Define your generation here. Generation What

وكان فرعون طيبًا

“يستطيع جميع الرجال الوقوف في مواجهة الشدائد، لكنّ إن أردت أن تختبر معدن الرجُل، أعطهِ السلطة”.

إبراهام لنكولن

***

يحكي لنا حسن كمال، في مجموعته القصصية “وكان فرعون طيبًا”، عن عمّ مجاور، صاحب الساق المبتورة، الذي يعمل حارسًا لأحد العقارات، الذي يقطنه ضابط ما، يُدعى “عادل بيه”. يقوم “عادل بيه” بإجبار عمّ مجاور على وضع سلسلة معدنية وبعض الحجارة الكبيرة أمام مدخل العقار، لضمان وجود مكان شاغر لسيارته وسيارات أولاده. من حين لآخر يقوم البيه بالشجار مع أحد السكان حول السلسلة، والذى ينهيه البيه عادة بصفعة على وجه عمّ مجاور البائس لإرهاب السكان.

هكذا نرى أن أكثر جملة محببة لمجاور المقهور، أصبحت “الله يخرب بيتك يا عادل بيه”، أحيانًا يصرخ بها، وأحيانًا يتمم بها في سِره، خشية أن يسمعه أحد. وفي يوم ما، يموت عادل بيه، ولا يتردد ابنه إلّا قليلًا على العقار لتحصيل الإيجار، وفي يوم آخر يأتي سُكّان جدد، لا يعرفون قصة عمّ مجاور والبيه والسلسلة. الآن أصبح مجاور يمتلك مفتاح السلسلة بلا رقيب؛ فنراه يفتح السلسلة لمن يدفع أكثر من السكان، وربما يتشاجر مع هذا أو ذاك حول المبلغ المطلوب، وعادة ما يُنهي المشاجرة بصفعة على وجه زوجته أو أحد أولاده، بعد أن تحولت أكثر جملة يرددها فى سعادة إلى “ربنا يعلّى مراتبك ويسامحك يا عادل بيه”.      

***

في عام 1971؛ قام عالم نفس من جامعة ستانفورد يُدعى “فيليب زيمباردو”، بإجراء تجربة لدراسة تأثير السُطلة على سلوك أشخاص عاديين، وكيفية استخدامهم لها، فى حالة عدم وجود رقابة على ممارساتهم. قام “زيمباردو” باختيار أربعة وعشرين طالبًا متطوعًا، بعد عدة اختبارات تؤكد سلامتهم النفسية، ثم تم توزيع بعضهم عشوائيًا للقيام بدور السجين، والباقي للقيام بدور السجّان، في سجن وهمي قاموا بتصميمه للتجربة. كان الغرض من التجربة، هو دراسة الفرضية التى تقول إن أيّ جرائم انتهاك تُمارس من أشخاص في موقع السلطة، تكون راجعة لصفات شخصية لديهم، وليس بدافع من الشعور بالسُلطة ذاته.

قام “زيمباردو” بوضع تعليمات صارمة، للطلبة الذين يقومون بدور الحُراس، بما هو ممنوع وما هو مطلوب فعله. فكان المطلوب هو إثارة مخاوف السُجناء، أو انتهاك خصوصيتهم، أو حِصارهم بشكل أو بآخر، لتجريدهم من أي شعور بالقوة، لكنّ شريطة عدم استخدام أيّ من وسائل التعذيب النفسي أو المادي. كان من المقرر أن تستمر التجربة لفترة ما غير محددة، إلاّ أن “زيمباردو” قرر بعد ستة أيام إنهاء التجربة؛ حين لاحظ أن الحُراس قد استغلوا سلطتهم الوهمية، في تعذيب زملائهم الطلبة بأشكال قاسية، كتجريدهم من ملابسهم والتحرش بهم.

ويقول “زيمباردو” أن ثُلث الحُراس قد أظهروا ميولًا سادية تجاه السجناء؛ ما اضطره لإنهاء التجربة في 20 أغسطس 1971؛ لتفادي العنف المفرط الواقع على السجناء الوهميين. أثارت التجربة الكثير من الجدال بين علماء النفس، وكانت النتيجة المُرجحة، هي أنه يمكن للشخص السويّ نفسيًا، حين يتم تزويده بدعم مؤسسي وأيديولوجي، أن يقوم باستخدام أدوات ممنهجة في ممارسة القهر النفسي والجسدي لمُخالفيه.

***

في سيرته الذاتية “كفاحي” (Mein Kampf)، يروي لنا “هتلر” عن عشقه للرسم، وحلمه بأن يصبح رسامًا محترفًا، إلا أنه قد تم رفض طلب التحاقه بأكاديمية “فيينا” للفنون الجميلة في عامي 1907 و1908، وقاموا بتوصيته بأن يتجه للفن المعماري بدلًا من الرسم.

***

الفاشية تقامر بمصير الشعوب. قد يأتي لك النرد بقديس إلى الحكم، أو قد يأتي لك إن كنت سيئ الحظ مثلنا، بموسوليني أو ستالين.

لا أهتم كثيرًا إن كان فرعون طيبًا، ولكن ما يهمني كونه فرعونًا!

اعلان
 
 
شريف جمال سالم