Define your generation here. Generation What
سجن مصر الخفي: «المختفون» يواجهون التعذيب في سجن العزولي العسكري
 
 

ترجمة لمقال الجارديان المنشور يوم الأحد 22 يونيو 2014.

بحسب مقابلات أجرتها جريدة الجارديان مع معتقلين سابقين ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان وعائلات أشخاص مفقودين، فإن المئات من المصريين “المختفين” يتعرضون للتعذيب، ويحتجزون في أماكن لا تخضع للإشراف القضائي في سجن عسكري سري.

منذ نهاية شهر يوليو 2013 على الأقل، نُقل عدد من المعتقلين إلى هناك وهم معصوبي العيون ومختفين قسريا، ولا زال حوالي 400 معتقل يتعرضون للتعذيب ومحتجزين في غياب أي إشراف قضائي، في مثال واضح على الانتهاكات واسعة الانتشار التي اتفقت منظمة العفو وهيومان رايتس ووتش على وصفها بـ”القمع غير المسبوق في تاريخ مصر الحديث“.

في سجن العزولي يتعرض المحتجزون باستمرار للصعق الكهربائي والضرب والتعليق عراة لساعات من أيديهم المقيدة، إلى أن يقروا بمعلومات محددة، ويحفظوا الإعترافات عن ظهر قلب، أو إلى أن يرى المحققون أنهم أصبحوا بلا فائدة، مثلما حدث مع مجموعة صغيرة من المعتقلين السابقين الذين أخلى سبيلهم.

المعتقلون في سجن العزولي هم من ضمن 16 ألف معتقل سياسى على الأقل، ألقي القبض عليهم منذ تغيير النظام في الصيف الماضي. ولكن وجه الاختلاف في حالة معتقلي العزولي، أنهم محتجزون خارج إطار النظام القانوني المصري، وفي ظروف تسمح لسجانيهم بالتصرف بدون خوف من محاسبة أو عواقب، حتى لو كانت تلك لا تعدو كونها نظرية.

“رسميًا.. أنت غير موجود”، يقول أيمن، رجل فى منتصف العمر، نقل إلى سجن العزولي في أواخر عام ،2013 وواحد من القلائل الذين أخلى سبيلهم فيما بعد، ويضيف: “إنه ليس كالسجون العادية. لا توجد أي سجلات تثبت أنك هناك. إذا مت في العزولي فإن أحدًا لن يعلم”.

لا يمكن للمدنيين أن يروا سجن العزولي. فهو في داخل معسكر عسكري ضخم – المقر المترامي الأطراف للجيش الثاني الميدانى في الإسماعيلية، المدينة التي تقع على بعد 62 ميل شمال شرق القاهرة. ومع ذلك هناك المئات الذين يعرفون جيدا عن الدور الثالث والأخير في المبنى، حيث يحتجز المعتقلون في زنازين مكتظة.

سجن العزولي في قاعدة الجلاء العسكرية في مصر

 

بحسب ثلاثة معتقلين سابقين تمت مقابلتهم منفردين، يمثل السلفيون غالبية المعتقلين في سجن العزولي، بسبب الاشتباه في اشتراكهم أو امتلاكهم معلومات عن موجة من الهجمات المتطرفة، التي بدأت بعد الفض العنيف للاعتصامات المؤيدة لمحمد مرسي في أغسطس 2013. معظمهم من شمال شبه جزيرة سيناء، مركز الإنتفاضة الجهادية، لكن هناك أيضا محتجزون من كافة أنحاء مصر.

قلة منهم مشكوك في عضويتهم في جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، والبعض الآخر كان مشاركا في الاحتجاجات الطلابية، والقليل منهم لم تكن له علاقة بالحركات الإسلامية، ورجح من قاموا بالمقابلة أنهم اعتُقلوا عشوائيا. وقد اتفق الثلاثة على وجود طفل واحد على الأقل معتقل، كما أشار اثنان منهم لوجود صحفي بين المعتقلين.

وقد شبه الثلاثة الذين أجريت معهم المقابلة عملية القبض عليهم برحلة الصيد، حيث ألقي القبض عليهم بأدلة ضعيفة ثم تعرضوا للتعذيب لإجبارهم على الاعتراف بأي معلومات تبرر احتجازهم.

يقول محمد المسيري، باحث منظمة العفو الدولية في مصر، الذي قاد بحثا شاملا عن سجن العزولي: “المسألة هي إن الكثيرين من المحتجزين في العزولي ألقي القبض عليهم عشوائيا أو بناء على أدلة ضعيفة للغاية، ثم استخدمت الإستخبارات التعذيب لمعرفة ما إذا كانوا فعلا مشاركين في العنف”.

في حالة خالد، وهو ناشط شاب، بدأ التعذيب قبل وصوله إلى العزولي. حيث يقول أنه كان يمارس عمله اليومي حين ألقي القبض عليه، وأنه تعرض للضرب والصعق بالكهرباء بواسطة جنود وأفراد من الشرطة العسكرية، في فضاء محاط بالأسوار لعدة ساعات قبل أن ينقل إلى العزولي.

“لقد استخدموا آلتين للصعق الكهربائي”، قال خالد، وأضاف: “جاءوا بفوطة وسكبوا عليها ماء ثم وضعوها على وجهي لكي أتوقف عن النفس. وطوال الوقت كان أفراد الشرطة العسكرية يضربوني”. ويستكمل: “بعد أربع ساعات كانت ملابسى تمزقت، وكان وجهي متورما، وعيناي مغلقتان، وأصبت بجرح في فكي، كان عميقًا بحيث تمكن الجندي من وضع أصبعه بداخله”.

يقول خالد أنه في طريقه إلى العزولي داخل سيارة عسكرية، كان محشورا أسفل مقعد السيارة، ويداه مقيدتان خلفه – وهو وضع يتسبب في ألم شديد وطويل المدى، وبحسب تعبيره، كان ذلك الألم أسوأ من أي شيء آخر تعرض له في الشهور التالية.

ويضيف، أنه في العزولي وضع فورًا في زنزانة في الدور الثالث، حيث يحتجز أغلب السجناء المفقودين.

كما ذكر شخصان أخران أنهما تعرضا للضرب عند وصولهما بواسطة “لجنة استقبال” من الجنود، وهي خبرة تكرر ذكرها من المحتجزين في السجون المدنية.

يقول السجين السابق أيمن، وهو رجل في منتصف العمر: “حين وصلنا إلى السجن عصبوا عيوننا، وأخذوا منا متعلقاتنا والأحزمة وكل ما يشابه الحبال، والأدوية أيضا. وبعد ذلك بدأوا الضرب. أوقفونا صفا بمحاذاة الحائط وضربونا بالعصي والمواسير واللكمات. استمر ذلك لعشرة دقائق”.

“بعد ذلك أوقفونا فى صف،  وفى أثناء سيرنا نحو الدور الثالث كانوا يضربونا. في ممر الدور الثالث رفعوا عصابة العيون مرة أخرى وبدأوا في ضربنا. حارس الدور الثالث، واسمه جاد، كان يهددنا: إذا نظر أحدكم من الشباك، إذا صدر عن أحدكم أي صوت، سوف نضربكم. ثم استمروا في ضربنا باللكمات في وجوهنا لفترة. وبعد الإنتهاء من الضرب وضعونا في الزنزانة”.

الدور الأول والثاني من السجن كانا يستخدمان في حجز الجنود المحولين للمحاكم العسكرية. ولكن منذ يوليو 2013 كان المعتقلون السياسيون يحتجزون في الدور الثالث، أغلبهم في حوالي اثنتا عشرة زنزانة، كل واحدة منها تضم ما بين 23 و28 سجين.

يمكن للدور الثالث أن يضم أكثر من 300 سجين في وقت واحد، لكن الأرجح أن عدد المحتجزين أعلى من ذلك حيث يغادر البعض ويأتي آخرون مكانهم.

تعتقد منظمة العفو الدولية أن حوالي 20 سجين تم الإفراج عنهم تماما. كذلك يقول المحامون أن آخرين “ظهروا مرة أخرى” في سجون مدنية، متهمين بتهم الإرهاب، بالإستناد إلى اعترافات انتزعت منهم بعد التعذيب والتحقيق.

التحقيق والتعذيب المنهجي لمحتجزي سجن العزولي يتم في مبنى منفصل – معروف بإسم س1- يبعد بضع دقائق بالسيارة عن السجن. حوالي 10 محتجزين ينقلون إلى هناك في منتصف كل يوم. عندما ينادى على أسمائهم يخرجون من زنازينهم ليقوموا بتعصيب عيونهم بأنفسهم ويقفون صفا. عند هذه النقطة قال كل واحد من الناجين أنهم يتعرضون للضرب ثم يتم اقتيادهم إلى أسفل، حيث يُدفعون ضربا لركوب ميني باص. ثم يُنقلون فى رحلة قصيرة إلى س1، حيث يقادون عبر سلم خشبي إلى الدور الأول وهناك ينتظر المحتجزون، وهم معصوبو الأعين، إلى أن ينادى عليهم، واحدًا تلو الآخر، إلى غرفة مجاورة.

حين نودي على خالد لأول مرة، في أول يوم كامل له في العزولي، يتذكر الصوت المخيف لضابط يشعل ويطفئ ولاعته بشكل متكرر لعدة دقائق، قبل أن يبدأ سلسلة من الأسئلة حول تنظيم الاحتجاجات.

“عندئذ بدأ التعذيب” يتذكر خالد. “بدأ بصدمات كهربائية في كل مكان من جسدي. ثم نادى الضابط على أفراد الشرطة العسكرية وقال لهم: اخلعوا ملابسه. أخذوني إلى خارج الغرفة. خلعت كل ملابسي ما عدا البوكسر. قالوا: تعرى تماما. رفضت. قال الضابط: أدخلوه”.

يستكمل: “بدأت أعطيه أسماء. شعر بأنني كذبت، فأمر الجنود بتعريتى تماما. الصدمات الكهربائية كانت في كل مكان في جسدي، خاصة في أكثر الأماكن حساسية، شفتاي، الأماكن ذات الأعصاب، خلف الأذن والشفايف، وتحت الإبط”.

بعد الصعق الكهربائي قيدت يدا خالد وراء ظهره. ويقول أنه بعد ذلك تم تعليقه عاريا، بواسطة ربط القيد فى إطار الشباك – وهي طريقة تعذيب معروفة باسم طريقة بالانجو، وتتسبب في ألم رهيب في الأكتاف والمعصمين. بعد مرور ساعتين ونصف تم إنزاله وإعادته إلى الزنزانة.

تكررت الخبرة نفسها في رواية معتقلين سابقين، إلا أن أحدهم قال أنه قُيد في وضع مختلف؛ والآخر – صلاح، رجل في العشرينات – قال أنهم سمحوا له بالإحتفاظ  بملابسه أثناء صعقه بالكهرباء.

يقول صلاح: “سألني الضابط إن كنت أعرف أشخاص بعينهم من قائمة أسماء. لو أنني قلت لا لصعقني بالكهرباء. ولكن إجاباتي كانت طبعا بالنفي، لأنني لا أبقى كثيرا في مدينتي. فقام بصعقي بالكهرباء”.

يستكمل: “الكهرباء كانت من فوق الملابس، لكنها كانت على الخصيتين. كنت جالسا على الأرض، مقيد اليدين. وكان هو جالسا على منضدة صغيرة وكان يمد يده ليصعقني بالكهرباء في الخصيتين”.

لا يستطيع الضحايا التأكد من هوية من يقوم بتعذيبهم. لكن الثلاثة يعتقدون أن التحقيقات كان يقودها ضباط من المخابرات الحربية – الجناح العسكري الذي كان يرأسه عبد الفتاح السيسي، رئيس مصر الجديد، حتى عام 2012 ـ بمشاركة من البوليس السري، المعروف في مصر بإسم أمن الدولة.

واحد ممن تمت مقابلتهم قال أنه نقل إلى العزولي بواسطة أمن الدولة، الذى سلمه إلى الجيش.

بحسب أحمد حلمي، وهو محامي يمثل المحتجزين السابقين بسجن العزولي، فإن العديد من المعتقلين يتعرضون للتعذيب بواسطة المخابرات الحربية إلى أن يحفظوا اعترافات محددة بشأن أعمال إرهابية. بعد ذلك يتم نقلهم إلى مكاتب أمن الدولة حيث يطلب منهم أن يكرروا تلك الاعترافات أمام النيابة. وقد أكد معتقلون آخرون في سجون مدنية أنهم التقوا محتجزي العزولي في هذه المرحلة من الإعتقال.

 إذا كرروا الاعترافات المحفوظة بشكل صحيح، يعود سجناء العزولي إلى “الظهور” في سجن مدني، حيث التعذيب أقل منهجية وحيث يسمح لهم بزيارات من محاميهم وأقاربهم. ولكن، يقول حلمي: “إذا لم يعترفوا بما يريده أمن الدولة بالضبط، يرسلون مرة أخرى إلى العزولي لمزيد من التعذيب”.

يمثل حلمي بعض المعتقلين الذين يقول أنهم نقلوا من العزولي إلى سجون مدنية. ويقول أن بعضهم قد يكون اقترف جزءا من الجرائم التي اعترفوا بها، ولكن لا يمكن التأكد من ذلك بسبب الطريقة التي انتزعت بها تلك الاعترافات منهم.

“لا يمكنك أن تعرف ما إذا كان هؤلاء الأفراد قد اقترفوا تلك الجرائم أم لا” يقول حلمي، ويضيف: “تحت وطأة التعذيب يمكنك الاعتراف بأي شيء. من الواضح أن بعضهم يعترفون بأشياء بسبب التعذيب”.

والدة معتقل سابق في العزولي – تم نقله الآن إلى سجن مدني – تقول أن ابنها، عمر، تحمل أربعة أيام من التعذيب وثلاث رحلات إلى النيابة قبل أن يوافق على ترديد الاعتراف الذى أُكره عليه. وتقول أم عمر أنها خافت من كونه قد مات، لأن أى من مؤسسات الدولة لم تكشف عن مكان تواجده طوال فترة اعتقاله في العزولي. وأنها لم تجد عمر مرة أخرى سوى حين ظهر في سجن رسمي بعد أسابيع.

“كان الجلد فوق أنفه مسلوخا حتى العظم”، تتذكر والدته لقائهم خلال زيارة داخل سجنه الثانى، وتستكمل: “كان هناك جرح بعمق عقلة الأصبع في رقبته، نتيجة ضربه بعصا معدنية. وكان هناك جرحان كبيران على معصميه نتيجة التعليق”.

“صعقوه بالكهرباء في خصيتيه. وقال أنهم هددوه بالإغتصاب، وأنهم كان يعلقوه عاريا، وكان يُمنع من الذهاب إلى دورة المياه لستة أيام، وظل معصوب العينين لمدة عشرة أيام”.

“سألني إن كان أحد قد جاء لزيارتنا، لأنهم هددوه بأنهم سيلقون القبض على أقاربه من النساء، ويغتصبونهن ويصورون الإغتصاب، ثم يعرضون عليه هذه الفيديوهات”.

المعتقلون الثلاثة السابقون الذين قابلتهم الجارديان مباشرة، قالوا أنهم لم يتعرضوا للتعذيب في س1 بنفس عدد المرات التي تعرض لها عمر. مع الوقت بدا وكان الضباط بدأوا يفقدون الاهتمام بهم، ما قد يفسر إخلاء سبيلهم لاحقا.

تلخيصا للفرق بين العزولي والسجون المدنية ذات السمعة السيئة، مثل سجن العقرب بالقاهرة، يقول حلمي: “العقرب سجن رسمي، مرئي وتحت إشراف النيابة. لكن العزولي منطقة عسكرية، وأي مدنيين ممنوعين من دخولها”. ويضيف: “حين نطلب من النيابة العامة التحقيق بشأن المحتجزين في العزولي، تقول لنا أنها لا تملك صلاحية الذهاب إلى هناك. هو إذا مكان يسمح للمخابرات الحربية أن تأخذ ما تحتاج إليه من وقت وأن تعذب الأفراد بدون أي رقابة”.

في العزولي لا يملك السجناء المعرضون للتعذيب المنهجي ولو حتى احتمالا نظريا للإنصاف القانوني.

“هذا يعطيك فكرة عن الثقة التي تتعامل بها قوات الأمن اليوم”، يقول المسيري من العفو الدولية، ويضيف: “إنهم لا يأبهون بحكم القانون. إنهم يحتجزون الأفراد لأكثر من 90 يوما ويعرضونهم للتعذيب المستمر بدون أي رقابة قضائية. هذه الممارسات تشكل ضربة قاصمة لحقوق المعتقلين التي نص عليها القانون المصري والدولي”.

خالد، أحد الناجين الثلاثة، يلخص الأمر: “حياتك هناك مثل الحياة في قبر. لا أحد يعلم شيئا عن مكان تواجدك”.

أحد القيادات العسكرية العليا اعترف بوجود سجن العزولي، لكنه لم يستجب لفترة أسبوعين لبعض الادعاءات المكتوبة المحددة، ورفض طلبا بزيارة السجن.

* ساهم في التقرير مانو عبده.
* كل أسماء المعتقلين تم تغييرها.

اعلان
 
 
باتريك كينجسلى