Define your generation here. Generation What

قانون المنظمات الأهلية.. تشريع استبدادي جديد

على نهج قانون التظاهر، الذي سعت الحكومة المصرية بتطبيقه لخنق المجال العام، وإغلاق كافة السبل أمام اتساع أو نمو أي حركة احتجاجية معارضة لها، تسعى الحكومة مجدداً لإقرار تشريع  “لتنظيم عمل الجمعيات والمنظمات الأهلية“. التنظيم هنا، وفقاً لمفهوم وزارة التضامن الاجتماعي التي تقود مناقشة مشروع القانون، ليس ما نعرفه عن تنظيم الحقوق والحريات، بل هو ستار تختبىء وراءه إرادة سياسية، تريد لمنظمات المجتمع المدني إما أن تصمت عن الإنتهاكات الواسعة التي تمارسها أجهزة الدولة، وعن الفشل الذريع في القيام بمهامها سواء على المستوى الحقوقي، أو على المستوى التنموي، أو أن تكف هذه المنظمات التي ترفض الصمت والتعاون عن التواجد تحت سماء الحاكم الجديد.

سبق أن نوُقش مشروع القانون من قبل في إطار حملة إعلامية، تعمدت تشويه عدد من المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان ورموز العمل الحقوقي في مصر، هذه الحملة لا تزال مستمرة حتى الآن، وتتنوع صورها بين مقالات رأي، وبرامج حوارية، وأخبار عن بلاغات قُدمت للنائب العام ضد عدد من المنظمات والقائمين عليها.

مثل هذه الحملات، التي تستهدف منظمات المجتمع المدني، تعاود الظهور مع كل نظام جديد منذ تربع المجلس العسكري السابق في عهد “المشير طنطاوي” على رأس السلطة، ومروراً بالرئيس السابق “محمد مرسي”، وانتهاء بالرئيس الحالي “عبدالفتاح السيسي”. تطلق هذه الحملات  عددًا من الإتهامات – دون دليل – على المنظمات الحقوقية، تستهدف بالأساس النيل من مصداقية العاملين في هذا المجال وذلك بالتشكيك في ولائهم الوطني، وفي ذممهم المالية وغيرها من المسائل، التي يبدو أن القائمين على هذا النوع من الحملات لديهم قناعة بأنها كفيلة بإضعاف قدرة هذه المنظمات على مقاومة إقرار مثل هذا التشريع، فضلا عن تبرير أي حملات قمعية قد تشنها الدولة ضدها.

أحد أوجه دفاع الحكومة المعتادة عن نفسها، في الرد على المنظمات الحقوقية الرافضة لوجود تشريع استبدادي يقيد أنشطتها واستقلالها، أن هذه المنظمات ترفض أن تكون خاضعة لأي قانون ينظم العمل الأهلي في مصر، وتريد البقاء خارج إطار التنظيم القانوني، وهو ما يناقض واقع أن المنظمات الحقوقية الرافضة لهذا التشريع قد شاركت في صياغة كافة مقترحات القوانين التي قُدمت للمناقشة بعد ثورة يناير، وقدمت اقتراحات من شأنها إخضاع القانون المنظم للعمل الأهلي للمعايير الدولية، سواء المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق الملزمة لمصر بشأن الحق في التنظيم أو الحق في التجمع السلمي، أو تلك المستمدة من الممارسات الفضلى في هذا المجال في بلدان أخرى تقدر أهمية المجتمع المدني وتحترم استقلاليته في مواجهة سلطات الدولة المختلفة.

لكن مع الأسف، أثبتت تجارب مشاركة المنظمات غير الحكومية في مناقشة مشاريع قوانين العمل الأهلي المختلفة، أن الحكومات المتعاقبة تستغل هذه المشاركة لتجميل صورتها والإدعاء بأن المجتمع المدني كان طرفاً أصيلا تم أخذ رأيه ومقترحاته بعين الإعتبار، في حين أن الحكومة كانت دائماً تضرب بمقترحات المجتمع المدني عرض الحائط.

عبّر ملتقى منظمات حقوق الإنسان عن رفضه لمشروع القانون الجديد المقدم من وزارة التضامن الاجتماعي، من خلال بيان له وقعت عليه 29 منظمة مصرية، والذي وصفه بأنه أكثر قوانين الجمعيات الأهلية قمعًا منذ نصف قرن. مفنداً كافة بنود القانون التي من شأنها عرقلة العمل الأهلي واستهداف المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، وهو ما ظلت هذه المنظمات تفعله في كل مرة كان يُطرح فيها مشروع قانون العمل الأهلي للمناقشة، وهو أيضاً ما يؤكد على أن إصرار الحكومة المصرية على خروج مشروع  القانون بهذا المضمون هو أمر لا يتعلق برغبة الحكومة في “تنظيم” هذا المجال، إنما بإخضاع المنظمات الحقوقية والتنموية لسيطرة أجهزة الدولة التنفيذية وتحديداً الأجهزة الأمنية، وذلك بالمخالفة لنصوص الدستور الذي لم تُفّوت الحكومة المصرية فرصة واحدة لإثبات عدم احترامها لنصوصه.

وفقا لنص المادة 75 من دستور 2014 تنشأ الجمعيات والمؤسسات الأهلية بمجرد الإخطار، وتمارس أنشطتها بحرية ولا يجوز للجهات الإدارية التدخل في شئونها، كما حظر هذا النص الدستوري إنشاء أو استمرار جمعيات أو مؤسسات أهلية يكون نظامها أو نشاطها سريًا أو ذا طابع عسكرى أو شبه عسكرى. إذًا فقد حدد النص الدستوري ما هو مباح وما هو محظور، وهو ما لم تطالب المنظمات الحقوقية الرافضة لمشروع القانون الجديد بأكثر منه. وباعتبار أن التشريعات الأدنى من الدستور يجب أن تأتي متوافقة معه، خاصة في التشريعات المنظمة لممارسة الحقوق والحريات العامة، فإنه لا يجوز أن يتضمن التشريع المنظم للعمل الأهلي المفوض من الدستور بتنظيم الحق في إنشاء المنظمات الأهلية أمراً من ثلاثة.

أولا: الانتقاص من الحق أو الحرية، ويستمد هذا القيد من المفهوم الديمقراطي للحرية، فطالما سمح الدستور بحرية ما فلا يجوز التمتع بها منقوصة ولا بد من التمتع بها كاملة.

ثانياً: إهدار الحق أو الحرية إهدارا تاما بمصادرة الحق أو الحرية. فالدستور حتى ولو أجاز للمشرع تنظيم هذه الطائفة من الحقوق، إلا إنه أيضا أقرها من حيث المبدأ ولا مفر عند التدخل لتنظيمها أن يؤكد التشريع هذا الإقرار الدستوري، ومن ثم لا يستطيع نفيه أو مصادرته.

ثالثاً: فرض قيود عليها على نحو يجعل استخدام الحق أو الحرية شاقا على الأفراد.

بتطبيق هذه المعايير السابقة على مشروع القانون الأخير المطروح من الحكومة، نجد أنه منبت الصلة سواء بنص المادة 75 من الدستور، أو بمفهوم الحق في التنظيم أو الحق في التجمع السلمي باعتبارهما من حقوق الإنسان الأساسية. فالمادة الرابعة من المشروع تحظر القيام بأي نشاط أهلي من خلال أي شكل قانوني آخر غير الجمعيات والمنظمات التي سوف تُشهر أو توفق أوضاعها وفقاً للقانون الجديد، هذه الفلسفة لا علاقة لها بتنظيم ممارسة الحقوق والحريات، فالأصل أن الشكل القانوني لممارسة العمل الأهلي أو الحقوقي هو اختيار لذوي الشأن، ولا يجوز إجبار أي شخص طبيعي أو اعتباري على ممارسة حق دستوري من خلال شكل قانوني معين تفرضه الدولة، بل أن الإندراج تحت مظلة قانون تنظيمي دون آخر يجب أن يكون اختيارياً، وفي ممارسات أخرى تسعى بعض الحكومات لجذب المنظمات الأهلية للخضوع لتنظيم قانوني معين من خلال تضمين امتيازات وتسهيلات عملية داخل القانون، تشجع المنظمات الأهلية على الإندراج تحت القانون وليس بتجريم ممارستها لحق دستوري لمجرد اختيارها للخضوع لقانون آخر كما هو الحال بالنسبة للمشروع المقدم من الحكومة.

توسعت كذلك المادة الحادية عشر من مشروع القانون فيما هو محظور على المنظمات الأهلية، متجاوزة حدود الحظر المنصوص عليها في المادة 75 من الدستور. فقد حظر الدستور العمل السري، والأنشطة العسكرية وشبه العسكرية فقط. أضاف مشروع القانون محظورات جديدة: مخالفة “النظام العام” أو “الآداب العامة” والقيام بأية أنشطة سياسية أو نقابية واجراء بحوث ميدانية أو استطلاعات رأى دون الحصول على موافقة من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. هذه القيود الجديدة التي أضافها مشروع القانون بالمخالفة للدستور يمكنها أن تشمل أي نشاط حقوقي أو تنموي تقوم به المنظمات، نظرا لمرونة تفسير تلك المحظورات غير الدستورية وإساءة تطبيق القانون، وهو ما سوف يؤدي حتماً لمصادرة العمل الأهلي.

أما عن شرط الإخطار المنصوص عليه في الدستور بالنسبة لتأسيس الجمعيات، فيجب أن نتوقف أمامه كثيراً، لنتبين ما هو المقصود بالإخطار وما هو الهدف منه، وكيف يتحول الأمر بموجب مشروع القانون الجديد من مجرد الإخطار إلى “ترخيص” أو “إذن” قد تمنحه الجهة الإدارية لطالبه وقد تمنعه عنه، وشتان الفرق بينهما.

الإخطار وفقاً للتعريف القانوني هو إحاطة جهة الإدارة المختصة علماً بالشروع في ممارسة نشاط مباح قانوناً، أما الهدف من ذلك الإخطار في واقع الأمر هو تمكين الجهة الإدارية وأجهزة الدولة المختلفة، المخولة بتطبيق القانون، من ممارسة رقابتها اللاحقة على أي نشاط غير مشروع قد يُقترف من قبل المتقدم بالإخطار.

بتطبيق ذلك على تأسيس المنظمات الأهلية، فإن الهدف من الإخطار المنصوص عليه في المادة 75 من الدستور، هو أن يثبت لدى الجهة المختصة تأسيس كيان قانوني جديد محدد بإسم وله رقم إشهار يمكن الرجوع إليه لأي سبب، ويمكن محاسبته مستقبلا في حالة مخالفة المحظورات المنصوص عليها في النص الدستوري، إلا أن الإخطار بالتأسيس وفقاً لمشروع القانون يحمل معنى آخر، حيث أن الأمر لا يتوقف عند إحاطة الجهة الإدارية علماً بالتأسيس، بل يمتد لحق الجهة الإدارية في الإمتناع عن قيد المنظمة الأهلية خلال ستين يوماً من الإخطار، وهنا يضع القانون المنظمات تحت رحمة السلطة التنفيذية، ولا يتوقف الأمر عند مرحلة التأسيس، بل يمتد للإخطار بالتعاون مع أي جهات أجنبية حكومية أو غير حكومية، وهذا أيضاً رهن عدم اعتراض الجهة الادارية المُخطرة خلال ستين يوماً من تاريخ الإخطار.

من المعروف أن المنظمات الأهلية تعتمد على تلقي تمويلات سواء من الداخل أو الخارج، وجمع التبرعات لكي تتمكن من القيام بأنشطتها وأداء مهامها، هذه الأموال تخضع بالطبع للمحاسبة الضريبية، فضلا عن خضوعها للحظر المنصوص عليه في الدستور والمتعلق بممارسة أي عمل سري أو عسكري أو شبه عسكري، وهنا لا يوجد فراغ تشريعي، حيث ينظم قانون العقوبات بالفعل صور الإثم الجنائي المتعلقة باستخدام هذه الأموال في القيام بأي فعل غير مشروع أو يجرمه القانون، إلا أن مشروع القانون الجديد لم يكتف بالقيود المفروضة بالفعل على تلقي التمويل لممارسة العمل الأهلي، بل أنشأ ما يسمى “اللجنة التنسيقية” وحظر على المنظمات تلقي أو إرسال تمويل من أو إلى الخارج قبل إخطار هذه اللجنة، التي لها حق الإعتراض على أي مشروع يتطلب تمويلا خارجيا خلال ستين يوماً من تاريخ الإخطار.

بالنظر لتشكيل اللجنة التنسيقية، كما هو وارد بمشروع القانون، يتضح لنا ما هو الدور المنوط بها تحديداً، حيث يتضمن تشكيلها ممثلاً لوزارة الداخلية وآخر لهيئة الأمن القومي، وهذه الجهات الأمنية كما تعلمون قد قادت ـ ولا تزال ـ حملات تشويه واقتحام لمقرات عدد من المنظمات الحقوقية المصرية، فضلا عما ذكره بيان ملتقى منظمات حقوق الإنسان بشأن مشروع القانون، من أن هذه الجهات ارتكبت انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان دون محاسبة مما جعلها موضع انتقاد دائم من المنظمات الحقوقية، وبالتالي فإن وضعها كجهات رقابية على أنشطة المنظمات أقل ما يقال عنه إنه غير جائز.

بالإضافة إلى ذلك، لا تتبنى الجهات الأمنية نفسها أي معيار من معايير الشفافية فيما يتعلق بأنشطتها سواء من ناحية مخصصاتها المالية، أو آليات المحاسبة بداخلها، وهو ما يتناقض مع مشروع القانون الذي يطالب المنظمات الأهلية بنشر تفاصيلها المالية على مواقع التواصل الإجتماعي الخاصة بها، في حين لا يعلم أحد شيئاً عن خبايا هذه الجهات المنوط بها مراقبة النشاط الأهلي، والتي أصبحت فوق المحاسبة وفوق القانون بموجب هذا القانون وبموجب غيره من التشريعات الإستبدادية الأخرى.

يتصور القائمون على الحكم أن التشريعات الإستبدادية كفيلة بحمايتهم من المحاسبة على ما قاموا به من انتهاكات واسعة لحقوق وحريات المصريين، وبإسكات كل من يجرؤ على فضح جرائمهم، إلا أن أساليب الحكم تلك تغفل حقيقة هامة: حتى إذا نجحت الحكومة في حصار المنظمات الحقوقية التي تدافع عن ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، فماذا هي فاعلة بالضحايا أنفسهم؟

اعلان