Define your generation here. Generation What
رسائل عبد الله الشامي
 
 

«وغير بعيد سيُفتح باب هذه الزنزانة واسعا دون حاجز أو حارس و سأرفع الرأس ماضيا واثق النفس قوي الإرادة. لست مجرما ولا مخربا، أنا صحفي و الصحافة ليست جريمة»، لم يكن عبد الله الشامي، صحفي الجزيرة المعتقل، يعلم أن عبارته ستكون بمثابة نبوءة تتحقق بعد شهرين من تاريخ كتابتها ضمن رسالته الأولى التي سربها من محبسه.

فبعد ١٠ أشهر من اعتقاله أثناء تغطيته فض اعتصام رابعة العدوية في ١٤ أغسطس الماضي، صدر قرار النائب العام مساء اليوم، الإثنين، بإخلاء سبيل الشامي و١٢ آخرين من المحبوسين على ذمة القضية المعروفة إعلاميا باسم «فض اعتصام رابعة»، بسبب ظروفهم الصحية.

«اسمي عبدالله الشامي، قضيت في الحياة ربع قرن، منها ثمانية أشهر مرت بين جدران أربع كل يوم فيها كأنه نسخة متطابقة لما قبله و بعده. لا شيء هنا اسمه الغد ولا جديد في الحياة. ثمانون يوما من إضرابي المفتوح مرت ولا تنازل أو رجوع حتى تحقيق هدفي بنيل الحرية الكاملة. قصتي ليست قصة فرد واحد وإنما هي عن كل صاحب كلمة حرة ودفاع عن حق فطري كفلته كل الشرائع والقوانين».

كان الشامي، بهذه الرسالة، يعلن بنفسه ويؤكد حقيقة إضرابه عن الطعام الذي بدأ في ٢١ يناير الماضي، والتي أنكرتها وزارة الداخلية لمدة شهرين في البداية، فقام الشامي خلسة بتسجيل فيديو داخل محبسه، وتسريبه للخارج يؤكد فيه حقيقة إضرابه عن الطعام، وبدا في الفيديو وقد فقد نحو نصف وزنه، وتحدث خلاله عن أرساله ٧ محاضر للنيابة يعلن فيها إضرابه عن الطعام، إلا أن النيابة لم تستجب لأي من هذه المحاضر، واستمرت السلطات الرسمية في إنكار إضرابه.

وبعد نشر الفيديو، تم نقل الشامي من محبسه في سجن طرة، إلى سجن العقرب شديد الحراسة، وهي الحقيقة التي احتاجت أسرته عدة أيام كي تعرفها.

قبل نقله إلى سجن العقرب، بدأ الشامي في الكتابة عن السجن «مجتمع السجن لا يختلف عن الخارج كثيرا.. هو صورة مما عليه المجتمع خارج الأسوار.. ربما يتساوى الناس في النوم على ذات الأرضية. لكن الحال في المعاملة ليس سواء للكل. يطلق على الناس هنا إما سياسي أو جنائي. والألوان بين أبيض في الغالب وأزرق للمحكوم عليهم و أحمر في قضايا الإعدام.. سجن الاستقبال في طرة عنابر أربعة أ ، ب ، ج ، د. الأخيران كلهم من المعتقلين على ذمة قضايا سياسية، بدءا من أحداث الثلاثين من يونيو ومرورا برمسيس ورابعة ومسجد الفتح و 6 أكتوبر وقضايا أخرى لم تأخذ حقها كأحداث ماسبيرو والسفارة الأمريكية. كذلك فالعديد من أبناء سيناء بعضهم منذ سنين يقبعون هناك».

في هذه الرسالة تحدث الشامي بلسان الصحفي، محاولا نقل ما يحدث أمامه «تصبح عليك مسؤولية هنا بأن تحاول استكمال توثيق حكايات الناس والبقاء قدر الإمكان محافظا على وعيك وذاتك. فالحكاية هنا من كل مدن مصر ومن كل طبقات المجتمع والكل هنا يشترك في وقوع الظلم عليهم بلا تمييز».

رسالة الشامي، التي كتبها بعد ٢٤٧ يوما بعد اعتقاله، ختمها بعبارة قوية «أنا لست رقما في سجلاتكم، ولا خبرا مكذوبا تنشرونه لطمس الحقيقة.. أنا صاحب إرادة.. و سأنتصر على الحواجز والعوائق.. ولا يهمني أن يعرفني الناس قدر ما أريد أن تصل الرسالة».

لم تعترف وزارة الداخلية بإضراب الشامي في البداية، إلا أنها نشرت يوم ٢٢ مايو صورا لعبد الله وأمامه طعام وشراب، وقالت أنه أنهى إضرابه ويتناول طعامه بشكل طبيعي. كانت أسرته قد زارته قبل يومين من نشر الصور، وقال شقيقه مصعب، المصور الصحفي، أن عبد الله حكى لهم عن محاولات إطعامه قسرا خلال الفترة الماضية، وأن حراس السجن أخبروه أن نقله إلى زنزانة إنفرادية بسجن العقرب، عقابا له على الإضراب.

وكانت أسرة الشامي قد نشرت رسالته الجديدة، قبل نشر الداخلية صورها «يريدون كسري.. إضرابي يزعجهم للغاية أو كوني أعمل في الجزيرة هو ما يجعلهم يعاندون معي. في الليلة الماضية نقلوني سجن العقرب وأصبت بإغماء بعد أن أطعموني بالقوة قطعة تونة. وحين جاء الطبيب (الجزار) سكب عليّ زجاجة ماء مثلج!! وانصرف فتقيأت ثلاث مرات، قبل الفجر استيقظت على ألم رهيب في بطني وظهري، وحيث ناديت على الشاويش قال لي لا أحد مستيقظا وأنت تعلم أن الطبيب لا قلب له. وضعوني منذ جئت في زنزانة إنفرادية ويضغطون على لفك الإضراب ولم يسمحوا لي بأخذ متعلقاتي من السجن الآخر. غير مسموح لي بالكلام مع أحد وأغلقوا الفتحة الصغيرة بالباب 30 أو 40 سم حتى لا أتحدث مع أحد».

كتب الشامي عن أسرته «لا أعرف كيف حال أمي، ولا ما فعلت عندما علمت. دعوت كثيرا لها ولجهاد، حبي. يا رب ساعدهم وامنحهم القوة»، وكانت زوجته جهاد خالد قد بدأت بدورها إضرابا عن الطعام تضامنا معه.

مضت ٣ أيام على نشر الداخلية صور الشامي، التي قالت عنها أسرته بعد زيارته بفترة أنه لا يعلم عنها شيئا وأنه مصرّ على إكمال إضرابه، وبدأت الطبيبتين والناشطتين الحقوقيتين عايدة سيف الدولة وليلى سويف إضرابا تضامنيا عن الطعام، ونظما مؤتمرا صحفيا أعلنا فيه تضامنهما مع عبد الشامي ومحمد سلطان في إضرابهما، ومطالبتهما بالإفراج الفوري عنهما، وذلك بعد إرسال بيان للمجلس القومي لحقوق الإنسان، موقع من ١٥٠ شخصية عامة، يطالبه بالتدخل للإفراج عنهما.

وسلطان معتقل آخر، مضرب عن الطعام منذ ٢٦ يناير الماضي، وشهدت حالته الصحية تدهورا حادا بسبب تاريخه المرضي، واضطراب معدل سيولة الدم لديه، وهو الآن محتجز بالعناية المركزة بمستشفى قصر العيني.

كانت الأحداث تتصاعد، فمع استمرار إضراب سويف وسيف الدولة، وتكرار المؤتمرات الصحفية والوقفات الاحتجاجية على سلم نقابة الصحفيين تضامنا مع الشامي وسلطان، زارت لجنة تقصي حقائق أحداث ٣٠ يونيو كلاهما.

وقال المستشار عمر مروان، أمين عام اللجنة، في مؤتمر صحفي يوم ٥ يونيو، إن الشامي خضع لكشف طبي في حضور أعضاء من اللجنة وفي وجود أسرته، ووصف حالته بأنها «ليست إضرابا عن الطعام و لكن تقليل من الطعام».

وأضاف «أن أعضاء من اللجنة قاموا بزيارة زنزانة الشامي، وتبين وجود بعض المشروبات والمأكولات، ومنها علبة جبنة وزبادي وشيبسي وكيك وعصائر ومياه غازية ومعدنية، وأنه وقع على محضر رسمي بتاريخ 14 مايو الماضي، بفض إضرابه عن الطعام».

وأكدت اللجنة أنه بحالة صحية جيدة وأنه يتلقى زياراته بمعدل كل ٦ أيام تقريبا، وهو ما كذبته الأسرة التي قالت أن آخر زيارة للشامي كانت في ١٩ مايو.

وأصدرت الأسرة بيانا جاء فيه ««كيف اعتمدت اللجنة على محضر في السجن يدعى كسر عبد الله إضرابه، وهو ما يتناقض مع تصريحات مصلحة السجون أن عبد الله غير مضرب أصلا؟»، وتساءلت، لماذا لم تتأكد اللجنة بشكل شخصي من الشامي أنه أنهى إضرابه عن الطعام، واكتفت بمحضر السجن؟

وأكملت أسرة الشامي تساؤلاتها: «كيف أثبتت اللجنة حالة عبدالله الصحية الجيدة، كما ادعت؟ لماذا لم تنشر تقرير طبي مدعم بتحليل دم كامل يثبت أن وظائف جسده تعمل بشكل جيد؟ ولماذا ادعت ان الكشف تم في وجود عائلته رغم عدم صحة ذلك؟».

ارتفعت حدة التوتر والقلق إزاء حالة الشامي، خصوصا مع تأجيل موعد جلسة تجديد حبسه أكثر من مرة، وفشل المجلس القومي لحقوق الإنسان في زيارته حتى يوم ١١ يونيو، رغم حصوله على تصريح من النيابة قبلها بنحو أسبوعين.

ومنذ بداية شهر يونيو تمكنت أسرة الشامي من زيارته مرة واحدة، نشرت بعدها رسالته التي كتبها في اليوم الثالث من الشهر الجاري، وقال فيها «فأما عن المعركة فأنا قد انتصرت فيها منذ أن بدأت أجهزة تلك الدولة كلها تحارب إضرابي وأنا فرد واحد أعزل، و أما عن كسري فلم يكن لمن امتلك إرادة كإرادتي أن ينكسر أبداً، وأما عن الضغط على زوجتي وعائلتي فهم لا يعرفونهم كما أعرفهم أنا، ولا يعرفون أن الضغط يزيد أمثالناً إصراراً. و أما عن دعم الناس فمن صدقني وصدق قضيتي من البداية لن يخذلني الآن، ومن كذبني و كذب قضيتي أيضاً من البداية لن يصدق وإن رأى أهلي يتسلمون جسدي وقد صعدت منه الروح بعد إضراب استمر شهور..

أنا لا أدري كم بقي لي على قيد الحياة في تلك الدنيا، لكنني و إن مت الآن يكفيني ليريحني أنني مدرك أن المعركة ستستمر وأن الحرية ستنتصر يوماً، وأن هناك الملايين من الصحفيين في العالم سيتذكرون أن هناك شاباً قدم حياته لئلا تقيد حرية أحدهم أبداً. وليعلم كل صحفي في العالم، أن له الحق الكامل المطلق أن يغطي أي حدث كما يراه أمام عينيه بكل شفافية ووضوح و يترك المشاهد أو القارئ وحده يحكم على ما يراه.

و ليعلم كل إنسان أنه لا حق لأحد أن يقيد حريته دون ذنب أو جريمة. أنا قد أديت رسالتي.. ونهاية كلامي وليس بعد خلاف أنني مستمر في معركتي، فإما أن أنال حريتي كاملة، أو أن أحدهم سيأتي بعد رحيلي عن الدنيا ليكمل ما بدأته أنا. ومرة أخرى، الحرية وعد لمن يظل وفياً لها».

كتب الشامي رسالته ليُخلى سبيله بعدها بـ١٣ يوما، بقرار من النائب العام نفسه الذي وقع قرارات تجديد حبسه طوال ١٠ أشهر.. ليصبح الشامي قادرا على كتابة رسالته المقبلة خارج أسوار السجن.. حرا ومنتصرا.

اعلان