Define your generation here. Generation What
كيف وصل «المعلم كرشة» إلى حصة الإنجليزي في ثانوية ميشيجان؟
 
 

في ندوة عن الربيع العربي بجامعة ميشيجان، جلست بجانبي شقراء، تصورت أنها من طلاب دراسات الشرق الاوسط، ثم اتضح بعد أن تعارفنا أنها مدرسة لغة إنجليزية في مدرسة ثانوية حكومية، وأن سبب اهتمامها بموضوع الندوة، هو أنها تقوم بتدريس رواية نجيب محفوظ «زقاق المدق» لتلاميذها في المدرسة، ولهذا تحاول تعميق درايتها بشؤون مصر والعالم العربي. اندهشت طبعًا، لأن هذا مستوى يفوق العادي، حتى بالمقاييس الأمريكية، وحاولت معرفة المزيد عن هذه التجربة.

تكررت مقابلاتي مع المعلمة “كيتي جلبتك”، كما التقيت بتلاميذها في الفصل أثناء مناقشة الرواية، ولحسن الحظ استطعت أيضا مقابلة مترجم الرواية، الذي اختارها ونقلها إلى اللغة الإنجليزية، في الستينيات من القرن العشرين، بروفيسور “تريفور لوجاسيك”، الذي لا يزال يعمل في الجامعة نفسها. ومن هذه المقابلات حاولت أن أجيب عن التساؤلات التالية: كيف أصبحت رواية الأديب المصري نجيب محفوظ «زقاق المدق»، جزءًا من مقرر اللغة الإنجليزية، في مدرسة ثانوية بولاية ميشيجان الأمريكية؟ ولماذا هذه الرواية بالتحديد من بين روايات محفوظ؟ هل هي الصدفة، أم أن لـ«زقاق المدق» سمات خاصة، تجعلها أكثر شعبية بين القراء خارج العالم العربي؟ وما هي الموضوعات التي تطرحها الرواية، وكيف يناقشها التلاميذ هناك؟

هذه المقابلات سأعرض نتائجها في جزئين، الجزء الأول في هذا المقال، الذي يركز على تجربة المعلمة كيتي وتلاميذها، في قراءة ومناقشة «زقاق المدق»، أما الجزء الثاني في المقال القادم، فسيدور حول تجربة بروفيسور لوجاسيك في ترجمة الرواية، ورؤيته الخاصة لأسباب نجاحها.

عملية اختيار المقرر

على عكس النظام القائم في مصر، لا يوجد في الولايات المتحدة منهج موحد، يطبق على جميع مدارس الدولة في أي من المواد. وهذا لأن النظام الأمريكي في التعليم العام يتسم باللامركزية الشديدة، فمناهج التعليم الدراسية ليست متروكة لكل ولاية فحسب، بل ولإدارة كل منطقة تعليمية (هناك حوالي ١٤ ألف منطقة تعليمية في أمريكا)، حيث تتمتع كل منطقة تعليمية محلية بالاستقلال الذاتي كقاعدة عامة، وفي بعض الأحيان تتبع الولاية التي تقع فيها. وفيما يخص النصوص الأدبية التي يدرسها التلاميذ، في إطار مادة اللغة الانجليزية، فهناك بعض المناطق التعليمية التي قد توفر قائمة بعناوين الكتب المتفق عليها ليختار منها المعلم، ولكن في مدارس كثيرة، يُترك للمعلم حرية اختيار النصوص الأدبية التي يدرسها التلاميذ. طبعًا مثل هذه الحرية التي يتمتع بها المعلم، قد تكون صادمة بالنسبة لمن تعود على التخطيط والإشراف المركزي، من جانب الوزارة المعينة في العاصمة، ولكن المدارس العامة في أمريكا تدار بالكامل من جانب مجالس محلية منتخبة، وبالتالي فهناك رقابة شعبية تلقائية، قائمة على مشاركة الأهالي والناخبين في كل منطقة تعليمية.

وفي حالة “ميس كيتي”، كان قرار تدريسها رواية نجيب محفوظ «زقاق المدق»، راجعا لاختيارها الحر، ولكنها كانت متأثرة بتجربة سابقة على التحاقها بعملها الحالي. ففي عام ٢٠٠٦ سافرت كيتي إلى الصين، للعمل في مدرسة دولية خاصة في مدينة شنغهاي، وهناك كانت تقوم بتدريس مادة “الأدب العالمي” لتلاميذ شهادة “البكالوريا الدولية”، وهي شهادة مؤهلة للجامعة، مُعترف بها في معظم دول العالم (تقدمها ١١ مدرسة داخل مصر). هذه الشهادة تديرها منظمة أم في سويسرا، وتتمتع بمنهج مفصّل وبرنامج موحد. لذلك كان على كيتي الاختيار من قائمة منتقاه ومحددة سلفا، لنصوص من الأدب العالمي المترجم، كما كان عليها التنويع في المناطق الجغرافية، فاختارت «زقاق المدق» من قائمة الادب المترجم من الشرق الأوسط، ولم تكن قد قرأتها من قبل.

تقول كيتي: “كانت تجربتي في تدريس «زقاق المدق» في الصين رائعة. أحببت الرواية، وأحبها تلاميذي. وكانوا متنوعين في خلفياتهم، منهم أمريكيون من أصل صيني، وكنديون من أصل صيني، وكوريون، ويابانيون، وتايوانيون، ولم يكن بينهم عربي واحد. وقد استمتعوا بقراءة هذه الرواية أكثر من غيرها من الأدب المترجم، ومنهم من قال إنها “روايته المفضلة”.. والسبب أنها مسلية، وبها شخصيات استطاعوا أن يتواصلوا معها”.

الأخلاق الأمريكية تتنافي مع بيدوفيليا نجيب محفوظ!

حين عادت كيتي إلى الولايات المتحدة والتحقت بعملها الجديد، اختارت لتلاميذها في المدرسة العامة «زقاق المدق» أيضًا، ولكن المسألة لم تمر بسهولة في بداية الأمر، حيث تعرضت كيتي لأزمة صغيرة بسبب اختيارها هذا. تقول كيتي: “تخيلي التوتر العصبي الذي يصاحب الشخص العادي، حين يبدأ وظيفة جديدة في مكان جديد، كنت في الشهر الثاني من وظيفتي الجديدة في أكتوبر ٢٠٠٩، وإذا بمدير المدرسة يتلقى ثلاث مكالمات غاضبة من أهالي تلاميذي، يشتكون من أن ميس كيتي تدرس لأولادهم كتابا عن البيدوفيليا!”.

البيدوفيليا، أو الغلمانية، هي خلل نفسي يتمثل في الرغبة والإنجذاب الجنسي للأطفال. وبالفعل تحتوي كلمة الغلاف الخلفى، التي قرأها الأهالي في النسخة الأنجليزية، على الجملة التالية: “من زيطة صانع العاهات إلى صاحب القهوة كرشة الذي يمتلك ذائقة خاصة للصبيان وللمخدرات…”. ولكن في النهاية دافعت المعلمة عن اختيارها، وساندتها المدرسة، واستكملت تدريس الرواية في الفصل الدراسي المخصص لها، والذي لا يتعدى شهرين. ثم أعدت كيتي استبيانا للرأي بين تلاميذها، تسألهم، بعد أن انتهوا من قراءة الرواية، إن كان من المفيد تدريسها ثانية. وكانت النتيجة ٨٠٪ نعم ، و١٧ ٪ لا. وأجاب بعضهم بكتابة تعليقات عن فائدة الرواية من وجهة نظرهم. وقد جمعت كيتي هذه التعليقات، وأطلعت عليها مدير المدرسة، واستمرت في تدريس الرواية كل عام، لكنها تجنبت شكاوى بداية العام، بنقلها من الفصل الدراسي الأول إلى الفصل الدراسي الثاني.

من فوائد قراءة «زقاق المدق»، التي ذكرها التلاميذ في تعليقاتهم المكتوبة أنها: “مثيرة للنقاش؛ مثيرة للتفكير؛ عميقة؛ تبين أهمية الخيارات التي يقوم بها الفرد في حياته وتبعات هذه الخيارات؛ مشوقة؛ تحتوي على معان كثيرة؛ تبين وجهات نظر الآخرين عن الحياة والأخلاق والتقاليد، حتى لو لم نتفق معها؛ حتى وإن كانت بها سلوكيات ممجوجة، فنحن نفهم أننا لن نقوم بهذه الأفعال؛ لم تكن مملة؛ نهايتها جميلة، كئيبة وأبكتني ولكن جميلة؛ رغم صعوبتها إلا إنها تمرين جيد، يؤهلنا للنصوص التي تدرس في الجامعة؛ محتوياتها ترتفع بمستوى نضوجنا؛ في البداية كان رأيي إنها كئيبة ومبتذلة، ثم غيرت رأيي بعد أن قرأتها للنهاية وبعد مناقشات الفصل”.

أما الذين اعترضوا على تدريس الرواية مرة أخرى، فكان من أسبابهم التي كتبوها: “لم تجذب انتباهي؛ لم تؤثر في مشاعري؛ تخلو من الأخلاق لدرجة أزعجتني، حتى إنني لست واثقا من أنني مسموح لي أن أقرأ مثل هذه الكتب؛ لا ينبغي تدريسها لأن بها مشاهد جنسية ضمنية، وأعتقد أن هناك روايات أخرى تحمل نفس الرسالة، ولكنها أكثر براءة؛ أعجبتني ولكنها مملة و كئيبة ومبتذلة”.

وقد دار مثل هذا النقاش مرة أخرى، في لقائي مع تلاميذ “ميس كيتي” هذا العام، وكان فى الحصة التالية لانتهائهم من قراءة الرواية، وكانوا مستائين جدًا من النهاية الحزينة للقصة، وموت البطل “عباس الحلو”. حكت لهم كيتي عن الأزمة التي تعرضت لها بسبب الرواية، قبل خمس سنوات، وطلبت رأيهم، فقالت إحدى التلميذات: “لم أحب النهاية، لكن الرواية أعجبتني، فهي تبين لنا كيف يكون العالم الواقعي، لأنه لا توجد دائما نهايات سعيدة في الحياة الحقيقية”. وقال آخر: “أنا مندهش أن هناك من يرى في «زقاق المدق» جرأة زائدة، خاصة بعد أن قرأنا رواية «الأقرباء» في الفصل الدراسي الأول، وهي تصيب القارئ بعدم الارتياح، أكثر بكثير من هذه الرواية، لأنها مرتبطة أكثر بواقعنا”، (الرواية التي يشير إليها تدور حول فتاة أمريكية سوداء، تأخذها آلة الزمن إلى الحياة مع جدودها، أثناء زمن العبودية في الولايات المتحدة، وهي من تأليف أوكتافيا بتلر).

وحين قالت كيتي إنها تعتقد، بكل ثقة، أن الرواية غير مؤذية وأنها لم ترد يوما أن تصدم تلاميذها، أو تشعرهم بعدم الارتياح، لأن هذا ليس أسلوبًا جيدًا في التدريس، من وجهة نظرها، ترد عليها طالبة أخرى قائلة: “بالعكس، إذا كنا سنظل دائما في منطقة الأمان التي تعودنا عليها، فلن نذهب بعيدا في الحياة، من الجيد أن يتم دفعنا قليلا، ويجب أن يكون هدفك كمدرسة أن توسعي لنا تلك المنطقة”!

استمعت لتبادل الآراء في الفصل، وأنا أشعر بالأسى لغياب مثل هذا النقاش المهم، ليس في مدارسنا في مصر فحسب، بل وغيابه عن أجندة الحوار العام في المجتمع. ولم أكن فخورة وأنا أعترف أنني لم أدرس في المدرسة نصًا واحدًا لنجيب محفوظ، طوال دراستي الاعدادية والثانوية في مصر. وعدت لأبحث، لعلهم تداركوا الأمر، فلم أجد سوى رواية «كفاح طيبة»، التي تم تقريرها لبعض الوقت على الصف الثالث الإعدادي، ثم عدد من النصوص عن حياة نجيب محفوظ، أوعظمته، أو أهمية الجائزة التي حصل عليها، بينما تجنب واضعو مناهج المرحلة الثانوية، الروايات المهمة التي كتبها، وجنبوا التلاميذ مناقشة مضمونها، مما يسهل كثيرًا من مهمة التكفيريين خارج المدرسة (بل وداخلها)، الذين يكفِّرون محفوظ ويحرمّون الأدب والفن. ولا تزل الروايات المقررة في الثانوية كما هي لم تتغير عبر السنين والعقود. أغلبها روايات تاريخية مثل «أبو الفوارس عنترة»، «غادة رشيد»، «الشيخان»، و«وإسلاماه». وباستثناء «الأيام» لطه حسين، وقصة «نظرة» ليوسف إدريس، يبدو وكأن البعد عن الواقع، وتجنب الموضوعات الحيوية، هو شرط من شروط اختيار النص الذي يتضمنه المقرر.

“أباس” و”هميدة” بين الحب والطموح والانتماء

تستحوذ العلاقة بين عباس وحميدة، وشخصية كل منهما، على أكبر قدر من اهتمام تلاميذ “ميس كيتي”، حسب ما ذكرت. ومن خلال مناقشاتهم في الفصل، وما يكتبونه من تحليلات في واجباتهم المدرسية (بعضهم عقد مقارنات بين شخصيات «زقاق المدق»، وبين شخصيات مسرحية «عطيل» لشكسبير التي درسوها في فصل دراسي سابق)، يحاولون تحليل طريقة عباس في حبه لحميدة، ومناقشة العلاقات الرومانسية، والحب من طرف واحد، والحب التملكي المرضي، وكيف نتأثر بالخيارات التي يقوم بها من نحبهم.

أغلبهم يكره حميدة ويحب عباس الحلو، الذي قال عنه أكثر من تلميذ أنه الشخصية المفضلة لديه في الرواية. لم أستغرب سيادة هذا الرأي، خاصة وأن المؤلف يصف حميدة بالطمع والأنانية والقوة والشراسة، بينما يصف عباس الحلو، بأنه وديع وطيب القلب ودمث الخلق ومسالم ومتسامح وراضي وقنوع. فهو مخلص في حبه لحميدة كما أنه محب للزقاق وأهل الزقاق. وفي الحصة التي حضرتها معهم، عبّر أكثر من تلميذ عن الأسف حيال موت عباس في نهاية الرواية، خاصة وهو “الوحيد النقي وليس فاسدا مثل الباقين”. بعضهم قال أنه غضب من النهاية الحزينة، ووصفها أحدهم أنها كئيبة وسأل: “لماذا يقتل المؤلف شخصا طيبا؟”، وردت احدى التلميذات قائلة: “هكذا دائما في الحياة nice guys finish last، لا حظ للطيبين”. وقالت أخرى: “البنات هكذا، لا يعرفون قيمة الشاب الجيد، إلا بعد أن يواعدوا الشباب السيئ”، وقالت أخرى: “الحقيقة أن عباس لديه أسوأ ذوق ممكن في النساء”، ثم خالفت أخرى الرأي السائد قائلة أن عباس “ضعيف وغبي” لأنه سمح لحميدة بالتلاعب به، ودخل في عراك من أجلها، وهو يعرف أنها خانته وسقطت وأصبحت غانية.

ويتفق هذا الرأي المخالف مع رأي ميس كيتي، التي تقاوم تحيز المؤلف نفسه، بقراءتها الخاصة المتعاطفة مع حميدة، فهي على عكس تلاميذها، تحبها وتشعر أنها فهمت دوافعها، وتعتبرها شخصيتها المفضلة في الرواية. فهي ترى فيها “شخصية أكبر وأكثر طموحًا من الحياة التي أتيحت لها. صحيح أنها فشلت في إعطاء قيمة أو معنى أكبر لحياتها، لأنها سعت خلف الأهداف الخاطئة، مثل المال والسطوة، لكن حين تهرب مع فرج ويخدعها وتكتشف أنها كانت بالفعل تبحث عن الحب، ينكسر قلبي من أجلها لأنها أخطأت في اختيارها”.

لا ترى كيتي عيباً في رغبة حميدة في حياة أفضل وأثرى من حياة الزقاق، ورغبتها في أفق أوسع من الزواج والإنجاب، الذي يعد القدر المتوقع لها من مجتمعها. بل تشعر بالرثاء حيالها، لأن حميدة لم تُتح لها وسائل مشروعة للتقدم في حياتها، والحصول على عيشة كريمة ومحترمة، مثل التعليم أو العمل في المصنع (مثل الفتيات اليهوديات التي كانت تعجب بثيابهم الأنيقة)، كما أن عباس لم تكن لديه طموحات مماثلة.

وتشكل مسألة الطموح والرغبة في ترك الزقاق، فارقا مهماً بين رؤية المؤلف ورؤية قرائه المعاصرين، حيث تشترك كيتي وتلاميذها، متعددي الجنسيات في المدرسة الدولية في الصين، وبعض تلاميذها في ميشيجان أيضا، في تلك الرغبة في الخروج من المدينة الصغيرة، واكتشاف آفاق أوسع وخبرات أكبر في المدن والعواصم المهمة، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها. بل تكاد تكون هذه هي القاعدة عند معظم الشباب الأمريكي، الذي عادة ما يترك بلد أهله ليلتحق بالجامعة في مكان آخر، وقد ينتقل لمكان جديد بعد التخرج، سعياً وراء الوظيفة، وهو ما ينظر له المجتمع كنوع من الطموح الإيجابي المطلوب من أجل التقدم. أما في حالة حميدة وحسين كرشة (ابن صاحب القهوة الذي يصفه محفوظ بأنه “نشيط وحذق وجرىء، ولكنه أيضا معتد أثيم إذا دعى الداعي”) ، فقد وصف نجيب محفوظ رغبتهما في الخروج من الزقاق، بصور سلبية، تتصل بالطمع واحتقار الأهل والسقوط الأخلاقي والخيانة أيضا، سواء بالعمل في وظيفة في الجيش الإنجليزي المحتل للبلادبالنسبة لحسين، أو بالعمل كبائعة هوى للجنود الانجليز في حالة حميدة. وقد يفضل بعض النقاد القراءة الرمزية  للرواية. وأحد التفسيرات الممكنة أن نجيب محفوظ  كان منشغلا ًبإشكالية الأصالة والمعاصرة، التي سيطرت على العقل العربي طويلاً، والتي تربط أحيانا بين الحداثة والغرب من جهة، والتفريط في العادات والتقاليد الشرقية من جهة أخرى.

وتتصل أيضا مسألة العلاقة بالزقاق بقضية الانتماء الوطني، والتي ناقشتها “ميس كيتي” مع تلاميذها بشكل موسع هذا العام، وفي الحصة التي حضرتها، طَلَبت منهم أن يفكروا في مكان يحبونه (في صغر الكرسي أو في كبر المدينة أو البلد)، وسألَتهم إذا كان هذا المكان باستطاعته أن يبادلهم الحب؟، ثم طَلَبت منهم النظر إلى زقاق المدق، باعتباره شخصية رئيسية في العمل، فهو قادر على الحزن أو الفرح والتجاهل أو الإحتفاء. وقَرَأت لهم من بداية الرواية، الجزء الذي يُحدث فيه عباس الحلو نفسه، وهو يفكر في السفر والعمل مع حسين كرشة في الجيش الانجليزي، فيقول: “لماذا لا يسافر؟ ألم يعش في هذا الزقاق حوالي ربع قرن من الزمان؟! فماذا أفاده؟ إنه زقاق لا يعدل بين أهله، ولا يجزيهم على قدر حبهم له. وربما ابتسم لمن يتجهمه وتجهم لمن يبتسم له..”.

وفي فقرة أخرى، في نهاية الرواية، يبدو زقاق المدق وكأنه لم يبال بمقتل “عباس الحلو”. يكتب نجيب محفوظ: “وانداحت هذه الفقاعة أيضًا كسوابقها، واستوصى المدق بفضيلته الخالدة في النسيان وعدم الإكتراث”.

وسألَت كيتي: “لماذا نحب أماكن معينة، وما معنى هذا الحب؟ وهل نحتاج فعلا من هذه الأماكن أن تبادلنا الحب؟، وعلى أي صورة تتمثل هذه العلاقة؟”، ثم طلبت أن يفكروا في هذه الأسئلة، وهم يكتبون مقالهم النهائي لهذا الفصل، حول موضوع الإنتماء الوطني.

الدين والمجتمع في زقاق المدق

يندهش قراء الرواية من غير العرب، من كثرة تكرار العبارات الدينية، على لسان شخصيات الزقاق، مهما بلغوا من درجة الشر في الفعل والقول والتفكير. تقول كيتي إنهم توصلوا في نقاشاتهم إلى أن العبارات الدينية ليست إلا جزءًا من اللغة أو العادة اللغوية، وأنها لا تدل على تدين صاحبها، وأن الدين بالنسبة لشخصيات الرواية ليس إلا facade، أو واجهة، لكنه لا يؤثر في خياراتهم أو في أخلاقهم، وهم لا يريدون تغيير سلوكياتهم، ولا يعتقدون أن شيئًا سيئًا سيحدث لهم إن استمروا على أفعالهم، مطمئنون لخطاياهم ولا يبالون. تصيح كيتي، وهي تتذكر رد فعلها وهي تقرأ مثل هذه العبارات: “أنا لا أصدقك! أنت لا تعني ما تقول!”.

ولكن التلاميذ يميزون شخصية رضوان الحسيني، باعتباره الشخص الوحيد في الزقاق، المتدين عن حق، (لن يعرف من اكتفوا بمشاهدة فيلم «زقاق المدق» دون قراءة الرواية، من هو رضوان الحسيني، لأن شخصيته غابت تماما عن العمل السينمائي، الذي أخرجه حسن الإمام). فهو رجل محترم وميسور الحال، وتعرض لمحن كثيرة، تمثلت في وفاة كل أولاده، واجهها بصبر ومزيد من الورع والتقوى، ولم ينسب له المؤلف أي صفات أو أعمال تسيء له، بل يصفه بأنه كان “مؤمنا صادقا، وتقيا ورعاً… فكان بحق من أولياء الله الصالحين”.

تحدثت مع كيتي عن “المسؤولية الاجتماعية”، التي تحدث عنها رضوان الحسيني فجأة في نهاية الرواية، التي تمثلت في شعوره بالذنب وتأنيب الضمير، بعد القبض على زيطة والدكتور بوشي، وهم متلبسين بسرقة جثة من المقابر، وبعد أنباء هروب حميدة وعملها في الدعارة.  فيتساءل عن مسؤوليته تجاه هؤلاء البؤساء الذين ينبشون القبور، ويأكلون من القمامة مثل الكلاب، بينما هو مكتنز الجسم متورد الوجه.

يقول رضوان الحسيني: “قلت لنفسي متقززًا: ماذا فعلت – وقد أتاني الله خيراً كثيرا – لدفع البلاء أو التخفيف من وقعه، ألم أترك الشيطان يعبث بأهل جيرتي وأنا ذاهل عنه بسروري وطمأنينتي؟ ألا يكون الإنسان الطيب بتقاعده عوناً للشيطان من حيث لا يدري؟”.

هذا السؤال الذي يطرحه نجيب محفوظ، ويبدو فلسفياً، مطروح بشدة ووضوح في السياسة العامة في الولايات المتحدة، ونقطة خلاف مهمة بين اليمين المحافظ، المتمثل في الحزب الجمهوري، وبين الحزب الديموقراطي والليبراليين من الجهة الأخرى، في نظرة كل فريق لمن يعيشون في الشارع بلا عمل أو مأوى، من شحاذين أو مدمنين “homeless“. حيث يرفض اليمين أن تقوم الدولة بدور “المربية” لهؤلاء المتقاعسين عن العمل، كما يرفض أن يدفع المواطن ضرائب إضافية، لكي يتمتع هؤلاء بإعانة البطالة، بينما هو يعمل ويجتهد.

وقد بدا أن تلاميذ كيتي متأثرين بمثل هذا الخطاب المحافظ، فقد رفض كل من علق على عبارة رضوان الحسيني، مسؤوليته عن جرائم وذنوب زيطة وحميدة. قال أحدهم أن الحسيني رجل طيب ولهذا يشعر بالذنب، ولكن كل واحد مسؤول عن أفعاله. وقالت أخرى أنه حتى لو كان الحسيني تحدث مع حميدة، لما كانت عدلت عن قرارها، وأن زيطة مسؤول عن اختياراته. ثم صاحت أخرى: “أنا حزينة من أجل زيطة، أنا أحبه، أشعر به، وأرثى له. أكيد هناك سبب لأفعاله الشريرة… لقد أهمله أهله في طفولته. أشعر أنه يتألم وأن هناك ما يوجعه ولذلك يقوم بإيلام الآخرين… أريد أن أحضنه!”،

وهنا رد زميل لها ضاحكا: “إذا فعلت هذا فخذي حذرك.. إنه لم يستحم من سنين”.

السياق السياسي والتاريخي للرواية..  لا يهم كثيرا؟

لم تشعر كيتي طوال سنوات تدريسها لـ«زقاق المدق»، بحاجة ملحة لدراسة السياق التاريخي والسياسي في مصر في ذلك الوقت، أو حتى معرفة الكثير عن نجيب محفوظ. ومن وجهة نظرها فهذا يحسب للرواية، ومن أسباب نجاحها بين القراء.

ومع هذا كانت تقوم بتحضير محاضرة واحدة في بداية الفصل الدراسي، عن الإحتلال الانجليزي لمصر، وقضية قناة السويس، ونظرة سريعة على تاريخ مصر في منتصف القرن العشرين، وهذا لأن أحداث الرواية ترتبط بوجود الجنود الإنجليز في مصر، وهذا السياق التاريخي يفسر أشياء ترد في الرواية، مثل تمني المعلم كرشة أن ينتصر الألمان في الحرب العالمية.

ولكن في يناير وفبراير ٢٠١١، لم يكن من الممكن تجاهل أنباء الثورة المنطلقة في مصر في فصل “ميس كيتي”، فهم يقرأون رواية مصرية، لأديب مصري، مما جعل للأحداث الجارية أهمية خاصة عندهم. تقول كيتي أنهم كانوا يتابعون أخبار الثمانية عشر يوما داخل الفصل. وشاهدوا خطاب أوباما، الذي يعلن فيه سقوط مبارك، بثاً مباشراً من البيت الأبيض، في الحصة أيضاً! لم تكن هناك صلة مباشرة بين الرواية وبين ما يحدث، لكنهم حاولوا مناقشة أسباب الثورة، مثل تفشي الفقر والبطالة بين الشباب.

ودفعت ثورة يناير كيتي لدراسة القضايا السياسية والثقافية، المتعلقة بمصر والعالم العربي بشكل أعمق، فقدمت على منحة دراسية لحضور دورة دراسية صيفية تنظمها جامعة كاليفورنيا، عن “جذور الربيع العربي”، وحصلت على المنحة، والتحقت بالدورة في الصيف الماضي، وتعرفت من خلاها على حوارات الاستعمار وما بعد الاستعمار، والاستشراق، وقضايا الهوية الثقافية، والقومية العربية، وتأثير العولمة والسياسات النيوليبرالية على مشكلات الشباب في العالم العربي، وقرأت نصوصاً متنوعة لجمال الدين الافغاني وطه حسين وأحمد لطفي السيد وإدوارد سعيد وتيموثي ميتشيل وبسام حداد وهبة رؤوف عزت وغيرهم. وكانت نتيجة هذه التجربة، أنها أعدت قائمة قراءات لتلاميذها، تشمل بعض هذه القراءات، بالإضافة لنصوص أخرى لنوال السعداوي وحسن البنا، وكذلك نص منشور نابليون للمصريين، وغيرها، كما شملت القائمة مشاهدة فيلم «ناصر ٥٦» والفيلم التسجيلي «الميدان» وأغنية «صوت الحرية»، حتى أن بعض تلاميذها تساءلوا: “هل ما زلنا في حصة الإنجليزي، أم أننا في حصة دراسات اجتماعية؟”.

لكن السبب وراء اختيار هذه النصوص، لم يكن لتقديم السياق التاريخي للرواية فقط، وإنما لبحث مفهوم “الهوية الوطنية” كمحور عام، اختارته كيتي لمنهج الإنجليزية في هذا الفصل الدراسي. وفي أعوام سابقة كان المحور هو مفهوم “الحرية”، وفي هذا الإطار استطاع بعض التلاميذ مقارنة زقاق المدق بكهف أفلاطون، حيث يصبح الخروج من الكهف ضروريا للتحرر من الوهم وفهم الواقع الأكبر، ثم عودة المستنير للكهف لتحرير أقرانه. وطلبت كيتي من التلاميذ في الإطار نفسه، مقارنة «زقاق المدق» بمذكرات “فريدريك دوجلاس” الأمريكي الأسود، عن حياته تحت وطأة العبودية حتى مرحلة التحرر والانعتاق، وفي حالة الزقاق وجد التلاميذ أن الرغبة في الحرية متمثلة في التحرر من الفقر، ومن تدخلات الأهل في حياة الأبناء، الأمر الذي كان يتحدث عنه كثيراً تلاميذها في الصين.

ومع هذا، فحين سألت التلاميذ عما إذا كانوا دائماً واعين أثناء القراءة بأن هذه القصة تدور في مصر، كان رد أغلب التلاميذ، أنهم كانوا ينغمسون في القصة، وينسون تمامًا كل هذه السياقات التي قرأوا عنها، بل وينسون أنها لا تدور هنا في أمريكا، وأنها ليست مكتوبة في الأصل باللغة الإنجليزية. قالت إحداهم : “كنت أشعر أن الأحداث تدور في مدينتي، لدرجة أني كنت أسأل نفسي، ترى فى أي جهة من المدينة يقع «مدك آلى»؟”.

إن ردود التلاميذ في هذا الصدد، تشبه إلى حد كبير ردود النساء في قرى مصر، حين تحدثت الباحثة الانثروبولجية “ليلا أبو لغد” مع بعضهن، عن خبرتهن في مشاهدة المسلسلات الامريكية، مثل “ذا بولد أند ذا بيوتيفول”، التي تدور أحداثها في بيئة منفصلة تماماً عن واقع هؤلاء النساء، وقيم سلوكية مختلفة أيضاً، وكانت ملاحظتها أن المُشاهد يُركز على العلاقات الشخصية والعائلية والعواطف الإنسانية العامة، وينتقي عقله ما يريد أن يتفاعل معه، بينما يتجاهل ما لا يدخل في إطار وعيه. وهو ما وجدته أيضا حين درست تفاعل القراء المصريين مع مجلات ميكي، باعتبارها منتج إعلامي منشأه أمريكي، ومترجم من الإنجليزية، فأكثر القراء لا يفكرون في جنسية ميكي وبطوط، ويرتاحون لإعتباره عالم  خيالي غير مرتبط بثقافة معينة، بل ويخلعون عليه قيمهم المحلية الخاصة.

لماذا كل هذا العرض؟

الهدف من عرض هذه التجربة ليس “التعقيد” ومقارنة مستويات التعليم في مصر وأمريكا، من باب “انظروا كم هم متقدمين وكم نحن متأخرين”، فنظام التعليم العام في الولايات المتحدة، يواجه مشكلات وتحديات مختلفة، ويتفاوت المستوى بدرجة كبيرة من مدرسة لأخرى. وفيما يخص قراءة الأدب المترجم، فإن أمريكا من أقل بلاد العالم الغربي فى هذا المجال، حتى أن نسبة الكتب المترجمة التي تنشر في الولايات المتحدة كل عام تقل عن ٥٪،  لذلك يجب الإشارة إلى أننا أمام تجربة تعتبر نادرة في تميزها، ولكن من ناحية أخرى، فإن النظام القائم يحسب له أنه يسمح بمثل هذا التميز الفردي والاجتهاد ولا يحاربه.

وربما يقتنع البعض، بعد الإطلاع على هذه المناقشات، التي دارت بين تلاميذ الثانوي ومعلمتهم، بفوائد الأدب، وأهمية الفن في التربية والتعليم. فهو ليس ترفاً أو رفاهية، بل قد يكون مساحة آمنة وخصبة لتناول القضايا المهمة، التي تمس حياتنا كأفراد وكمجتمع، ومدخلًا مهماً للتواصل مع الشباب، ومساعدتهم على فهم ما يجول بخواطرهم من أسئلة ومشاعر معقدة، ومحاولة التعبير عنها وإيجاد المعاني لها. ولعلنا نقلل من ترديد الكلمات عن “مكانة” نجيب محفوظ، والزهو بعبقريته العابرة للثقافات، ونولي اهتمامًا أكبر بمناقشة أعماله، وقراءتها بطرق مختلفة، فهي ليست حكراً على الأدباء والنقاد المقعرين، وإنما حق يملك ممارسته الجميع.

المثير للإعجاب هنا، ليس ما قاله التلاميذ في أمريكا، حين ناقشوا «زقاق المدق»، ولكن رؤيتهم وهم يمارسون النقد الحر، بتشجيع من معلمتهم. شعورهم أن لآراءهم الشخصية أهمية متساوية، وثقتهم في احترام المعلمة لحقهم في التعبير. وأن على من يريد النجاح والتفوق، أن يقرأ أكثر ويجتهد، لكي يعكس رأيه عمقاً في الفهم، أو ملاحظة جديدة، أو حجة متماسكة في منطقها. وبالطبع لم يُطلب منهم في أي وقت أن يحفظوا رأي المؤلف أو واضع المنهج، أو رأي المدرس الذي يضع الدرجات، باعتباره الإجابة الوحيدة الصحيحة.

اعلان
 
 
هديل غنيم