Define your generation here. Generation What

خريف دولة يوليو

كان واضحًا للغاية أن غالبية المشاركين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة من كبار السن وتحديدًا من أبناء الطبقة الوسطى. تلك القطاعات المحافظة من المجتمع  ربما لم تتابع موازنة العام المالي الجديد، أو النقاشات المستمرة حول إعادة هيكلة الدعم منذ حكومة عصام شرف، فهم ينتظرون عودة الدولة التي تضمن لهم استقرارًا نسبًيا في مستوى المعيشة، وربما يتحملوا منها بعض التراجع عن دورها الإجتماعي، متقبلين منها الأكذوبة المتكررة  “لا مساس بمحدودي الدخل”.

لكن حزمة الاجراءات التي أطلقها نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي، في صيف يوليو 2014، كانت مرحلة مهمة في تغيير نظرة المواطن المحافظ للدولة، فهي لا تكتفي برفع أسعار الوقود ولكنها تخبره بأنها ستحرر الأسعار تمامًا خلال 3 سنوات أو 5 سنوات على الأكثر.

ربما يكون نظام مبارك قد اتخذ خطوات خجولة في مسار رفع أسعار الطاقة، وطرح أفكارًا بديلة للدعم، كالدعم النقدي، ولكن ما أجراه كان تحريك للأسعار فقط، أما الاجراءات الحالية فهي تسعى للوصول إلى سعر السوق فيما يتعلق بأغلب بنود الطاقة، بمعنى آخر إنهاء دور الدولة التاريخي في تثبيت الأسعار من خلال التحكم في أسعار سلع مؤثرة في المنتجات المختلفة مثل المواد البترولية، لذا فلا نبالغ عندما نقول أن تلك الأيام تشهد تغييرًا عميقا في علاقة المواطن العادي بالدولة.

ولكي نفهم هذا الفصل الأخير من علاقة المواطن بالدولة، علينا أن ننظر نظرة شاملة لمرتكزات النظام الإجتماعي في مصر على مدار العقود التالية لتأسيس دولة يوليو في خمسينيات القرن العشرين، فتلك الدولة كانت تعتمد علي ركيزتين أساسيتين لضمان الرفاهة النسبية للطبقة المتوسطة في مصر: الأولى هي التوظيف، من خلال ضمان فرصة عمل لكل متخرج، والثانية هي تثبيت الأسعار من خلال التحكم في أسعار السلع الأساسية واتباع نظام التسعير الجبري لباقي السلع.

كان من الطبيعي أن يتآكل هذا النظام الإجتماعي على مدار الزمن، لأنه يرتكز على التحكم في عنصرين من المستحيل السيطرة عليهما، فمهما تعاظم دور الدولة في الاقتصاد، لن تقدر على استيعاب كل المتخرجين الجدد في المؤسسات التابعة لها، ومن المستحيل كذلك استمرار الدولة في تحمل فرق التكلفة بين سعر السوق وسعر السلع المدعومة، أو تثبيت أسعار السلع بقوة الدولة في ظل سيطرة نظام السوق علي العالم، ولكن هذا النظام الإجتماعي، غير المنطقي، بدا منطقيًا للغاية في سنواته الأولى، حيث كان يحقق شعبية جارفة لنظام سياسي غير ديمقراطي بالمرة.

مع مرور الوقت بدأ نظام دولة يوليو في التداعي، وشهدت سنوات مبارك سقوط إحدى ركائزه، وهي قدرة الدولة على التوظيف، عندما اضطرت الدولة إلى خصخصة القطاع العام والتوقف عن تعيين موظفين جدد في جهازها الحكومي، وكان من المفترض أن تؤسس الدولة لنظام اقتصادي جديد، يضمن تشغيل العمالة من خلال مجالات أخرى، مثل إتاحة التمويل للمشروعات الصغيرة عبر الصندوق الإجتماعي، ولكن الدولة المترهلة لم تنجح في إتاحة هذه البدائل بالشكل الذي يستوعب مشكلة البطالة في مصر.

كما قام نظام مبارك بدور كبير في تقليص دعم الغذاء، ولكن مشكلة أكبر كانت قادمة في الطريق، وهى دعم الطاقة مع ارتفاع مستويات استهلاك الوقود في مصر، وتحول البلاد إلى مستورد صافي للمنتجات البترولية في عام 2006، بمعنى تفوق الواردات على الصادرات، وهى المشكلة التي ظلت الدولة تتجاهلها أو تقترب منها بحذر، حتى قررت بقيادة السيسي أن تندفع بقوة إلى ضرب العمود الثاني لنظامها الإجتماعي.

يأتي إسقاط النظام الإجتماعي القديم لمصر، في لحظة تعجز فيها البدائل عن الخروج للحياة، وما أعنيه بالبدائل ليس نظامًا جديدًا لتثبيت الأسعار، ولكن نظام إجتماعي يضمن للمواطن الحصول على الخدمات الإجتماعية بسعر مناسب لمستوى دخله، بما يغني الدولة عن دعم السلع الأساسية لكل المواطنين مهما كان مستوى معيشتهم، فالمصريون يشترون الخدمات الصحية من السوق (نحو 72% من الإنفاق على الصحة من جيوب المصريين)، والمقتدرون منهم يحصلون على الخدمات التأمينية اللائقة من القطاع الخاص. إذا كان تحرير بعض أسعار السلع ضرورة، فتأميم الخدمات الإجتماعية أيضًا ضرورة قصوى، وهي بالمناسبة مؤممة في العديد من الدول رأسمالية.

النظم الحديثة للتأمينات الإجتماعية والتأمين الصحي تقوم على فكرة إشراك المجتمع بأكمله في منظومتيهما، ثم إعادة تسعير تلك الخدمات وفقًا لمستوى دخول المواطنين، بمعنى دعم تكلفة الخدمات المقدمة للفقراء من اشتراكات الأغنياء، وبذلك تقدم الدولة دعمًا لا يظهر في عجز الموازنة، ولكن الدولة في مصر لم تسارع الخطى فى تأسيس هذين النظامين مثلما أسرعت بالتخلص من دعم الطاقة.

هناك أيضًا الفئات المهمشة التي لا تقدر على الإشتراك في أي نظام اجتماعي، وهي الفئات التي يجب أن يضمن لها المجتمع الحياة الكريمة، لذا طرح بعض الخبراء داخل الحكومة الحالية فكرة تقديم معاشات ضمان إجتماعي وتأمين صحي وتوفير بطاقات تموين للـ 6% الأكثر فقرًا في مصر، وسعت الحكومة إلى الاقتراب من هذا الهدف عبر استهداف مضاعفة عدد المستفيدين من معاشات الضمان إلى 3 مليون مواطن، ولكن في المقابل لا تزال أمام الدولة تحديات كبيرة للوصول إلى المهمشين الذين ليست لهم أي علاقة بالدولة، فهناك من لا يمتلكون بطاقات شخصية، وتنحصر علاقاتهم بالدولة في شراء الخبز المدعوم وركوب الميكروباص المدعوم بشكل غير مباشر من خلال دعم السولار.

لكي تنجح الدولة في طي صفحة نظام يوليو، تحتاج إلى مناخ ديمقراطي لبناء نظام إجتماعي جديد، فالقطاعات المحافظة من المجتمع تتوقع منها الإستمرار في دعمها بنفس الطريقة القديمة، والوصول إلى الأغلبية العظمى من المواطنين واقناعهم بالإفصاح عن دخولهم الحقيقية، والإندماج في نظام إجتماعي جديد يصعب تحقيقه في ظل نظام حكم مركزي وأجواء بوليسية، لذا فالحريات وإخضاع الحكومة للمساءلة الشعبية هما الضمانتين الحقيقيتين لكي لا تكون عملية إعادة هيكلة الدعم الحالية مجرد هدم للركيزة الثانية لنظام يوليو الإجتماعي.

اعلان