Define your generation here. Generation What
مأزق الغاز غير الطبيعي
 
 

في الخامس من مايو، خلال ذروة الموجة الحارة التي جلبت للقاهرة موجة عنيفة من انقطاعات التيار الكهربائي، أثارت أخبار عن صفقة محتملة لاستيراد الغاز من إسرائيل ضجة إعلامية كبيرة.

حيث أعلن مشغلو حقل الغاز الطبيعي الإسرائيلي «تمار» عن توقيعهم خطاب نوايا، لضخ الغاز لمصنع الإسالة الخاص بالمجموعة الإيطالية الإسبانية «يونيون فينوسا»، الواقع على ساحل البحر المتوسط في دمياط.

الخطة أبعد ما تكون عن كونها مسألة محسومة، لكن بالرغم من كونها في مراحلها الأولى، جاء الخبر بمثابة صدمة للمصريين، وخلق ما يكفي من الضجيج لقيام مجلس الوزراء بنفي تلك الأخبار. خطاب النوايا الموقع بين الشركات غير ملزم، وأي خطط لبناء خط أنابيب دولي جديد تتطلب موافقة الجهات التنظيمية المعنية في البلدين.

قامت مصر حتى عام 2012، بتصدير الفائض من الغاز الطبيعي إلى إسرائيل وليس العكس، بأسعار أقل من سعر السوق. و يعكس تبادل الأدوار الذي حدث مؤخرا المشاكل العميقة في قطاع الطاقة في مصر.

ومثل جارتها في الشمال، مصر أيضا غنية بالموارد النفطية، ولكن بالرغم من وفرة الغاز الطبيعي غير المكتشف، تكافح مصر لجذب استثمار كافي في مجال النفط والغاز، لتلبية احتياجاتها من الطاقة، ناهيك عن توقيع اتفاقات تصدير جديدة.

في وقت سابق من هذا العام أعلن بعض المسؤولين، أن مصر سوف يزيد استيرادها من الغاز عن انتاجها، الغاز يعد المصدر الرئيسي للطاقة، لمحطات الكهرباء والعديد من المصانع فى مصر. وقد أدى نقص الغاز الطبيعي إلى تعريض الأعمال والمنازل في مصر لانقطاع التيار الكهربائي ونقص الوقود، مما أدى لتفاقم الأزمة الاقتصادية، وتسبب في غضب شعبي واسع.

وبالرغم من تراجع انقطاع التيار الكهربائي في أواخر أبريل، عادت الانقطاعات بقوة الشهر الماضي، ومن المتوقع أن تزداد سوءا مع الوصول لذروة الاستهلاك في أشهر الصيف.

“لقد وصلنا بالتأكيد لوقت الأزمة، وسنستيقظ على معاناة مصر من عجز الغاز الطبيعي”، يقول دافيد باتر، خبير الطاقة وزميل معهد شاثام هاوس للأبحاث. ويضيف باتر: “انخفض الإنتاج سريعا بسبب نقص الاستثمارات، وارتفع في نفس الوقت الطلب، وتغيير هذا الوضع سيكون صعبا للغاية”.

جاء الإعلان عن صفقة الغاز، في أعقاب تواتر أخبار أخرى، تسلط الضوء على أسباب مواجهة البلاد صعوبات محتملة لجذب المستثمرين. شركة الطاقة البريطانية «بريتيش جاس»، في تقريرها ربع السنوي، كشفت أنه لم يتم تصدير شحنة واحدة من الغاز الطبيعي المسال المصري منذ بداية العام.

وفي الوقت نفسه، راكمت الحكومة المصرية مبلغ 200 مليون دولار أمريكي إضافي على الفواتير غير المسددة، ليصل مجموع الديون غير المسددة لـ«بريتيش جاس» إلى 1.4 مليار دولار، منها 700 مليون دولار فات موعد استحقاقها.

وجاء هذا الإعلان بمثابة أحدث حلقة في سلسلة من الأخبار السيئة من «بريتيش جاس»، والتي استقال رئيسها التنفيذي كريس فينلايسون في 28 أبريل الماضي.

في يناير، أعلنت الشركة عن وجود قوة قاهرة، قائلة إنها كانت غير قادرة على تلبية عقود التصدير، لأن الحكومة المصرية كانت تحوِّل الكثير من الغاز للإستخدام المحلي.

مثلها مثل جميع شركات الطاقة المتعددة الجنسيات في مصر، تعمل «بريتيش جاس» بموجب اتفاق تقاسم الانتاج مع الحكومة المصرية، فتقوم الشركة بتوفير رأس المال والخبرة اللازمة لتحديد مكان الموارد النفطية في مصر وتطويرها، ويحق لها في المقابل الحصول على حصة من الغاز المُكتَشَف، والذي يتم تخصيص جزء منه للتصدير، وجزء للبيع في السوق المحلي، في حين يذهب الباقي للحكومة المصرية، بغرض الاستخدام المحلي، أو لبيعه لدول أخرى، بما في ذلك إسرائيل، كما حدث في السنوات الماضية. بحلول يناير، أخذت الحكومة تقريبا كل الغاز من «بريتيش جاس» للاستخدام المحلي، مما دفع الشركة لإعلان وجود قوة قاهرة.

أحدث نتائج «بريتيش جاس» تشير إلى أن الوضع لم يتحسن، ففي الربع الأول من العام، كانت الشركة تنتج ما يعادل 660,000 برميل نفط يوميا ـ بمعدل أقل 35 في المئة عن الربع السابق، ولكنها لا تزال كمية كافية للتصدير، عبر محطة تسييل الغاز في إدكو، على ساحل البحر المتوسط​​، ومع ذلك لم يتم تصدير أي غاز في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2014، ومتوقع تصدير شحنة واحدة فقط بحلول نهاية يونيو.

على الرغم من مشاكل الشركة، كان مديري «بريتيش جاس» في أواخر يناير لا يزالون مصرين على التزامهم بتشغيل مصنع الغاز الطبيعي المسال في إدكو، لكن الشركة قامت بإتخاذ موقف أكثر تشددا هذا الشهر.

“في ظل غياب جهود ملموسة من الحكومة المصرية، يتعرض مستقبل العمليات التجارية المصرية للغاز الطبيعي المسال لخطر متزايد”، قال أندرو غولد، رئيس مجلس الإدارة التنفيذي المؤقت للشركة، خلال مؤتمر مع خبراء الطاقة في الأول من مايو.

الأخبار في المحطة الأخرى لتصدير الغاز الطبيعي المصري، في غرب قناة السويس في دمياط، ليست أفضل حالا، فالإنتاج هناك في حالة جمود منذ العام الماضي، وكانت «يونيون فينوسا»، وهي المجموعة التي تمتلك 80 في المئة من هذا المصنع، قد رفعت دعوى قضائية ضد مصر، في المركز الدولي لتسوية منازعات الإستثمار (إكسيد) التابع للبنك الدولي.

هذا  المصنع، الذي لا يحرك ساكنا بسبب تحويلات الحكومة للغاز، هو الذي سيتم معالجة الغاز الإسرائيلي فيه، إذا تم الانتهاء من صفقة «يونيون فينوسا» وحقل «تامار» الإسرائيلي. وتتوقع شركة «نوبل» للطاقة إبرام عقد مدته 15 عاما، بمعدل نحو 440 مليون قدم مكعب يتم بيعها يوميا.

ووفقا للسيد باتر، ليس من المستبعد أن نرى صفقة مشابهة في إدكو، حيث تمتلك «بريتيش جاس» حصة هناك.

ويضيف باتر: “سيحقق هذا الاستفادة من مرافق تصدير الطاقة، والتي ترقد جميعها الآن خاملة لبعض الوقت. سيكون هناك بعض الإيرادات القادمة من هذا الترانزيت، والذي يمكنها أن توفر بعض المال، ليتم صرفه على الواردات في نفس الوقت. يجب أن يتم مناقشة ذلك سياسيا، ويتم طرحه من قبل الحكومة كشىء يصب في المصلحة الوطنية لمصر”.

روبن ميلز، رئيس الاستشارات في شركة منار للطاقة ومقرها دبي، يشير إلى أن المسألة ممكنة تماما من الناحية الفنية، لكنها شديدة الصعوبة من الناحية السياسية، فأي صفقة مع أسرائيل ستكون مثيرة للجدل، لكنها تأتي في وقت من المرجح أن تُنتقد فيه حتى الصفقات التي تهدف لجذب الاستثمارات.

ويقول باتر: “من الممكن أن يتم انتقاد أي توصل إلى حزمة جذابة لشركات النفط والغاز الأجنبية تدفعهم للاستثمار الكثيف، على أرضية وطنية.”

ميل مصر لتراكم الديون وأخذ حصة من الغاز أكثر من المتعاقد عليها، أضر بصورة مصر كوجهة آمنة لشركات النفط والغاز، “ويرسل إشارة سلبية للغاية للمستثمرين” على حد قول ميلز.

يضع هذا مصر في موقف ضعيف عند توقيع صفقات نفط وغاز جديدة.

“تقول الحكومة: ’عفوا، لا يمكننا فعل شىء بشأن السداد، لذا عليكم التحلي بالصبر‘.. لكن هذا عموما لا يصلح في التفاوض، أن تسأل شخص ما أن يفعل شيئا بدون مقابل”، هكذا قال مارك فنتون، مدير عام شركة دانة غاز مصر في مؤتمر في شهر مارس الماضي. قبل أن يضيف: نحن نقبل بوجود نقص في الأموال، ولكن ما يمكنهم القيام به، هو أن ينظروا إلى عقودهم، ويتفاوضوا على تغيير تلك العقود، بحيث يتم تشجيع الشركة أكثر على الاستثمار”.

في شهر فبراير الماضي، قامت مصر بالفعل بتقديم امتيازات جديدة للشركات، بما في ذلك شركة دانة غاز، التي وقعت على عقود جديدة، تمنحها حقوق استكشاف الغاز الطبيعي. وبعكس الممارسات السابقة، سيتم السماح للشركات بتجاوز الحكومة، وبيع الغاز مباشرة إلى المستخدمين النهائيين مثل مصانع الصلب. وبموجب العقود الجديدة، ستكون الشركات قادرة على التفاوض على أسعار الغاز بعد تحديد تكلفة الإكتشاف، بدلا من الإلتزام بسعر ثابت يتم تحديده وقت التوقيع.

تعد هذه الامتيازات بمثابة أمر بغيض بالنسبة للنقاد، الذين يشعرون أن مصر تخسر كثيرا بالفعل عندما تتفاوض على اتفاقات تقاسم الإنتاج. ومع ذلك، يعد كل شيء تقريبا أكثر قبولا على المستوى السياسي، مقارنة بحل يتفق المحللون على كونه أضمن وسيلة لحل المشكلة، وهو إلغاء دعم الطاقة، والذي يشكل حاليا ما يزيد على 20 في المئة من ميزانية مصر.

بلغت فاتورة دعم الوقود في مصر 99.6 مليار جنيه، في السنة المالية 2013/2014، يذهب 40 في المئة منها إلى الديزل، و 23 في المئة للبوتاجاز، و8 في المئة تذهب إلى الغاز الطبيعي. في حين أن هذا السخاء ربما كان يمكن تحمله عندما كان هناك فائض من الطاقة في مصر. تشتري الحكومة الآن الوقود في السوق العالمية، وتبيعها في السوق المحلية بالخسارة. أما وزارة البترول التي كانت تعد مصدرًا للسيولة، مدانة الآن بنحو 6 مليار دولار لشركات النفط.

بالإضافة إلى ذلك، يتم دعم الكهرباء مرتين، فيحصل منتجو الكهرباء على الوقود بأسعار أقل من التكلفة، ويتم بيع الكهرباء بعد ذلك بسعر أقل من تكلفة الإنتاج. وتعاني الجهات المنتجة للكهرباء من نقص في السيولة، يؤثر فى قدرتها على الحصول على الوقود وصيانة المحطات، ناهيك عن بناء محطات توليد الكهرباء التي نحتاجها بشدة ـ ويظهر عدم استدامة هذه الإسترتيجية كل مرة ينقطع فيها التيار الكهربائي.

لن يكون رفع الدعم بالأمر الهين، بسبب تعود الشركات والمواطنين، من جميع ألوان الطيف الاجتماعي والاقتصادي، على الحصول على طاقة منخفضة التكلفة. ويقول باتر: “في ظل اعتماد الاقتصاد على القدرة على الحصول على الطاقة بأسعار زهيدة، يجب على أي إصلاح أن يتضمن شبكة ضمان اجتماعي، وهذا ليس بالأمر الذي من الممكن أن يحدث بيسر أو سريعا”.

لكن الخبراء يقولون أن إصلاح منظومة الدعم قد يكون لا مفر منه، ويخلص ميلز إلى أن الحكومة، ببساطة، ستضطر إلى مواجهة الأمر والقيام بذلك.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن