Define your generation here. Generation What
“بين الأمل واليأس.. هناك ماهينور”
 
 

على الباب الأمامي لمنزل عائلة ماهينور المصري بالإسكندرية، يوجد ملصق أصفر اللون، كتب عليه بالعربية، بحروف سوداء عريضة “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين”.

تقول ميرال، شقيقتها الصغرى البالغة من العمر 24 عامًا، مازحة: “حتى يعرفوا أي باب يقصدون إذا جاؤا للقبض عليها”. لا توجد أية علامة مشابهة على الباب الخشبي المقابل.

ومع ذلك فالناشطة التي تبلغ من العمر 28 عامًا، هي التي ذهبت إليهم بنفسها.

حُكم على ماهينور في الشهر الماضي بالسجن عامين، بسبب مظاهرة شاركت فيها العام الماضي. أمام المحكمة التي تقاضي اثنين من ضباط الشرطة المتهمين بقتل خالد سعيد، الشاب الذي كان موته في عام 2010 من بين الأسباب التي أدت إلى الثورة، التي قامت في بداية عام 2011 ضد الرئيس الأسبق حسني مبارك.

حضرت ماهينور جلسة المحكمة يوم 20 مايو، وهي مدركة تمامًا أن ذلك قد يؤدي إلى حبسها.

تقول صفية سري، صديقة ماهينور التي تعمل بالصحافة التلفزيونية، والبالغة من العمر 30 عامًا: “نصحتها كثيرًا بعدم الذهاب، لكنها كانت مقتنعة بأنها لا ينبغي أن تختبئ، وأنها يجب أن تواجه المحكمة”.

كان هذا هو التصرف المتوقع من ماهينور، التي عُرف عنها الشجاعة، كما يقول أصدقاؤها، وجميع من ساعدتهم كمحامية وناشطة، وكما تصفها عائلتها.

صفية سري قابلت ماهينور في شهر أغسطس من العام الماضي، عندما قامت الصحفية بنشر نداء استغاثة على موقع فيسبوك، وأرفقت به صورًا للاجئين سوريين محتجزين، من بينهم نساء وأطفال لا يزيد عمرهم عن ثلاثة أشهر.

توجهت سري إلى قسم شرطة الدخيلة بالإسكندرية، لتحاول إخراج اثنين من زملائها المحبوسين، بعد القبض عليهما على متن قارب كان يهرب اللاجئين السوريين إلى أوروبا. زميلاها كان قد تم خداعهما وإقناعهما أنهما اشتريا تذاكر قانونية على قارب سياحي. “لقد صدمت لمنظر الأطفال وشعرت بقلق بالغ. لقد بدا عليهم المرض بسبب حالة السجن المتدنية”، تقول سرى.

كانت ماهينور واحدة من الأشخاص الذين سارعوا بالاستجابة. ولقد أمضت الشهور التي تلت، في مكان الإحتجاز مع صفية سري، حيث كانوا ينامون، وكانت تقدم كل المساعدات القانونية والإنسانية الممكنة قدر استطاعتها. كانت تلك هي بداية نشاطها مع اللاجئين السوريين.

ساءت أحوال اللاجئين السوريين في مصر، بعد أن قام الجيش بعزل الرئيس الإسلامي محمد مرسي في شهر يوليو، بعد موجة من الاحتجاجات الجماهيرية طالبته بالتنحي عن منصبه.

ولقد تضمنت حملة “الحرب على الإرهاب” التي شنها الجيش المصري، اعتقال الآلاف من مؤيدي مرسي وقتلهم، كما شملت أعمال قمع ضد اللاجئين السوريين، الذين تم اتهامهم بالعمالة لصالح نظام مرسي.

يرى زملاء ماهينور من النشطاء وأفراد عائلتها، أنها كانت تعمل بدافع الوازع الإنساني في المقام الأول وليس السياسة. وقد قالت والدتهاأ، السيدة عزة، أن قضية اللاجئين السوريين، كانت واحدة من القضايا التي حرمتها النوم ليلًا.

“هي لم تحدثنا قط عن السياسة، كانت تتكلم فقط عن الشؤون الإنسانية”، هكذا تحدث أحمد حوامدة، متزوج وأب لخمسة، وعمره 35 عامًا. وكان حوامدة قد احتُجز بعد محاولته مغادرة مصر عن طريق البحر، في شهر سبتمبر، حيث كان يحاول الوصول إلى أوروبا ليؤمن حياة أفضل لأطفاله، كما قال.

يستكمل حوامدة: “عندما كنا في غرفة الحبس كانت تقول لنا: ̓ إن المصريين والسوريين إخوة، لقد اتحدنا من قبل وما زلنا متحدين، لا تشعروا بالضيق أو الحزن، فكل شيء سوف يصبح على ما يرام ̒” . حوامدة واحد من السوريين القلائل الذين بقيوا في مصر، حيث غادر العديد منهم طوعًا أو تم ترحيلهم.

يقول حوامدة إن ماهينور قامت بالتنسيق مع الأطباء، ليقوموا بزيارة اللاجئين المحتجزين، الذين تفرقوا في عدد كبير من سجون مصر. كما كانت تخطر مكتب المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بالأمم المتحدة باحتجازهم، وتحضر لهم الطعام، والبطاطين، والملابس، والحليب من أجل الأطفال، والنقود، وعملت كذلك على توفير تذاكر طيران لمن يريد الرحيل منهم. “لم تكن مجرد محامية، بل كانت أختًا لنا جميعًا”، يضيف حوامدة.

وتقول عهود، زوجة حوامدة البالغة من العمر 29 عامًا: “أشعر بالحزن لحبسها، فهي لا تستحق ذلك على الإطلاق. لم تترك نقصًا لدينا إلا سدته، لقد ساعدتنا في دفع الإيجار وتوفير أي شيء كنا نحتاجه، حتى ملابس الأطفال. هي إنسانة معطاءة جدًا”.

استمرت صفية سري في عملها مع حالات اللاجئين، التي تجاوز عددها 200 حالة، والذين تردت حالتهم في سجون الإسكندرية، ومنهم السوريون والفلسطينيون والأفارقة، رغم حصولهم على تصريح بالإقامة في مصر، حسب قولها.

تقول سري: “لقد علمتني ماهينور أساسيات التعامل مع الأوراق القانونية والتحدث مع المسؤولين، وهذا هو ما أُطبقه”. تعد سري واحدة ضمن كثيرين، تعلموا من طريقة عمل ماهينور.

تحدثنا بعدها إلى أشرف عبيد، الذي شهد نشاط ماهينور في عام 2008، حينما بدأت في تشكيل ملامح طريقة عملها المتفردة. يقول عبيد، أحد سكان منطقة طوسون، والبالغ من العمر 40 عامًا: “هي لا تعطيك سمكة لكي تأكل، بل تعطيك أداة لتصطاد وتوفر قوت يومك”.

هناك المئات من البيوت في طوسون، التي خضعت لقرارات هدم، لإتاحة الأراضي للخصخصة.

“كانت تلك محاولة للاستيلاء على أراضي الفقراء من قبل رجال على علاقة بجمال مبارك”، هكذا أخبرنا عبيد في إشارة إلى نجل حسني مبارك، المحبوس على ذمة قضايا فساد منذ عام 2011. يضيف: “لقد علمتنا ماهينور أن ندافع عن أنفسنا لكي نحصل على حقوقنا”.

قامت العائلات في طوسون بتنظيم 52 مظاهرة، بعضهم مات والبعض الآخر تم القبض عليه، كما طُرد العديدون من منازلهم، بسبب قرارات الهدم، واضطروا إلى البحث عن مساكن أخرى. إلا أن المحكمة حكمت لصالحهم في الثامن والعشرين من شهر يناير عام 2011، بعد ثلاثة أيامٍ من بداية الثورة. “كانت هذه بداية التغيير الثوري في الشارع. لقد بدأ من طوسون”، يقول عبيد.

شاركت ماهينور في تلك المظاهرات والاعتصامات، وقامت بالتصوير والكتابة عنها، وكانت تخطر الإعلام بما يجري بها. يقول عبيد: “كانت هي صوت عائلات طوسون، عندما لم نجد من يتحدث عنها”.

لكنهم في النهاية تمكنوا من التعبير عن أنفسهم، وينسب «عبيد» الفضل في ذلك إلى نشاط ماهينور وعطائها وتضحياتها، موضحًا أنها لم تسعَ إلى مكسب شخصي قط، بل كانت تفعل كل ذلك من أجل الأهالي.

يقول عبيد: “عندما كنا نتظاهر أمام المحاكم، كانت تحضر لنا علب البسكوت للأطفال، وكانت تبث فيهم روح الثورة والقيادة. حتى هتافاتنا كانت هي التي تؤلفها، وكان هناك طفل في الرابعة وقتها، أصبح من أفضل من يقودون الهتافات”. قبل أن يضيف: “لقد عانينا كثيرًا. لكن من بين الأمل واليأس أتت ماهينور”.

“ماهينور اختارت بشكلٍ واعٍ، أن تفعل ما هو أكثر من مجرد التظاهر لإحداث تغيير، حيث عملت بشكل مكثف على مشاكل العمال في عام 2008، بعد مشاركتها في الاحتجاجات التي نظمتها حركة شباب 6 إبريل”، تقول أختها ميسون البالغة من العمر 26 عامًا. حركة 6 إبريل كانت من أبرز المجموعات الشبابية، التي مهدت الطريق للثورة عام 2011، حيث بدأت بدعوة تضامنية للإضراب في مدينة المحلة بالدلتا.

وفي شهر فبراير عام 2013، قام عمال شركة الإسكندرية لأسمنت بورتلاند، بالاعتصام للمطالبة بالمزيد من الأمان الوظيفي، من خلال عقود دائمة وليس مؤقتة، بعد عملهم هناك لسنوات عدة. استخدمت الشرطة الكلاب لفض الاعتصام وأصيب عدد من العمال، حسب ما رواه محمد إيكا مؤسس النقابة المستقلة، الذي كان مشاركًا في الاعتصام. ولقد تم فصل عدد كبير من المشاركين في الاعتصام من عملهم، من بينهم إيكا.

يقول إيكا: “لم تتخلَّ ماهينور عنا قط بعد فض الاعتصام. فقد قامت بتنسيق فرق عمل، وبدأت في جمع تبرعات لعائلات العمال الذين شاركوا في الاحتجاجات. كانت تقول لنا إنه إذا احتجنا إلى شيء، ما علينا إلا أن نخبرها”. قبل أن يضيف: “هي لم تحرض على الإضراب، لكنها عرفتنا على طرق المفاوضات البديلة. ومن فرط اهتمامها بالناس كنت تشعر أنها واحدة مننا”.

ولقد خلف نشاط ماهينور ذلك قاعدة جماهيرية تدين لها بالولاء، سواء كانت تعي ذلك أم لا. ولقد قام هؤلاء العمال الذين ساعدتهم، بالانضمام إليها في القضايا التي كانت تساندها.

من هؤلاء محمد الشافعي، العامل الذي طُرد من عمله، بمصنع فرج الله للأغذية، بعد مشاركته في مظاهرة من أجل عقد دائم، والذي شارك بعد ذلك في مظاهرة خالد سعيد، التي سجنت ماهينور بسببها.

يقول الشافعي: “شاركت بكل تأكيد. فهي واحدة من الأشخاص الذين ساندونا بينما كنا نطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية. ولذلك لا بد أن أساندها”.

كان الشافعي واحدًا من ضمن 15 شخصًا تم احتجازهم لبضع ساعات، خلال المظاهرة التي حدثت في الشهر الماضي في الإسكندرية، للتضامن مع ماهينور.

محمد حنفي، العامل الذي فُصل من عمله في شركة فاركو للأدوية، بعد مشاركته في مظاهرة للمطالبة بتحسين الأجر، يذكر اليوم الذي جاءت فيه ماهينور وأختها ميرال، إلى مقر الاعتصام لإعطائهم طعام، لأن إدارة الشركة منعت وصول الطعام والشراب إليهم. وقتها قامت ماهينور بتسلق الحائط لتوصيل الطعام إليهم.

ومثله مثل الآخرين، يذكر حنفي أنها كانت دائمًا متاحة. يقول: “إذا اتصلت بها في الواحدة صباحًا كانت ترد عليّ. لم يكن لعملها الثوري جدول مواعيد، بل كان عملًا دائمًا”.

رغم جدية عملها العام، إلا أن عائلتها حدثتنا عن حبها للمرح والدعابة في المنزل، حيث كانت دائمًا تستمع إلى موسيقى عالية الصوت وتشاهد الأفلام الهندية، وتشرب عصير الليمون، وتخرج مع أصدقائها.

على حسابها الخاص على موقع تويتر، كتبت ماهينور في شهر أغسطس عام 2011: “الفرجة على الأفلام الهندي هي أفضل علاج للاكتئاب . . . الألوان الكتير والأغاني والفرحة”.

والدتها، السيدة عزة، قالت أنها كانت تخلق توازنًا نفسيًا مهمًا في حياتها.

من أكثر الشخصيات التي أثرت على ماهينور وهي صغيرة، والدها وخالتها سناء. كانت سناء ناشطة سياسية وكاتبة، ولقد توفيت في عام 2001. لكن والد ماهينور كان يعارض عملها السياسي. وحدث ذات مرة أن حاول جذبها لتخرج من مظاهرة كانت مشاركة بها، وظن أصدقاؤها أنه واحد من المخبرين الذين يتعقبونها، حسب رواية شقيقاتها. ولقد مات والدها في عام 2009.

“أنا متشكرة لهم هما الاتنين”.قالت ماهينور عنهما في فيديو “حديث نساء الثورة المصرية” في عام 2012،  وأضافت: “الحد اللى كان خايف عليّ من الأفكار، فقربني لها أكتر، والحد اللى عمره ما أقنعني بالأفكار، بس كان بيمارسها بشكل إنساني جدًا، فإداني إحساس إن هو ده الحل”.

فقدت ماهينور البصر في عينٍ واحدة، في حادث تعرضت له وهى في الثانية من عمرها. كانت تشاهد التلفزيون الذي كان يعتلي منضدة زجاجية، عندما خدشت زاوية الزجاج عينها. خضعت بعد ذلك لعملية جراحية غير متقنة، جعلت العين تفقد الإبصار بشكل دائم.

أحبت القراءة منذ طفولتها، وشاركت في الاحتجاجات الطلابية بالمدرسة والجامعة، كما كانت شديدة الاهتمام بالانتفاضة الفلسطينية في عام 2001. ومن بعدها انضمت إلى حركة كفاية في عام 2005، ضد محاولات حسني مبارك توريث منصب الرئاسة إلى ولده جمال، وكذلك ضد الفساد في البلد. وكانت ماهينور من ضمن الأشخاص الذين اتجهوا إلى قسم الشرطة، بعد مقتل خالد سعيد مباشرة في عام 2010، ولقد شاركت في العديد من القضايا منذ ذلك الحين.

أخبرتنا شقيقتها أن ماهينور شعرت بعد ثورة 2011 أن الناس لم يعودوا بحاجة إليها. تقول ميسون: “كانت تقول إن الناس الآن لا يحتاجون من يهتف ويتظاهر نيابة عنهم. فقد أصبحوا هم الآن الذين يقودون الهتاف، وأصبح دورنا أن نسير خلفهم”.

تم القبض على ماهينور عدة مرات من قبل، لكن هذه المرة هي أطول فترة حكم سوف تقضيها في السجن. وهي متهمة أيضًا فى قضية أخرى، هي قضية قسم الرمل، حيث اتُهمت هي واثنا عشر شخصًا آخر، باقتحام القسم وتخريبه وإصابة ضابط شرطة. ولقد تم تأجيل نظر القضية لجلسة 21 يوليو المقبل.

طارق المهدى، محافظ الإسكندرية، أفاد بأنه يعرف ماهينور وأهميتها كناشطة في مدينة الإسكندرية، إلا أنه قال إنه غير ملم بتفاصيل القضية. بيد أنه دافع عن قانون التظاهر الذي تم بموجبه إلقاء القبض عليها.

وصرح المهدي إلى «مدى مصر» قائلًا: “حريتك تنتهي عند حرية الآخرين. وأنا أؤمن بشكل شخصي أن القوانين يجب أن تحافظ على ذلك لحماية المواطنين”.

من ضمن المبادرات التي شاركت بها ماهينور قبل حبسها، كانت الحركة المناهضة لإستخدام الفحم في مصر، وحملة «أنقذوا الإسكندرية»، التي تتصدى لتدمير المواقع المعمارية الأثرية بالمدينة.

“إذا أردتم أن تتعرفوا على مشاكل مصر، ابحثوا عن ماهينور وسوف تجدونها هناك، تدافع عن حقوق الناس. فهي تحب هذا البلد”. يقول عبيد من طوسون، قبل أن يضيف: “كل نظام قمعي يأتي إلى الحكم، يعلم أن الخطر الحقيقي يأتي من الثوريين. هم الشرارة التي توقد الشعلة وتحرك الناس في الشوارع، مثل ماهينور. فهي تقود الشارع، ولها قلب كقلب غاندي ومانديلا”.

اعلان
 
 
نادين ماروشي