Define your generation here. Generation What

أحمد مراد ومدرسة «الإستهبال الأدبي»

عزيزي الكاتب أحمد مراد..

مع أول صفحة من رواية 1919، شعرت بالغضب يتصاعد إلى رأسي، وظننت أن الوضع قد يتحسن مع تطور الأحداث، ولكن بعد أن انتهيت من آخر صفحة أطلقت سبة بصوتٍ عالِ، استاء منها كل من كانوا يجلسون بجانبي في الطائرة العائدة من الخرطوم، ولكن أنا متأكد أنهم كانوا سيعذروني لو عرفوا السبب.

أستاذ مراد، أنت كاتب شاب وواعد، وتميزت في كتابة نوع خاص من الروايات، اجتذبت العديد من شباب هذا الجيل لما تحمله الروايات من غموض وإثارة وبعض الماورائيات. حتى الآن أحاول أن أفهم لماذا قررت فجأة أن تغير ما كان يميزك، وقررت أن تكتب رواية تاريخية.

الرواية التاريخية ليست عيب، ولكن بالنسبة لشخص مثلي قرأ كل ما هو نجيب محفوظ ويوسف السباعي ويوسف إدريس ويحيى حقي وإحسان عبدالقدوس، عندما اقرأ رواية مثل 1919، يطل سؤال ملح من رأسي يقول: انت ليه بتعمل كده؟

لا أعلم هل اعتمدت في كتابتك لهذه الرواية على جهل هذا الجيل بكتابات جيل نجيب محفوظ؟ أم انت نفسك لم تسمح لك الظروف أن تقرأ كتابات هذا الجيل؟ بصراحة لا أجد تفسير.

يا عزيزي، عندما تقرر كتابة رواية تدور أحداثها في العقد الثاني من القرن العشرين، في عوالم مثل بيوت الدعارة ومعسكرات الإنجليز وفتوات الحارة وسرايات الباشوات، متجاهلًا أطنان من الروايات التي تناولت هذه الأماكن، بنفس الأحداث ونفس الشخصيات، مع الفارق طبعا أن الكاتب هو شخص مثل نجيب محفوظ مثلًا، فأنا بصراحة لا أجد تعليقًا سوى أن ما تكتبه يا عزيزي هو أجود أنواع الإستهبال الأدبي.

حتى الآن لا أصدق أنك مثلا قمت بإعادة كتابة مشهد ثورة 1919 من جديد، متجاهلًا أنه من أشهر المشاهد الأدبية في تاريخ الأدب المصري في ثلاثية نجيب محفوظ. ماذا عمن لم يقرأوا الرواية ولكنهم شاهدوا الفيلم، ألم تتوقع أن تتم المقارنة مثلا؟ كيف لم يخطر على بالك أنك تتحدى أكبر كاتب في تاريخ مصر الحديث؟ ولو خطر على بالك، هل يمكن أن تفسر لنا ما هي دوافعك للقيام بمثل هذا الفعل؟

أما عن باقي أماكن وعوالم الرواية، في البداية قلت بيوت الدعارة، وهو يمكن أن يكون تشابه غير مقصود، فهو عالم مثير وغزير. ولكنك لم تقدم أي جديد في هذا العالم. شخصية مثل «بنبة العايقة» مثلًا، هي تكرار كربوني لشخصيات خلقها محفوظ والسباعي، فهي شخصية صاحبة بيت الدعارة كما يتخيلها كل من قرأ أو شاهد بعض الروايات والأفلام المصرية، مثل “نحن لا نزرع الشوك”، “درب الهوى”، “شوارع من نار”، والعديد غيرهم. وفي حالة أنك استخدمت هذه الشخصيات النمطية عن قصد ودراية، فعلى الأقل كنت قدمت عمقًا دراميًا أو بعدًا جديدًا لها، ولكنك لم تفعل.

ثم انتقلت بنا من عالم بيوت الدعارة ووش البركة والأماكن التي عشنا فيها كثيرا في روايات محفوظ والسباعي وإدريس إلى عالم معسكرات الإنجليز. كنت أنتظر منك أن تستخدم مصطلح “القرنص” وهو الاسم الذي كان يطلق على معسكرات الإنجليز كما أخبرنا نجيب محفوظ، ولكنك لم تستخدمه لسبب ما. نفس الإحساس ينتابني مرة أخرى أنني عشت هذه المشاهد في رواية أخرى، في الأغلب هي رواية “ميرامار” لنجيب محفوظ. نفس التنميط الكلاسيكي للعسكري الإنجليزي “جوني” وكأنك في مشهد ست كوم كوميدي يسخر من هذه الحقبة من تاريخ مصر. يبدو أنك لم تدرك أن أي محاولة لإعادة تدوير شخصية “جوني”، لن تخرج عن إطار السخرية من كثرة ما تم تناول هذه الشخصية.

ثم تستمر في إبهاري بالانتقال إلى عالم فتوات الحارة في شخصية شحاتة الجن وابنه عبد القادر، وحكايته مع خليل بطيخة الفتوة الأسبق، متناسيًا تمامًا اختراع اسمه “ملحمة الحرافيش”. يعني بجد بجد..كيف سولت لك نفسك؟.. ألا تعلم أن ملحمة الحرافيش من الشهرة في الثقافة المصرية لدرجة أن أي محاولة لإعادة كتابتها، تعد إما جريمة أو نكتة بائخة.

ثم تنتقل بنا إلى العالم السري للمقاومة ضد الإنجليز وقتل العسكري الإنجليزي وطبع المنشورات، من خلال شخصية أحمد، بغض النظر عن أنها مبنية على شخصية حقيقية، والتي هي خليط متماسك بين شخصيتي فهمي وكمال في ثلاثية نجيب محفوظ. للأمانة فالتشابه مع كمال في قصة الحب مع بنت الباشا فقط. ولا ننسى أيضا التشابه بينه وبين شخصية إبراهيم في رواية “في بيتنا رجل” لإحسان عبدالقدوس. إعادة تدوير شخصيات أدبية شهيرة ليس بخطية، ولكن أن تفشل في تقديم أي قيمة جديدة، فهذه تعد من الكبائر. حاولت أن أجد أي عنصر جديد في شخصية أحمد ولكني فشلت تمامًا. ربما الشيء الوحيد الإيجابي في الشخصية، هي أنها إعادة إحياء لذكرى شخصية حقيقية سقطت من ذاكرة الأمة.

هناك شخصيات حاولت أن تخلق لها عمق وخلفية مبتكرة، مثل شخصية ورد السورية ذات الأصول الأرمنية. ولكن ظهرت الشخصية غريبة غير متناسقة مع الأحداث، بل إنك أيضا حاولت أن تجعلها تتحدث بلهجة سورية، فظهرت مثل ممثل مصري يحاول أن يؤدي دور سوري بلهجة شامية مفتعلة و مكسورة.

أما بالنسبة لشخصية الملكة نازلي، والتي أظهرتها في شبابها شابة ذكية ووطنية، وفي النهاية ذكرت أنها فقدت رشدها تماما، روايتك لم تقدم أي تفسير محترم للتغيير في شخصيتها، على الأقل كنت قدمت جزء يحتسب لك أنه لم يتم دهسه في عشرات الأعمال الأدبية من قبل. لن أتحدث عن الشخصيات الأخرى التي حدث لها تحولات جذرية غير مبررة، مثل شخصية ياسين، الذي بدأ الرواية بشخصية مكسورة مدمَرة ولكن في نهاية الرواية ينتفض فجأة ليقوم بجريمة لا تتوافق مع حالته النفسية إطلاقًا.

للأسف يا عزيزي الكاتب الشاب، كل شخصيات الرواية “كليشيه” بشكل مستفز، وكأني أشاهد شخصيات في مسلسل رمضاني من الدرجة الثالثة.

أما المعلومات التاريخية، فواضح جدًا أن مصدرها كتاب التاريخ للصف الخامس الابتدائي. لم تبذل أي مجهود، حتى أن تضيف رؤيتك الشخصية أو تحليلك أو حتى بعض من الفتي الأدبي. سطحية رهيبة في تناول الأحداث التاريخية، ومعظمها مختلف عليه حتى الآن. ده احنا مختلفين على أحداث الثورة اللي حصلت من ثلاثة سنوات، وأنت تتحدث عن ثورة 1919 بثقة ويقين يحسدك عليه من وضع منهج التاريخ في الشهادة الابتدائية نفسه. ربما جال بخاطرك مثلًا وأنت تفجعنا بخبر أن سعد زغلول كان مدمن قمار، أننا سوف ننهار نفسيا ونصدم في رمز الأمة؟ لا أعلم.

لن أتحدث عن السرد الركيك واللغة الضعيفة، خاصة وأن الرواية في مجملها، بالنسبة لي، هي تحدي منك لموهبة نجيب محفوظ. أنت حاولت أن تجعل الحوار يجري بين الشخصيات بالعامية، مما جعله يبدو مصطنعا، وكأن المتحدث مصري في الوقت الحالي يحاول أن يتحدث مثل الأفلام القديمة، وخاصة في الحوار بين أحمد و نازلي.

أشهد لك أنك خلقت درجة من الإثارة في الأحداث، والتي لم تمنع العديد من لحظات الملل، مما دفع القراء للاستمرار في القراءة. لا يسعني سوى أن أضيف صوتي للدكتور جلال أمين، عندما تسائل في نقده الأدبي للرواية وقال: “هل الرواية تحقق إذن هدفا آخر غير التسلية؟”.

لا أتهمك بالسرقة ولا حتى الاقتباس، ولكن.. يا إما أنت متهم بالجهل، يا إما بالاستخفاف بعقول القراء، يا إما هو مجرد إستهبال أدبي.

من أخوك المحروق دمه، وكان لسه ما فاقش من صدمة نهاية رواية “الفيل الأزرق”، فجيت أنت كملت عليه.

اعلان