Define your generation here. Generation What
قصة “سجين الإسكندرية” من الحبس إلى الموت

توفي أمس، الإثنين، محمود محمد سعد الدين، ٢٧ سنة، بالمستشفى الجامعي بالإسكندرية، والمحكوم عليه بالسجن ١٥ عاما في القضية المتهم فيها ٦٣ شخصا والمعروفة إعلاميا بقضية “أحداث سيدي جابر”، وضمت القضية المتهمين بإلقاء ٤ أطفال من عمارة سكنية بحي سيدي جابر فضلا عن عدد كبير من المتهمين بأعمال عنف وشغب يوم ٥ يوليو ٢٠١٣، في أحياء سيدي بشر ومحرم بك وسيدي جابر. وذكرت التقارير الطبية أن الوفاة وقعت بعد تفاقم حالته الصحية بسبب إصابته بمرض إلتهاب الكبد الوبائي.

وذكرت حملة “الحرية للجدعان”، المعنيّة بقضايا المعتقلين والسجناء السياسيين في مصر، على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” أن هذه خامس حالة وفاة في أماكن الاحتجاز خلال ٣ أيام، وسبقها بيوم وفاة ٣ سجناء أثناء احتجازهم بأقسام شرطة إمبابة ومدينة نصر وأكتوبر، فضلا عن وفاة سجين آخر، قبل يومين، أثناء احتجازه في قسم شرطة عين شمس.

وعلّقت الحملة على الحالات الخمس قائلة: “هذا الأمر بالغ الخطورة ونجدد أنه يجب التحقيق الفوري في مقتل الخمسة مساجين ومعاقبة الجناة من المسئولين في وزارة الداخلية، فما نعهده من تعذيب للمساجين داخل الأقسام والسجون وتكديسهم في الزنازين في وضع غير صحي وغير آدمي وعدم تقديم الرعاية الصحية اللازمة، يشير إلى أن وزارة الداخلية هي المسؤول الرئيسي عن مقتل الخمسة مساجين!”.

وقال رضا مرعي، المحامي بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أنه تم رصد ٨٤ حالة وفاة داخل السجون وأقسام الشرطة في الفترة من ٣٠ يونيو ٢٠١٣ وحتى الآن. وأن الكثير من هذه الحالات حدثت بسبب تدهور الأوضاع المعيشية والصحية داخل أماكن الاحتجاز، فضلا عن سوء الرعاية الصحية بها، فضلا عن حالات التعذيب واستخدام العنف والقوة الواضحة.

وأضاف مرعي: “الحالات الـ٨٤ التي تم رصدها هي فقط التي علمنا بها أو تم النشر عنها إعلاميا، وبالتأكيد هناك حالات أخرى لم نعلم عنها”.

وفي اتصال تليفوني أجرته«مدى مصر» مع والدة محمود محمد سعد الدين قالت أن ابنها لم يكن يعاني من أي أمراض قبل دخوله السجن في ٥ يوليو ٢٠١٣، وأنه كان رياضيا، وظل يمارس الرياضة حتى داخل السجن كلما كان ذلك متاحا، واتهمت الأم إدارة السجون التي احتجز بها طوال العام الماضي بالمسؤولية عن إصابة ابنها بإلتهاب الكبد الوبائي مع عدم تقديم الرعاية الصحية الكافية له مما أدى إلى وفاته.

وأضافت الأم أن عوارض التدهور الصحي بدأت في الظهور عليه بعد يومين من صدور الحكم بسجنه في ١٩ مايو الماضي، حيث لاحظت عليه أثناء زيارته إصفرار وجهه وإصابته بإعياء وإسهال دائم، وعرفت بعد انتهاء الزيارة أنه و٧ آخرين تعرضوا للإصابة بالتسمم.

ومنذ ذلك اليوم بدأت محاولات الأم لنقل ابنها للمستشفى ليلقى رعاية صحية أفضل، فتم تحويله إلى مستشفى سجن برج العرب. تقول الأم أنها لاحظت أثناء زيارته فى المستشفى دخوله فى غيبوبة كبد، فبدأت الضغط على إدارة السجن وأطباء المستشفى، وهددتهم بتقديم شكوى فطلب منها مدير المستشفى أن تفعل وقال لها بحسب روايتها: “ربما يكون ذلك في مصلحة المرضى، فنحن نطلب تجهيزات ولا يتم الاستجابة لنا”. ولاحقا تم نقله إلى مستشفى “رأس التين العام”.

تحكي الأم أنه مع دخول ابنها مستشفى “رأس التين” كانت الطبيبة المعالجة تصر على عدم احتجازه للعلاج، وترجع الأم ذلك إلى تعليمات الأمن، وبعد عدة محاولات من الأم وشجار مع قوة التأمين قبلت إدارة المستشفى احتجازه لديها تحت الملاحظة.

وخلال فترة وجوده في “رأس التين العام” تم احتجازه أولا بقسم الكبد، ثم تم نقله للعناية المركزة بعد تدهور حالته الصحية بشكل حاد. تقول الأم أن الطبيبة المعالجة أخطأت في علاجه وأن أطباء آخرين هم من أصروا على نقله إلى العناية المركزة، وبدأت تتكرر حالات غيبوبة الكبد لديه، حتى تم نقله للمستشفى الجامعي.

“قبل وفاته بيوم ذهبت لزيارته، فوجدته كأنه جثة هامدة غارقة في بركة من البول، صرخت في طاقم التمريض طالبة منهم تنظيفه وتغيير ملابسه، أو السماح لى بفعل ذلك” تقول الأم.

تضيف: “علمت بخبر الوفاة أثناء قيامي بتقديم طلب لدى المحامي العام بالعفو الصحي عنه، حدثني والده في التليفون وأخبرني بوفاته وأن المستشفى أوشكت على الانتهاء من الأوراق اللازمة للدفن، تعجبت فقد قضيت الليل كله أمام المستشفى ولم يخبروني عندما مات”.

تؤكد الأم أن ابنها لم يكن مريضا عند حبسه “عند احتجازه عقب القبض عليه في مديرية أمن الإسكندرية تم توقيع كشف طبي على السجناء، ولم يرد في التقرير الطبي أي ذكر لإصابته بأي أمراض”.

وأضافت الأم أن ابنها تم تحويله للمستشفى مع ٣ سجناء آخرين مصابين بأمراض مختلفة، وأن أحدهم توفي أيضا جراء إصابته بالتهاب الكبد الوبائي، وفقا لرواية الأم.

وعلّق مرعي على الوقائع الأخيرة قائلا: “وفاة السجناء داخل أماكن الاحتجاز ليست قضية جديدة، وستظل قائمة طالما أن هيكلة الداخلية لم تتم، وطالما هناك توسع في الحبس الاحتياطي يؤدي إلى حبس عشرات الآلاف دون وجود أماكن كافية لاستيعابهم”.

وأضاف: “سواء كان سبب الوفاة هو التكدس أو سوء التهوية أو التعذيب أو الحالة المرضية للسجين، فإن الداخلية مسؤولة عن الوفاة، لأنها بالأساس مسؤولة عن حياته”.

ويشير مرعي إلى تقرير النيابة عن التفتيش الذي قامت به لقسم شرطة دار السلام، وجاء به أن الزنازين الثمانية بالقسم محتجز بها ٣٦٥ شخصا في حين أنها تسع ١٦٠ فردا فقط.

ويذكر مرعي واقعة جرت في سبتمبر ٢٠١٣، عندما توفي شاكر محمد شاكر، المسجون على ذمة قضية سرقة بالإكراه، داخل مركز شرطة القناطر على أثر إصابته بأزمة قلبية.

ويضيف: “النيابة أصدرت قرارا بنقل شاكر للمستشفى قبل وفاته بفترة، إلا أن مأمور المركز رفض تنفيذ أمر النيابة، حتى توفي داخل محبسه بسبب سوء الأحوال المعيشية هناك فضلا عن تدهور صحته”.

يحكي مرعي ساخرا: “المذهل في الأمر أنه حين تظاهر أهل المتوفى أمام مركز شرطة القناطر بعد وفاته، قامت الداخلية بالاعتداء على الأهالي وإلقاء القبض على عدد منهم، وقُتل في الاشتباكات أحد أقارب المتوفى وشخص آخر تصادف مروره بموقع الحادث”.

يضيف مرعي “الكثير من حالات الوفاة تكون بسبب الظروف الصحية والمعيشية في أماكن الاحتجاز، لكن لا يمكننا أن نغفل التعذيب أيضا”.

ويعطي مرعي مثالا بواقعتين، الأولى اتهمت فيها النيابة ضباط قسم شرطة الدرب الأحمر باستخدام القسوة والعنف مع متهم مما أدى إلى وفاته، والأخرى متهم فيها ضباط مباحث قسم شرطة المرج بتعذيب مواطن حتى الموت، وهو ما جاء تقرير الطب الشرعي موافقا له.

ويلفت مرعي: “مع التوسع في الحبس الاحتياطي، الذي أصبح عقوبة دون محاكمة، وإصدار قرارات بتحويل أعداد غير معروفة من أقسام ومراكز الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي إلى سجون مركزية يمكن احتجاز أشخاص بها لشهور، فإننا نطالب بأن يتم توفير طبيب على الأقل بكل مركز احتجاز، فضلا عن التوقف أصلا عن سياسات الاعتقال العشوائي والتوسع في الحبس الاحتياطي”.

ويضيف: “كما يجب تفعيل التفتيش الدوري والمفاجئ على السجون من قِبل جهة محايدة ومستقلة يمكن إنشائها خصيصا لهذا الغرض، كما يجب فتح تحقيقات جدية في كل وقائع وفاة السجناء في أماكن احتجازهم”.

“هذا يعني ألا يستمر الضباط وأمناء الشرطة، المتهمون بممارسة التعذيب، في عملهم دون حبسهم بقرار من النيابة أو وقفهم عن العمل لحين انتهاء التحقيقات، مما يعطيهم فرصة كاملة في إرهاب الضحايا وأهلهم، والضغط على الشهود وطمس الأدلة” يكمل مرعي قبل أن يختم حديثه بلهجة ساخرة: “هذا إن كنا جادين”.

اعلان