Define your generation here. Generation What
الدولة والعنف الجنسي.. اتهامات وشكوك

«هذه ليست أول حالة اعتداء جنسي، ولا الوحيدة، ففي يوم التنصيب نفسه وقعت على الأقل ٩ حالات إعتداء جنسي واغتصابات جماعية في ميدان التحرير، وهو ما نشرناه ووثقناه في تقاريرنا»، هكذا بدأت مُزن حسن، المديرة التنفيذية لمركز نظرة للدراسات النسوية، المؤتمر الصحفي الذي انعقد أمس، الأحد، تحت عنوان «العنف الجنسي ومواقف الدولة خلال عشر سنوات».

وشارك في الدعوة للمؤتمر، الذي شهد حضورا إعلاميا كبيرا، مركز نظرة للدراسات النسوية، المبادرة المصرية للحقوق الاقتصادية  والاجتماعية، مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، قوة ضد التحرش والاعتداء الجنسي الجماعي، مبادرة خريطة التحرش، حركة بصمة، مجموعة تحرير بودي جارد، وحركة ضد التحرش.

جاء المؤتمر، الذي استضافه مركز نظرة، بعد أسبوع من نشر الفيديو الذي وثق إحدى حالات الاعتداء الجنسي الجماعي، التي وقعت فى ميدان التحرير، أثناء الاحتفال بمراسم قسم الرئيس عبدالفتاح السيسي اليمين الدستورية، بما أثاره من ردود أفعال واسعة، إعلاميا ورسميا.

وركز المؤتمر بشكل أساسي، على دور الدولة وموقفها تجاه قضية العنف الجنسي، طوال العشر سنوات الماضية.

«الاعتداءات الجنسية».. ظاهرة مستمرة وليست حالة فردية

«بدأنا في رصد حالات الاعتداء الجنسي والاغتصابات الجماعية بداية من يونيو ٢٠١٢، فوثقنا ٣ حالات أثناء الاحتفال في ميدان التحرير بفوز محمد مرسي برئاسة الجمهورية، و١٩ حالة في نوفمبر من العام نفسه، ثم ٢٤ حالة في يناير ٢٠١٣، ثم ١٨٦ حالة في الفترة بين ٢٨ يونيو حتى ٧ يوليو من العام نفسه، كما كانت هناك حالة تم إذاعتها على الهواء، أثناء وقوعها في ميدان التحرير، ضمن الاحتفال بذكرى الثورة في ٢٥ يناير ٢٠١٤»، هكذا رصدت مُزن حسن في كلمتها، سلسلة طويلة من الاعتداءات الجنسية الجماعية، التي تم توثيقها وإصدار بيانات بها من قِبل مراكز حقوقية.

واستمرت حسن في رصد تاريخ طويل من العنف الجنسي طوال العشر سنوات الماضية، بدأته بالحادثة المعروفة إعلاميا بـ«الأربعاء الأسود» سنة ٢٠٠٥، بالإضافة إلى الاعتداءات الجنسية المصاحبة للأعياد، والاحتفال أثناء مباريات كرة القدم، وأضافت أن هناك تطور خطير في أشكال العنف الجنسي الجماعي في مصر، وهو ليس قاصرا فقط علي التحرير، كما لم يبدأ بعد الثورة، وهو ما رصدته ورقة تم توزيعها على الحاضرين في المؤتمر، قدمت ١٤ حالة إعتداء جنسي جماعي، معروفة إعلاميا، في الفترة بين ٢٠٠٥ حتى ٢٠١٤.

وفي كلمتها، علقت سلمى الطرزي، عضوة بقوة ضد التحرش والاعتداء الجنسي، أنهم خلال عملهم في العامين الماضيين حاولوا توزيع أوراق ومواد دعائية، لتوعية  المتظاهرين في التحرير بوقائع الاعتداء الجنسي الجماعي، وبكيفية التعامل معها «إلا أن الكثير من الناس كانوا يرفضون تصديق أن هناك إعتداءات جنسية جماعية تحدث وسط آلاف من الناس التي تشهدها وتسمعها»، وأضافت الطرزي: «لو كان الإعلام تعامل مع الحالات الأولى التي تحدثنا عنها، بصفتها جزء من ظاهرة، وليست حالات فردية، لكان من الممكن أن يزداد الوعي بشكل أكبر، ولأصبحت مهمة إنقاذ المعتدى عليهن أسهل».
 
وأكملت: «الفيديو الصادم الذي تم عرضه على الإنترنت، هو حالة شبيهة بمئات الحالات التي تعاملنا معها على مدار العامين الماضيين».

وأسس عدد من المتطوعين والمتطوعات قوة ضد التحرش والاعتداء الجنسي الجماعي، في نوفمبر ٢٠١٢، لمواجهة حالات العنف الجماعي التي تحدث ضد المتظاهرات في التحرير، وقد قسمت المجموعة عملها بين توعية المتظاهرين، والتدخل المباشر لإنقاذ المعتدى عليهن، ومتابعة حالاتهن وتقديم الدعم النفسي والطبي والقانوني اللازم.

«من خبرتنا خلال السنتين الماضيتين، نحتاج ٢٥ متطوع على الأقل، للتدخل لإنقاذ حالة واحدة، وبالتالي فمن المحزن، رغم كل البيانات والإحصائيات التي أصدرناها طوال الفترة الماضية، أن نرى في الواقعة الأخيرة ضابط شرطة واحد فقط، يحاول إنقاذ الفتاة التي تعرضت للاعتداء في التحرير»، تقول الطرزي، قبل أن تضيف أن الشرطة كان يمكنها تأمين المتظاهرين والمتظاهرات في ميدان التحرير يومها، خصوصا أنها أعلنت تأمينها للفعالية، لكن في رأيها أن الشرطة لم تأخذ البيانات التي كانوا يصدرونها بجدية.

الدولة.. ميراث ثقيل من استخدام العنف الجنسي

«هناك قصة أحب دائما أن أحكيها في بداية حديثي عن هذا الموضوع»، هكذا بدأت ماجدة عدلي، الطبيبة ومديرة مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، حديثها، في إشارة لما قصّته لاحقا من تفاصيل يوم «الأربعاء الأسود»، وهي القضية التي أصدرت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، في مارس ٢٠١٣، قرارا بإدانة الحكومة المصرية بسببها، وطالبتها بفتح تحقيق في الواقعة وتعويض المجني عليهن.

كانت عدلي إحدى المشاركات في مظاهرة رفض الاستفتاء على التعديلات الدستورية، التي دعا لها مبارك في ٢٥ مايو ٢٠٠٥، وكانت شاهدة على وقائع الاعتداء الجنسي على المتظاهرات والصحفيات، أمام ضريح سعد زغلول ونقابة الصحفيين في ذلك اليوم، من قِبل أشخاص بملابس مدنية، وتحت سمع وبصر القيادات الميدانية لوزارة الداخلية، بحسب روايتها.

وخلال كلمة عدلي، أكدت بشكل واضح، أن من قاموا بالاعتداءات الجنسية وقتها جائوا بأتوبيسات تحمل لافتات الحزب الوطني، وكان أحدها أتوبيس نقل عام، وأن الاعتداء تم إشراف قوات الشرطة، ورغم أن الوقائع كانت مصورة فوتغرافيا وبالفيديو، بواسطة العديد من الصحفيين والنشطاء، ورغم شهادات من وقع عليهن الاعتداء، والمدعمة بشهادات شهود آخرين، إلا أن النيابة حفظت التحقيق في القضية بعد عدة أشهر، بدعوى عدم الاستدلال على الجناة.

وتضيف عدلي: «هذه القصة تُظهر لماذا من المهم الوقوف على دور السلطة في حوادث الاعتداء الجنسي، فمنظمات المجتمع المدني مهما فعلت لن تتمكن من حماية ٤٠ مليون إمرأة في هذا الوطن».

وتكمل: «الدولة هي المسؤولة عن حماية المواطنين، وفقا للدستور والقوانين والمواثيق الموقع عليها، وبما تجمعه من ضرائب نظير القيام بهذه المهمة، وإن لم تقم الدولة بدورها، فهذا معناه عدم وجود الإرادة السياسية لتوفير الحماية للمواطنين».

«واقعة الأربعاء الأسود ووقائع أخرى، جعلتني أتشكك دائما في مدى جدية الدولة تجاه التصدي لجرائم العنف ضد النساء»، تقول عدلى، قبل أن تعود لتركز على ما وثقه مركز النديم، منذ تأسيسه في ١٩٩٣، من وقائع تعذيب اتخذ أشكالا من العنف الجنسي ضد رجال ونساء، فتقول: «الداخلية كانت ولا زالت تستخدم الانتهاك الجنسي للنساء والرجال أيضا، الكثير من الرجال وقعوا على اعترافات تحت التهديد باغتصاب نسائهن أمام أعينهم، سواء في المباحث العامة أو أمن الدولة، هذه هي خبرتنا مع دولة مبارك، وهناك المئات من الحالات الموثّقة التي اتبعت هذا النهج».

تضيف: «هذه السياسات لم تتغير بعد الثورة، رغم المطالبة منذ بداية الثورة بتطهير الداخلية، إلا أن كل من وصلوا للسلطة أغمضوا عيونهم عن هذا المطلب».

وهو ما أكده مصطفى محمود، محامي بمركز نظرة، خلال كلمته، بحديثه عن ضرورة التحقيق في قضايا كشوف العذرية على المتظاهرات المعتقلات في مارس ٢٠١١، وحالات التحرش والاعتداء الجنسي، أثناء فض المظاهرات والاعتصامات طوال السنوات الثلاث الماضية.

وأشارت عدلي إلى الاعتداءات الجنسية التي وقعت ضد المتظاهرات أمام مجلس الشورى في نوفمبر الماضي، واللاتي تقدمن ببلاغات ضد الشرطة بسببها.

تكمل عدلي: «في النهاية، الداخلية جزء من السلطة، ولا يمكن اعتبار ممارساتها منفصلة عن إرادة السلطة السياسية، ولذلك لكي نصدق أن هناك جدية في مواجهة العنف ضد النساء، يجب أن يحدث الآتي: أولا يعتذر رئيس الجمهورية في خطاب للنساء عن ما تعرضن له في العهود السابقة والحالية، ثانيا إعادة هيكلة الداخلية بما يمنع تكرار الممارسات التي شهدناها من استخدام التعذيب والعنف الجنسي ضد النساء والرجال، ثالثا فتح الملفات القديمة لتحقيق عدالة انتقالية، ورد الاعتبار لكل من تم تعذيبه أو انتهاك حقوقه والاقتصاص من الجناة».

الحاجة لتغيير المفاهيم القانونية

«هناك احتياج لتغيير المفاهيم والتعريفات القانونية لجرائم الاعتداء الجنسية، فمثلا تعريف جريمة الاغتصاب يقصرها على الاغتصاب باستخدام العضو الذكري، بينما لو وقعت الجريمة باستخدام أصابع اليد أو أي أدوات أخرى، فهذا لا يعد اغتصابا وفقا للقانون المصري، ويتم توصيف الجريمة بهتك عرض، وهي أقل في عقوبتها من الاغتصاب، فضلا عن عدم الاعتراف قانونيا بأن الاغتصاب يقع ضد الرجال أيضا، حتى ولو بنسبة محدودة بطبيعة الحال»، هكذا طرح مصطفى محمود، محامي مركز نظرة، أحد الأمثلة عما اعتبره خللا قانونيا.

يكمل محمود: «القانون الذي أصدره الرئيس عدلي منصور قبل مغادرة قصر الاتحادية، ربط بين جريمة التحرش وتعبير الجاني باللفظ أو اللمس أو الإيحاء، عن رغبته في الحصول على منفعة جنسية، وهو ما يمثل خطأ جسيما. فليس صحيحا أن كل تحرش الغرض منه الرغبة في الحصول على منفعة جنسية، بل كثيرا ما يكون بغرض الإهانة أو التحقير أو الإذلال أو حتى الإيذاء المجرد».

ويضيف: «نحتاج إلى استراتيجية واضحة لمواجهة قضايا العنف الجنسي ضد النساء»، وفصّل ذلك بمطالبته بهيكلة الداخلية، بما يسمح بوجود وحدات خاصة داخل أقسام الشرطة، مؤهلة للتعامل مع حالات الاغتصاب والاعتداء الجنسي، بما يتطلبه الأمر من تفهم لحالتها النفسية.

وأكد على ضرورة إصدار قانون لحماية خصوصية بيانات المبلغين والمبلغات والشهود في قضايا العنف الجنسي، بما يمنع تعرضهم للأذى أو الابتزاز من قِبل المعتدين، وأضاف: «القانون الحالي يسمح لدفاع المتحرش أو المعتدي بالاطلاع على بيانات المعتدى عليها، مثل عنوان سكنها ومكان عملها، مما يعرضها للخطر، فضلا عن الابتزاز، وهو الهاجس الأساسي الذي يواجهنا في كثير من الحالات، التي ترفض مسار التقاضي أو تتراجع عنه لهذا السبب».

كما طالب بوجود ميثاق شرف إعلامي، يحمي خصوصية الناجيات من حوادث الاعتداءات الجنسية، فلا يسمح بنشر أي بيانات أو معلومات أو صور تدل على هويتهن، وهو ما انتقده محمود في تغطية حالات الاعتداء الجنسي الأخيرة في ميدان التحرير، حيث قامت إحدى الصحف القومية بنشر الأسماء الأولى للناجيات من الواقعة. وأثناء تغطية زيارة السيسي للفتاة التي ظهرت بفيديو الاعتداء الجنسي الجماعي، قامت وسائل الإعلام بتغطية وجهها، إلا أنها أظهرت وجه والدتها.

وأكد محمود أيضا على أهمية وجود ميثاق شرف من وزارة الصحة، يعاقب أي مستشفى تمتنع عن استقبال أي من الناجيات من وقائع اغتصاب أو اعتداء جنسي.

«بعد الكشف عن حالات عنف بشعة مثل التي حدثت في التحرير، يزداد الغضب المجتمعي تجاه ظاهرة التحرش والعنف الجنسي، مما يسمح لنا بالحديث أكثر عن الظاهرة وزيادة الوعي تجاهها، لكن ما نتمناه ألا يتراجع الاهتمام تدريجيا حتى يظهر لنا فيديو جديد بواقعة جديدة» هكذا قالت ريم وائل، إحدى المشاركات في المؤتمر في مداخلتها القصيرة.

وفى نهاية المؤتمر، تلا محمود عثمان، عضو مجموعة تحرير بودي جارد، بيانا ختاميا صادر عن مجموعته وقوة ضد التحرش وحركتي بصمة وضد التحرش، يعلنون من خلاله تشكيلهم اتحاد لمبادرات مكافحة الاعتداءات الجنسية الجماعية، وأنهم سيتواجدون في الفعاليات السياسية المقبلة وأولها ٣٠ يونيو، للتصدي لهذه الاعتداءات، مع تأكيدهم على أن تأمين الميدان هو مسؤولية قوات الأمن بالأساس، التي طالبوها بتهيئة الظروف الملائمة لهم للقيام بواجبهم.

اعلان