Define your generation here. Generation What

عمال صعيد مصر: احتجاجات ورئيس جديد

بعد أن انتهى موسم الإنتخابات بكل ما له وعليه، يقف عمال مصر الآن، وخاصة أصحاب المهن في محافظات جنوب الصعيد، منتظرين ما سيقدمه لهم الرئيس الجديد. خاض عمال صعيد مصر موجات كثيرة من الإحتجاجات في الثلاث سنوات الأخيرة، التي تلت ثورة يناير ٢٠١١، وذلك بالأساس بسبب استمرار السياسات النيوليبرالية، التي ورثتها الحكومات المتعاقبة بعد الثورة من نظام مبارك، ولم تهدأ حدة تلك الإحتجاجات، حتى خلال الأشهر الأخيرة السابقة للإنتخابات الرئاسية.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: أية سياسة اقتصادية سيتبعها الرئيس الجديد؟ وماذا سيكون تأثيرها على عمال مصر، وبالأخص الصعايدة منهم؟

فلنلقي في البداية نظرة سريعة على عمال محافظات جنوب الصعيد في فترة ما بعد ثورة يناير، ثم نرصد ما آلت إليه أحوالهم في الأشهر الأخيرة، مع وجود حكومة سابقة وأخرى حالية حملت كلتاهما بصمات عبدالفتاح السيسي، ثم نحاول التنبؤ بما ستكون عليه أوضاع هؤلاء العمال في الفترة القادمة، مع خيارات الرئيس الجديد.

من بعد ٢٠١١، استمرت الحكومات المتتالية، للمجلس العسكري والإخوان على وجه السواء، في إتباع السياسة النيوليبرالية التي طبقها مبارك وابنه، والتى كانت آثارها سبباً رئيسياً في خروج موجات هائلة من احتجاجات عمالية شهيرة مهدت الطريق للثورة، وفي القلب من تلك السياسات، الخصخصة ومنح رجال الأعمال ذوي الحظوة والقرب من النخبة الحاكمة، اليد العليا في إدارة اقتصاد الدولة. وكان رد فعل عمال جنوب الصعيد على استمرار تلك السياسات بعد الثورة، واستمرار حرمانهم من حقوقهم، أن انخرطوا في المزيد من الإضرابات والإعتصامات.

على سبيل المثال، شهدت محافظة قنا فى عهد المجلس العسكري احتجاج ما يقرب من ٦٠٠ عامل، من المشتغلين بمصنع هيبى للأدوية (الواقع بالمنطقة الصناعية بمدينة قفط)، بعد هروب صاحب المصنع إلى السويد التى يحمل جنسيتها، وفى جعبته ٨٠ مليون جنيه مصرى، اقترض الجزء الأكبر منها من البنوك، والباقى حصل عليه كدعم من وزارة القوى العاملة، ليترك من ورائه مصنعاً مغلقاً وعمالاً بدون رواتب لأشهر لا تنتهي.

وربما ظن عمال مصنع البصل فى سوهاج، أن الثورة ستعيد تشغيل المصنع المتوقف منذ ٢٠٠٨، بعد تدهور الوضع به، وتشريد ٣٠٠٠ عامل منذ خصخصة شركة النصر لتجفيف المنتجات الزراعية، التى يتبعها المصنع، لذلك قام العمال بتنظيم وقفة احتجاجية أمام ديوان عام محافظة سوهاج، للمطالبة بإعادة تدوير المكن المتوقف به، ولكن لا يزال المصنع مغلقاً إلى الآن.

وفى جنوب غرب أسوان، على الرغم من تبعية شركة المملكة القابضة للتنمية الزراعية فى مشروع توشكى، للثرى العربي الأمير الوليد بن طلال، أضرب ٥٠٠ عامل بالشركة عن العمل لسوء أحوالهم المادية والمعيشية، وكذلك للمطالبة برحيل إدارة الشركة التى اتهمها العمال بالفساد.

ولم يختلف الأمر فى ظل حكم الإخوان، إذ قام محافظ الأقصر حينئذ عزت سعد، بإغلاق مصنع الطود لتعبئة البوتاجاز، وتحويل حصص الغاز إلى مصانع الغاز بمحافظتي قنا والأقصر، عقب قيام عمال المصنع بتخفيض الإنتاج نسبيا، كنوع من الاعتراض الداخلى على تعنت رجل الأعمال، الذي يملك حصة كبرى في رأس المال به، ضد حق العمال فى راتب عادل يلبى احتيجاتهم، بعد إعلانه أن زيادة المرتبات ستكون ١٢ جنيه مصرى فقط، لذلك احتج مائة وخمسون عامل وأسرهم أمام ديوان عام محافظة الأقصر، وطالبوا بعودة المصنع للدولة وصرف مستحقاتهم المالية العادلة.

بينما واجه عمال أسمنت أسوان إطلاق الرصاص الحي، من قبل صاحب المصنع ومديره بشجاعة، وقاموا بتحرير محضر بالواقعة فى قسم شرطة أسوان، ولم يتخلوا عن حقهم فى الإضراب السلمى للحصول على حقوقهم المالية، وتعديل نظام الإجازات، وتعيين العمالة المؤقتة منهم.

ولا يزال نهج النيوليبرالية مستمرًا عقب ٣٠ يونيو من العام الماضى، لم تنحرف حكومة الببلاوى عن مسار سالفاتها، حيث اعتمدت على رأس المال الأجنبي غير المنتج – بالأخص الخليجي المؤقت – في شكل هبات في حل أزماتها. ثم أصدرت قانون الحد الأدنى للأجور، ليطبق فقط على القطاع العام (أو جزء منه على وجه الدقة) دون الخاص، مما قضى على أحلام عمال مصر والصعيد في المصانع المخصخصة كلياً أو جزئياً، في حقهم العادل في رواتب تقيم أودهم وأسرهم.

بينما اتخذت حكومة محلب حزمة من الإجراءات، وصفها البعض بأنها “مطيعة لروشتة صندوق النقد الدولى”، الأب الروحى للنيوليبرالية، نذكر منها قانون تحصين العقود بين الدولة والمستثمرين، مما هدم حلم العمال بعودة المصانع التى تم خصخصتها في صفقات فاسدة فى عهد مبارك، من خلال مقاضاة المتورطين فيها من قبل المواطنين.

وفي الأشهر القليلة الأخيرة السابقة للإنتخابات الرئاسية، شعر العمال الصعايدة أن الفرص التي منحوها للدولة لحل مشاكلهم قد انتهت، وانطلق مد من اضرابات واعتصامات العمال فى جنوب الصعيد، بدءًا من سوهاج وقنا مروراً بالأقصر وحتى أسوان، غضباً من استمرار تجاهل الحكومات المتعاقبة لمطالبهم. فمنذ يناير ٢٠١٤ دخل موظفو البريد، الشهر العقارى، الإصلاح الزراعى، عمال النظافة، هيئة المساحة، الأطباء، الصيادلة، مصنع الألمنيوم فى قنا، مصنع الكيماويات فى أسوان، متحف النوبة، العاملين بفندق ونتربلاس، مصنع الطود بالأقصر، مصنع السكر فى أسوان، وغيرهم آخرين، دخلوا فى اضرابات توالت، ولم يقلل من حدتها إجراء انتخابات الرئاسة.

كان أكثرها من حيث المدة والإصرار إضراب عمال متحف النوبة بأسوان، الذين استمر امتناعهم عن تأدية العمل وغلقهم للمتحف ثلاثون يوماً متواصلين، فى رد واضح على عدم وفاء وزير الآثار محمد إبراهيم بوعده للعمال بصرف مستحقاتهم المالية، بل أنهم فوجئوا بخفض البدل النقدى بنسبة ٥٧٪، وفى المقابل قام الوزير باحتساب فترة الإعتصام، فترة انقطاع عن العمل تخصم من الرواتب، لم يبالى العمال وقاموا بتحرير محضر ضد مسئولى الآثار فى أسوان، وفى النهاية وافق وزير الآثار على زيادة البدل النقدى ليصل إلى ٢٥٠٪، لكن لم يتم التنفيذ إلى الآن.

يأتى بعد ذلك إضراب عمال فندق “ونتربلاس” بالأقصر، وهو أحد الفنادق المملوكة للشركة المصرية للفنادق “إيجوث”، نتيجة لعدم استجابة الشركة لمطالب العاملين، الخاصة بزيادة المرتبات وتعيين العمالة المؤقتة، بل أنها استعانت بعمالة بديلة للعمال المضربين، البالغ عددهم ٣٥٠ عامل، رفض أربعة منهم تناول الطعام. أنهى العمال إضرابهم وسط معلومات غير مؤكدة عن تعرض قيادات الإضراب للفصل.

الآن تبقى آمال عمال الصعيد معلقة على وعود الرئيس الجديد، خاصة منذ  إعلانه اهتمامه بتلبية مطالب العمال، فى إطار العدالة الاجتماعية والتزامه بمعايير الجودة العالمية، بالنسبة للعامل والمنتج فى السوق المصرية، وهو ما دفع اتحاد النقابات المستقلة فى أسوان ـ والكثير من مناطق الجمهورية – لعمل مؤتمر جماهيرى لحشد الدعم العمالى لصالحه فى الانتخابات.


أخيراً، من الواضح أن الرئيس الجديد يمنح أولوية لرجال الأعمال ورأس المال الأجنبي، مما يُنبىء باستمرار ظل السياسات النيوليبرالية القديمة في حكومته القادمة، ولكن من الواضح أيضاً أنه ينوي اتباع دور قيادي تدخلي عالي للدولة في الاقتصاد، ولكنه بين سندان السوق الحر ورجال الأعمال ومطرقة الدولة، من غير الواضح إن كان عمال صعيد مصر سوف يحصلون على حقوقهم المهضومة في الأشهر القادمة.

اعلان
 
 
رانيا ربيع