Define your generation here. Generation What
كاتب التاريخ
 
 

في بعض الأيام الهامة لا يرى العنوان الرئيسي لصحيفة الأهرام، أبرز الصحف القومية، قبل إرساله إلى المطبعة، سوى ثلاثة رجال. حتى المصممون لا يطلعون عليه، فهم لا يرون سوى مستطيل أسود يغطي ما خطه محمد المغربي، الذي يعمل على كتابة مسودة التاريخ حرفيًا.

أي قارئ للصحف في مصر قد رأى عمله من قبل، حروف خط الرقعة (التي تشبه خط اليد في معظمها) بخطوط أعرض وأكثر حدة وتبسيطًا، مكتوبة بحجم كبير باللون الأحمر الناري.

لم يكتب المغربي سوى 17 عنوانًا رئيسيًا للصفحة الأولى، خلال سنوات عمله بالأهرام التي دامت 22 عامًا، كتب منها اثنان خلال الشهر الجارى. في يوم تنصيب الرئيس عبدالفتاح السيسي، يوم الأحد 8 يونيو، كتب: “يوم خالد في تاريخ شعب عظيم”. ولقد كانت كتابة هذا العنوان على قدر كبير من الصعوبة، خاصة كلمتي “تاريخ” و”عظيم”.

أما العنوان الفرعي الذي لم يكتبه المغربي فيقول: “لأول مرة توقيع وثيقة تسليم السلطة في مصر”، احتفالًا بتسليم الرئيس المؤقت عدلي منصور السلطة سلميًا إلى السيسي. ولقد جاءت الخلفية بنفس لون وثيقة تسليم السلطة التي قاما بتوقيعها.

كما خط المغربي في الأسبوع قبل الماضي، يوم الأربعاء 4 يونيو، عنوان الأهرام المباشر: “عبدالفتاح السيسي رئيسًا لمصر”.

صاغ المغربي هذا العنوان بنفسه، وكتبه في منزله في الساعة السادسة صباحًا، ثم حمله إلى مقر صحيفة الأهرام في شارع الجلاء. عندما عرض عمله على رئيس التحرير محمد عبدالهادي، صاح الأخير على الفور: “عظيم، الله ينور عليك”. وعادة ما يقوم عبدالهادي بصياغة العناوين، ليحولها المغربي إلى خط مرسوم. أخرج رئيس التحرير من جيبه ورقة نقدية بقيمة خمسين جنيهًا، وليحفظ ذكرى تلك المناسبة دون عليها الآتي: “إلى السيد محمد المغربي، مع الشكر والتقدير. السيسي رئيسًا لمصر. محمد عبد الهادي”. ويحتفظ الخطاط بتلك الورقة النقدية في حافظته.

بدأ المغربي العمل في صحيفة الأهرام عام 1982. وهو عادة ما يقوم بخط عناوين الأقسام، وكذلك نصوص رسوم الكاريكاتير السياسية الغربية المترجمة. لكن في يوم عزل مبارك، كانت المرة الأولى التي يقوم فيها بصياغة نص العنوان الرئيسي.

يحدثنا الخطاط قائلًا: “ذهبت لأشاهد الاحتفالات بالقرب من قصر الرئاسة، مرتديًا جلابية وصندل، ولم أكن أرتدي نظارتي. اتصل بي رئيس التحرير وسألني: هل تريد أن تدخل التاريخ؟”.

كانت الساعة وقتها 9 مساءً، عاد المغربي إلى منزله وأخذ واحدًا من أقلام القصب، ثم غمسه في الحبر وكتب: “الشعب أسقط النظام”. بعدها وقف ليأخذ صورة تذكارية لتلك اللحظة وهو يرتدي الجلابية، واقفًا مع زملائه وممسكًا بقلمه إلى جوار بروفة العنوان.

في الماضي كان معظم عناوين الصحف يكتب بقصبة الخطاط، وليس عن طريق رص الحروف، وذلك حتى السبعينيات. واليوم تكتب معظم الخطوط الموجودة في مجالي الإعلام والإعلان رقميًا. يقول المغربي: “إن أجهزة الكمبيوتر تتسم بالنظام والقيود والجمود”. في مساء يوم الحادي عشر من فبراير عام 2011، كان المصممون قد قاموا بالفعل بإرسال نسخة الصفحة الأولى للمطبعة، وقد كتب العنوان بالخط المعهود للأهرام، لكنه لم يكن مرضيًا. وما زال الغلاف الذي كتب باستخدام خط الكمبيوتر، موجودًا في أرشيف الأهرام الرقمي، وهو يبدو جامدًا بالفعل كما يقول المغربي.

يقول المغربي: “إن الخط المرسوم يبرز الحدث، فهو مرن وبه حياة”.

من خلال رسم المغربى للعناوين، يتعرف قطاع كبير من الجمهور على فن الخط العربي، بعيدًا عن السياق الديني المعتاد. ولقد أصبح العنوان المنشور في الثاني عشر من فبراير عام 2011، مرجعًا في المناهج الحكومية للصف السادس الابتدائي.

بدأ اهتمام المغربي بالخط عندما كان صغيرًا، في القرية التي نشأ بها بالدقهلية. ولقد حثته والدته، التي يصفها بأنها “امرأة ريفية مثقفة”، على الاهتمام بالشعر وفن الخط.

ويعد عمله خطاطًا بالصحف أمرًا غير شائع على الإطلاق. فلا يوجد جريدة مصرية أخرى تعين خطاط لديها سوى صحيفة الأخبار، وهو لا يعمل كثيرًا، نظرًا لتقدمه في السن. أما سائر الصحف العربية فلا تعين خطاطين.

كان على المغربي أن يعلم نفسه بنفسه، كيف يغير من شكل الخط التقليدي، ليتماشى مع عرض وارتفاع العناوين الرئيسية.

يقول: “استطيع أن أكتب تلك العناوين خلال 5 دقائق. فهذا ما يتطلبه العمل بالصحافة”.

عندما يذهب إلى مقر الأهرام، ينزوي المغربي في مكتب في طابق آخر، غير الذي توجد به غرفة الأخبار، ليضمن أن أحدًا لن يرى العنوان غيره. ولقد امتنع الخطاط عن التعليق، في ما يخص التعديلات والتغييرات التي اشترك في الإعلان عنها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، لكنه رحب بالحديث عن تفاصيل حرفته. يستخدم المغربي قلم القصب، يغمسه في حبر أسود قد تم تخفيفه قليلًا بالماء، ويقوم بالعمل على قطعة من الورق المقوى، يتم بعد ذلك مسحها ضوئيًا، وتعديلها بواسطة برنامج تعديل الصور ليصبح لون الخط أحمر، ثم يتم تسليمها إلى المصممين.

يقول المغربي، مشيرًا إلى بروفة العمل الذي خطه: “قد يستغرق أي خطاط أكاديمي شهرًا كاملًا للقيام بذلك، وإذا أضفت أية تعديلات عليه سوف يفقد [العمل] قوته. وفي الحقيقة يمكنني استخدام أي قلم، ينبغي أن تكون لديك القدرة على استخدام قوة يديك وليس الاعتماد على القلم”.

يصدر عن قلم القصب صوت يشبه صوت القلم المستخدم في رسوم الكاريكاتير، ويخلف ورائه خطوطًا بارزة، ما بين خطوط التحديد التي رسمها بالقلم الرصاص، ليضمن أن يتناسب حجم العنوان مع المساحة المخصصة له.

في بعض الأحيان يتم تعديل العناوين. فبعدما قام بكتابة “محمد مرسي أول رئيس مدني في مصر”، طلب منه المحررون أن يستبدل “الجمهورية” بكلمة “مصر” للمزيد من الدقة التاريخية.

وبعد عام من ذلك، كانت هناك مناسبة أخرى تتطلب كتابة المغربي، لإبراز أهمية الحدث. وهكذا خط المغربي من يوم الثاني وحتى الرابع من يوليو عام 2013 ثلاثة عناوين متتالية، وجاء بها: “الإنذار الأخير”، و”اليوم: إقالة أم استقالة”، وأخيرًا “عزل الرئيس بالشرعية الثورية”.

اعلان