تحضير روح الجنرال مارشال

شتاء 1947، بعد نحو عامين على هزيمة الفاشية، يقف الرئيس الأمريكي هاري ترومان أمام الكونجرس، ليلقي خطابًا عن حاجة تركيا واليونان لمساعدات بـ400 مليون دولار، عجزت إنجلترا عن آدائها بسبب ظروفها الاقتصادية في هذا الوقت، يبرر ترومان تلك المساعدات بأنها جزء من واجب أمريكا بمساندة “الشعوب الحرة” في مقاومة الضغوط الخارجية، والواقع أن الدولارات الأمريكية كانت تخوض حربًا شرسة مع الدعايا الشيوعية، التي بدأ يتنامى وجودها بشكل ملحوظ في قلب أوروبا، وتؤسس لنظرية جديدة في الصراع على النفوذ الدولي، تعرف حاليا بـ ” نظرية ترومان “.

في يونيو من العام نفسه، قام جنرال أمريكي نتداول اسمه كثيرًا هذه الأيام، جورج مارشال، بزيارة إلي أوروبا وعاد لبلاده بخطة مساندة اقتصادية تعيد بناء اقتصاد القارة الحليفة بعد الحرب العالمية الثانية، وتهدىء من حالة الاحتقان الإجتماعي التي كان اليسار يستغلها لبناء دعايته السياسية في هذا الوقت، بلغت قيمة المساعدات 17 مليار دولار، وبدا النواب الأمريكيين في حالة تردد لقبولها، ولكن وقوع تشيكوسلوفاكيا في يد الشيوعيين حسم هذا التردد.

بعد الربيع العربي، تم استدعاء اسم الجنرال الأمريكي بشكل واضح في الحديث عن مستقبل الاقتصاد المصري، فقد استدعى اسمه مسؤولون غربيون، كوزير خارجية إيطاليا الذي كتب مقالا في عام الثورة، عن حاجة مصر لخطة مماثلة لخطة الجنرال الأمريكي.

وبعد تحولات 30 يونيو تحدث نائب رئيس الوزراء المصري آنذاك، زياد بهاء الدين، عن “خطة مارشال” ستقوم الحكومة بتسويقها لدى دول الخليج.

والواقع أن اسم مارشال يتم استدعاؤه في سياق من الإرتياح لفكرة التدخل الدولي لصياغة الواقع الإقتصادي والإجتماعي لمصر بعد الثورة، مع تجاهل واضح لما تساهم فيه تلك المساعدات من رسم خريطة النفوذ الأجنبي في مصر، فلا توجد مساعدة مجانية.

لم تساهم خطة مارشال، الأصلية، فقط في دحر النفوذ الشيوعي عن أوروبا، ولكنها كانت أيضًا من أهم عوامل إنعاش الاقتصاد الأمريكي في هذا الوقت، يكفي أن نذكر أن 70% من أموال المساعدات الأمريكية ذهبت إلى شراء سلع أمريكية.

وتظهر المصالح بشكل واضح في خطط جنرالات المساعدات الجدد أيضًا، فقد كشف الصحفي الاقتصادي البارز وائل جمال، عن إنه في عهد مرسي وقعت مصر اتفاق قرض مع تركيا، يشترط على الحكومة منح الشركات التركية امتيازات في المناقصات الحكومية.

أما التمويل السخي من الإمارات والسعودية بعد 30 يونيو، فلم تعلن أي شروط تتعلق به حتى الآن، ولكن بالتزامن مع تدفق المليارات الخليجية تم الإعلان عن اتفاق الهيئة الهندسية للقوات المسلحة مع «ارابتك» الإماراتية، على إنشاء مليون وحدة سكنية على ملايين الأمتار من الأراضي التي ستمنح للمشروع مجانا.

ومع مرور الوقت بدأ يتكشف تدخل الخليجيين في صياغة السياسات الاقتصادية لمصر، فقد كتبت دينا عزت، الصحفية الإستقصائية البارزة في صحيفة الشروق المصرية، تقريرًا في نوفمبر 2013 عن مساعي الإماراتيين للإعتماد على مكاتب استشارية دولية، لإعداد خطة لإعادة هيكلة الاقتصاد المصري، وهو ما أكدته وكالة رويترز في تحقيق مطول نشرته في الشهر الجاري.

اعتقد أنه لم يتحدد بعد بشكل نهائي من هي الأطراف الدولية التي ستشارك في خطة مارشال المصرية، فالخليج قدم منحا ومساعدات بعد 30 يونيو، ثم بدأ يتحدث عن عدم إستدامة هذا الوضع، وضرورة إستبدال المساعدات بالإستثمارات.

دعى ملك السعودية بالفعل إلى مؤتمر دولي، من المنتظر أن تقدم فيه مصر قائمة بالمشروعات العامة التي تحتاج أن يضخ المستثمرون الدوليون أموالهم فيها لإحداث التنمية المطلوبة، وتلك المشروعات على الأرجح ستكون مستوحاة من البرنامج الإنتخابي للسيسي، الذي تبنى حزمة ضخمة من استثمارات البنية الأساسية، و يبقى السؤال الأهم: من سيستثمر في تلك المشروعات، وما هو انعكاس ذلك على حياة المصريين؟

لكي نستطيع أن نجيب على هذه التساؤلات، علينا أولا أن نلتفت لبعض الحقائق، الأولى: أن مصر تعاني من ضعف الاستثمارات في البنية الأساسية، حيث ترصد دراسة للبنك الدولي أن الاستثمار في البنية الأساسية بمصر كان قويًا لمدة خمسة عقود، ثم اتجه للإنخفاض خاصة في مجالي النقل والطاقة.

الحقيقة الثانية: هى أن الدولة كانت تطرح، من قبل قيام الثورة في ٢٠١١، دخول القطاع الخاص في المشروعات العامة، ومن أبرز مجالات دخول الشركات في هذا النوع من الاستثمارات، هو نظام المشاركة بين القطاعين العام والخاص الذي أسست الدولة وحدة بوزارة المالية لتطبيقه. الفكرة أن الشركات الخاصة تدخل لبناء المدارس والطرق وغيرها من الخدمات العامة، والدولة تسدد تكاليف تلك المشروعات على أقساط طويلة، على أن تعود ملكية المشروعات للدولة بعد سداد التزاماتها، هذا النظام لا يلغي التزام الدولة الإجتماعي بدعم الخدمات العامة لغير القادرين، ولكن من الممكن أن تنحاز الحكومة لمصالح القطاع الخاص في التعاقد المبرم معه، إذا لم تكن خاضعة للمساءلة الشعبية الكافية، كما أن حاجة الدولة إلى جعل الخدمات العامة مربحة بقدر الإمكان لجذب الاستثمارات الخاصة إليها، تدفعها إلى مسار تحرير أسعار تلك الخدمات.  

الحقيقة الثالثة: أن البرنامج الإنتخابي لعبدالفتاح السيسي، تحدث صراحة عن أهمية دخول الاستثمارات الخاصة في الخدمات العامة، فقد أشار إلى ذلك مثلًا عند حديثه في مجال الطاقة عن إنه “على ضوء الاستثمارات الهائلة المطلوبة والتحديات الكبيرة التي تتطلب توفيرها، يتعين تحفيز استثمارات القطاع الخاص المحلي والأجنبي في مجال توليد الطاقة الكهربية، بل ومجالات نقل وتوزيع الطاقة”. ثم أتبع ذلك بحديثه عن “التوجه الفوري لإعادة هيكلة تسعير الطاقة الكهربية اقتصادياً مع عدم إغفال البعد الإجتماعي “.

وفي مجال الصحة أيضًا تحدث البرنامج عن “الفصل التام بين تمويل العلاج وجهات تقديم الخدمة، وذلك بأن يكون العلاج بمقابل تتحمله الدولة عمن تكفلت بعلاجهم وذلك لتحفيز الإستثمار فى المنشآت العلاجية”.

وقد كشفت وزارة المالية بالفعل في بيان أخير لها، عن مشروع ضخم لبناء 1000 مدرسة بالمشاركة مع القطاع الخاص.

فكل هذا يشير إلى التدخل المنتظر للقطاع الخاص في الاستثمار في مشاريع البنية الأساسية كشريك للدولة، التي تدعي أنها لن تغفل “البعد الاجتماعي” في هذه الشراكة، وذلك عن طريق تحملها- أى الدولة – هذا “العبء الاجتماعي”، ولكن المعضلة هي أن الدولة قد يكون عليها ضغوط لتحرير الأسعار لكي تصبح تلك الشراكة مجدية للقطاع الخاص، ونعلم جميعاً تداعيات تحريك الأسعار على حياة المصريين وخصوصاً مع ضعف آليات مساءلة الحكومة في ظل المناخ السياسي الحالي.  

ومن جهة أخرى، علينا أن ننظر بحذر للنفوذ الخليجي في الأيام القادمة، خاصة إذا تلقينا مساعدات في العام المالي الجديد، بنفس الكم الضخم الذي تلقيناه في العام المالي المنتهي في يونيو، الذي كان بنحو 18 مليار دولار، فلا توجد أموال مجانية، وإذا كنا ننتظر من مؤتمر المانحين الدوليين، الذي أعلن عنه ملك السعودية، توفير استثمارات عربية تسد عجز الدولة فى توفير التمويل للمشروعات العامة، فمن المهم أن نسأل عن الشروط والامتيازات التي مُنحت على أساسها هذه المشروعات.

لا شك أن النظام الاجتماعي في مصر يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة، ولكن العقد الاجتماعي الجديد، لا يكتب في الغرف المغلقة بين الحكومة والشركات الدولية.

اعلان