فى المكان نفسه وقفة أخرى تضامنية مع الشعب الفلسطينى، فيما شهد محيط السفارة الفلسطينية بالقاهرة قبل أيام وقفة أخرى تضامنية شارك بها عشرات المواطنين على أقصى تقدير. تلك الوقفات تعد حتى الآن هى رد الفعل الشعبى الوحيد على الأرض، الذى أعلن عبره المصريون تضامنهم مع الشعب الفلسطينى.

فى نهايات عام 2000 وبدايات 2001، شهدت أغلب المدن المصرية موجة من المسيرات والتظاهرات الحاشدة، التى خرجت تضامنًا مع الفلسطينيين الذين كانوا يقومون بالإنتفاضة الثانية فى ذلك الوقت، تلك المسيرات والتظاهرات لم تقتصر على المنتمين للقوى السياسية، بل لفت الأنظار إليها مشاركة كل طوائف الشعب فيها، وكان من المعتاد وقتها مثلًا متابعة مسيرة لطلبة أحد المدارس الإبتدائية تجوب الشوارع بحماس وتهتف بالقوة التى تسمح بها الحناجر الصغيرة المشاركة فيها.

غياب مثل تلك المظاهرات عن الشوارع المصرية حاليًا يأتى فى الوقت الذى شهد فيه العديد من المدن والعواصم العربية والعالمية مظاهرات حاشدة خرجت تضامنًا مع الفلسطينيين الذين يتعرضون للقصف الإسرائيلى لأكثر من أسبوع حاليًا، وهو ما طرح أسئلة مثل: لماذا اختفت مظاهر التضامن والتعاطف مع الفلسطينيين من الشارع المصرى؟ وما الفارق بين تعاطى الشارع المصرى مع الهجوم على غزة حاليًا، وتعاطيه مع الهجوم عليها وقت الإنتفاضة الثانية؟

“لا أرى أننا وصلنا لحالة فقد التعاطف، لكن المؤشرات حاليًا منخفضة” هكذا أجاب خالد عبدالحميد، العضو المؤسس بجبهة طريق الثورة، الذى أضاف موضحًا: “يجب أن نكون أكثر دقة، بالتأكيد هناك ردود فعل شعبية، لكن لا يشترط أن تكون على شكل احتجاجات وتظاهرات”، واستكمل: “لا يمكن أن نقول أن الشارع لن يتحرك، فى المرات السابقة لم يكن الشارع يتحرك عند بدء الضرب مباشرة، فربما قد يحدث تصاعد، وعدم وجود فعل فى الشارع لا يعنى عدم وجود تعاطف، خاصة أن أحدًا من الجانب السياسى لم يفعل شيئًا، اللهم إلا محاولة إعادة إحياء الحملة الشعبية، التى بدأت فعالياتها بإفطار على سلم نقابة الصحفيين”.

بدوره كان للناشط السياسى وائل خليل وجهة نظر قريبة، حيث قال: “المشكلة أننا نقرأ وضع الشارع بشكل أحادى، فطوال الوقت هناك أناس تكره غزة والفلسطينيين، لكن المتعاطف أحيانًا يكون صوته أعلى منهم، فيكون أوضح فى الصورة، وإن كنت أعرف أن هناك حاليًا بعض الفعاليات التى يتم تنظيمها وهو ما يجعلنى أقول أن أمامنا وقت، وسنرى”.

كانت أحزاب الدستور، العيش والحرية، مصر القوية، المصري الديموقراطي الإجتماعي، مصر الحرية، حزب الكرامة، حزب التحالف الشعبي الإشتراكي، جبهة طريق الثورة (ثوار)، والتيار الشعبي قد أصدرت بيانًا مشتركًا أدانت فيه العدوان الصهيونى على الشعب الفلسطينى فى غزة، ودعت رئيس الجمهورية والحكومة المصرية لتبنى موقف يعبر بصدق عن نبض الشارع المصرى، كما طالبت بفتح معبر رفح بشكل دائم لكونه مسألة حياة للفلسطينيين فى غزة، ولا يجب أن تكون محل مساومة، كما أعلنت الأحزاب عن ضم جهودها إلى جهود اللجنة الشعبية لدعم الإنتفاضة، وفتح مقارها لتلقى التبرعات التى ستنقلها القافلة المزمع ذهابها إلى غزة ويرافقها وفد شعبى.

وكانت اللجنة الشعبية قد أعلنت عن تنظيم قافلة دعم شعبية وطبية تتجه الى قطاع غزة صباح يوم الخميس المقبل الموافق 17 يوليو لدعم انتفاضة الشعب الفلسطينى.

هذه المبادرات التى تعد قليلة مقارنة بمثيلاتها التى شهدتها مصر قبل سنوات، تزامنًا مع كل مرة حدث فيها قصف إسرائيلى مماثل على الأراضى الفلسطينية، تأتى فى وقت تصاعدت فيه نغمة تهاجم الفلسطينيين، وتعتبرهم خطرًا على مصر، وهى النغمة التى يقودها عدد من الإعلاميين، لكن صداها امتد ليشمل أعداد كبيرة من المواطنين العاديين، ليبدو أثرها واضحًا حتى فى النقاشات اليومية المعتادة على المقاهى أو مواقع التواصل الإجتماعى.

حملات الهجوم المصرى على الفلسطينيين لها تاريخ قديم، حيث بدأت فى نهايات السبعينيات، وتحديدًا بعد اغتيال وزير الثقافة المصرى يوسف السباعى فى قبرص عام 1978 على يد مجموعة فلسطينية معترضة على اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، حيث أعقبت ذلك الحادث حملة إعلامية تهاجم فلسطين وقضيتها، تواكبت مع غضب شعبى تجلى فى هتافات معادية لفلسطين شهدتها جنازة السباعى.

أما فى السنوات الأخيرة، وبالتزامن مع ثورة 25 يناير، عادت تلك الحملات للظهور بكثافة، بعد ادعاء العديد من الجهات الصحفية والإعلامية أن الفلسطينيين وتحديدًا المنتمين لحركة حماس شاركوا فى قتل المتظاهرين وفتح السجون وقت الثورة، وتكرر اتهامهم فى وقائع مثل حادثتى رفح الأولى والثانية، اللتان اغتيل فيهما عدد من الجنود المصريين فى سيناء، كل هذا على الرغم من أن حكمًا قضائيًا واحدا لم يصدر حتى الآن يحمل إدانة واضحة لأى فلسطينى فى أى من القضايا التى يزعم الإعلام، والرأى العام أحيانًا، أنها شهدت اشتراك عناصر فلسطينية فيها. وهى الحملات التى ازدادت بعد 30 يونيو، بعد نهاية حكم الإخوان المسلمين فى مصر، والذين يعتبر البعض أن حركة حماس هى أحد فروعهم.

الكاتب الصحفى فهمى هويدى يقول فى مقال بعنوان «الليكوديون العرب» نشرته جريدة الشروق: “ولا يستطيع المرء أن يتجاهل أن العداء لحماس متأثر أيضا بحملة الشيطنة والأكاذيب التى نسبت إليها خلال السنوات الثلاث الأخيرة. وهى التى اعتمدت على تسريبات مسمومة لم يثبت أن لها أصلا من الحقيقة. فتقرير أول لجنة شكلت لتقصى حقائق أحداث الثورة فى عام 2011 التى رأسها رئيس مجلس القضاء الأعلى الأسبق المستشار عادل قدره لم يشر إلى أى دور لحماس فى أحداث تلك المرحلة، وهو التقدير الذى دفن وأعيدت صياغة أحداثه بواسطة الأجهزة الأمنية بحيث أقحمت حماس فيها لتبرئة الشرطة التى أدانها التقرير الأصلى صراحة. وقتل الجنود المصريين فى رفح الذى ألصق فى حماس لم يثبته أى تحقيق رسمى، ولايزال الطرف القاتل مجهولا حتى اللحظة الراهنة. وحكاية التنازل عن جزء من سيناء لصالح حماس لكى يتمدد فيها سكان القطاع أسطورة وأكذوبة كبرى لم يقم أى دليل عليها.. وقس على ذلك بقية الأحداث التى أقحمت فيها حماس لشيطنتها وتلويث صورتها ضمن حملة تصفية الصراع مع الإخوان“.

“هو اللى بيحصل فى الشعب الأعزل ف غزة ده احنا سببه؟ ولا بتوع حماس اللى هما من غزة سببه؟ خلاص يشيلوا هم نفسهم بقى”، يقول المذيع التليفزيونى توفيق عكاشة، عبر شاشة القناة التى يملكها، فى حلقة خصصها للهجوم على قيادات حركة حماس، ولرفض إرسال مصر قافلة غذائية وطبية لقطاع غزة، عكاشة الذى يتمتع بنسبة مشاهدة جيدة من قطاع كبير من المصريين، طلب من الفلسطينيين القيام بثورة ضد حركة حماس، معتبرًا أن التوقيت الحالى مثالى للقيام بتلك الثورة، وطالب الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى بأن يوجه نداء للشعب الفلسطينى بالثورة على حماس، واستنكر قيام السيسى بإرسال 60 سيارة اسعاف لغزة، معتبرًا أن اسرائيل ليست سبب ما يحدث فى غزة، بل هى حماس، التى اختطفت ثلاثة مواطنين اسرائيليين وقتلتهم لتهاجم اسرائيل غزة.

عكاشة استنكر أن يقوم الجيش المصرى بإرسال قافلة مساعدات غذائية لغزة، واسماها «قوافل الخيبة» وقال: “غزة مين وزفت مين!! كان فين شعب غزة وبيتم الهجوم على سينا؟ ووقت الهجوم على السجون والأقسام؟ أنا ضد الفريق صدقى صبحى فى فعلته بإرسال 25 قافلة عليها اسم الشعب المصرى، بلا غزة بلا مصيبة بلا نيلة بلا هباب، ده احنا من سنة 48 واحنا واقعين فى الدم بسبب ناس باعوا قضيتهم بنفسهم”.

نفس وجهة النظر تبناها محمد أبو حامد البرلمانى السابق ومؤسس حزب “حياة المصريين”، الذى قال عبر تويتر: “للمرة الثانية تنظيم حماس الإرهابي وقياداته المشبوهة أمثال هنية ومشعل يحاولون توريط الجيش المصري مع إسرائيل وفتح معبر رفح عشوائيا، وهذا كله لهدف واحد إفتُعلت أزمة غزة لأجله وهو توطين الفلسطينين في سيناء وتشتيت الجيش المصري بعيدا عن معركته الأساسية وهذا لن يحدث أبدا، رئيسنا وقيادات جيشنا عندهم من الحكمة ما يجعلهم يكشفون محاولات بعض السذج لتوريط بلدنا في غزة، كل الشواهد تفيد أن ما يحدث في غزة مدبر لتوريط مصر”، قبل أن يطالب الدولة المصرية بألا تسمح سوى بعبور المصابين الفلسطينيين من معبر رفح ـ فى حال فتحه ـ ونصحها بتجهيز قوافل طبية لعلاج الحالات عند المعبر مباشرة، فى إجراء وقائى ضد المؤامرة التى تهدف لاستيطان الفلسطينيين فى الأراضى المصرية.

“نحن حاليًا فى أعلى نقطة من تصدير الكراهية للفلسطينيين، بعد أكثر من سنة من الحشد واستخدام الدعاية السوداء ضدهم، باعتبارهم هم من قتلوا جنودنا على الحدود وما إلى ذلك من اتهامات، يدفع الفلسطينيين ثمنها دون أن يكون لهم علاقة بها، فى شكل من أشكال العقاب الجماعى”، يقول خليل، فى تحليله لأحد أسباب غياب مظاهر التضامن مع الفلسطينيين عن الشارع المصرى.

عبد الحميد يشارك خليل فى رصد حالة الهجوم الإعلامى ضد الفلسطينيين كأحد أسباب غياب التضامن، لكنه يضيف لها عوامل أخرى: “الآن الوضع مختلف عن الظروف المماثلة سابقًا، نحن فى ظل انقسام رهيب، وحملة إعلامية شرسة ـ بدأت قبل 30 يونيو ـ ضد الفلسطينيين وحماس بالخصوص، وفى ظل غرق الشارع المصرى فى مشاكل أخرى، مثل موجة الغلاء ورفع الدعم وزيادة سعر البنزين، بخلاف ظروف شهر رمضان نفسه، وهو ما يشكل فى مجموعه مزيجًا يوصلنا للحالة الحالية”.

وهو الطرح الذى يمتلك خليل ردًا عليه، فيقول: “لم نكن فى أوضاع اقتصادية أفضل كثيرًا حين تعاطفنا أو تضامنا مع غزة سابقًا، وفى مرات كنا فى رمضان أيضًا، لكن يبقى أن «البروباجاندا» لها تأثر كبير على الجمهور المتوسط، ففى الانتفاضة الثانية فى عام 2000 لم تكن هناك تلك الدعاية السوداء، لكن حاليًا هناك عنف شديد ضد دعوات التعاطف مع الفلسطينيين، وهناك جناح موجود ليس لديه مانع فى أن يتكلم بكراهية فيها الكثير من التعالى والوقاحة، ضد الفلسطينيين، رغم أنه بمنطق المصلحة، لا يمكن لأحد أن يقول أن اسرائيل من مصلحتها أن تكون مصر قوية، لكن عمى الكراهية أحيانًا يتجاوز الأيدولوجيا”.

عبدالحميد رأى أن رد الفعل الرسمى للدولة المصرية ليس له مردود فى الشارع، لأن الدولة ـ بحسب كلامه ـ لم تقم بشىء أكثر من الذى تقوم به فى كل مرة، من غلق المعبر وفتحه دون ابداء أسباب، وإن كان النظام قد بعث مؤخرًا بمساعدات غلى غزة، فالغريب أنه بعثها باسم القوات المسلحة وليس باسم الدولة.

بينما يرى خليل تأثير الدولة المصرية فى غياب رد الفعل الشعبى من زاوية أخرى، حيث يقول: “التعبير عن التضامن هو تعبير سياسى يأخذ شكل مسيرات أو مظاهرات، لكن فى لحظة القمع الحالية لا أستطيع أن أتوقع وجود هذا النوع من التضامن، فكل أشكال التعاطف مقموعة، خاصة وأن مستويات جنون الاستبداد مرتفعة حاليًا، ولا نعرف حدوده”، ويضيف مؤكدًا: “النظام ممكن يشيل كل المتظاهرين ويديهم إعدامات ولّا مؤبدات ولّا يضرب نار”.

وفى مقارنة سريعة لموقف النظام فى السابق يقول خليل: “دومًا كان هناك تظاهرات تعاطف مع فلسطين، ونظام مبارك لم يكن يجرؤ على قمعها، أما حاليًا فللأسف النظام (سياسى، شرطة، جيش، أو قضاء) غير مضمون فى رد فعله، وكلما زادت احتمالات القمع، قلت أشكال التضامن، وتبقى السبة والعار فى جبين النظام الحالى أن يُفهم أنه نظام ضد التعاطف مع الفلسطينيين، مثلما هو نظام ضد أى حراك شعبى من أى نوع”.

اعلان