Define your generation here. Generation What

اقتصاد السيسي ودولة مبارك

كمحرر اقتصادي، كنت أعتقد أن صباح أول يوم في الانتخابات الرئاسية سيكون مجرد يوم عمل تقليدي، فالاهتمام فى صالة تحرير الجريدة سيكون منصبا علي أقسام المتابعة الميدانية، التي ينتشر مندوبوها لمراقبة عمليات التصويت، وتصوير لقطات لوجوه المواطنين المهتمين بالمشاركة في اختيار الرئيس القادم.

ولكن في منتصف اليوم، تلقيت بيانًا مطولًا، يشرح أهم بنود موازنة العام المالي الجديد، ويتحدث بلغة واضحة عن القضية التي شغلت الصحف لعدة أسابيع سابقة، وهي خفض دعم المواد البترولية، بحوالي 36 مليار جنيه، أو بلغة البيان الرسمي “تحريك الاسعار”.

اجتهد البعض في إرجاع  اختيار الحكومة لتوقيت اعلان مشروع موازنة 2014-2015، إلي رغبتها في الافصاح عن خطط إعادة هيكلة الدعم، في لحظة ينشغل فيها الرأي العام بالمنافسة الانتخابية، بينما اعتبر آخرون أن الحكومة لا تريد توريط الرئيس المنتخب، في تحمل مسئولية تلك الإجراءات المؤلمة اجتماعيا، وأيًا كان التفسير الصحيح، فالأغلب أن الفائز في تلك المعركة الانتخابية، عبدالفتاح السيسي، يعتزم تطبيق اجراءات الموازنة المثيرة للجدل، يتضح ذلك من تصريحاته السابقة عن الازمة الاقتصادية وضرورات ترشيد الإنفاق، لذا فالكثير من المهتمين بالشأن العام في مصر، مشغولون بالتفكير في ماهية التوازنات السياسية التي سيستطيع السيسي أن يعتمد عليها، للتعامل مع ملف الدعم، الذي يؤثر بشكل مباشر علي حياة المصريين.

لو كان الاقتصادي الراحل سامر سليمان، صاحب كتاب “النظام القوي والدولة الضعيفة”، حيا بيننا، ربما يشتبك في هذا النقاش قائلا: «لقد بدأت الدولة بالفعل في بناء التحالفات السياسية لتحرير الدعم، ربما بنفس طريقة مبارك، ولكن هل ستنجح هذه المرة؟». هذا الحديث المُتخيل تستطيع أن تقرأه في سياسات نظام 3 يوليو، وحين تقارنها بسياسات مبارك الاقتصادية.

قدمت سلطة 3 يوليو  للمصريين خبراً جيدًا، وآخر مزعج للغاية، الجيد، أنها تعتزم تطبيق الحد الأدني للأجورعلي موظفي الحكومة، ليصل مجمل دخل الموظف إلي 1200 جنيه، وهو خبر له ثقل سياسي لا يمكن الاستهانة به ، فرقم 1200 جنيه يعبر عن مطلب خرج من أوساط عمال غزل المحلة عام 2008، في لحظة سخط شعبي، ربما كانت البداية لمسلسل التصعيد ضد مبارك حتي الاطاحة به، وعلي مدار السنوات الماضية، كان العمال يتداولون مطلب الـ1200 جنيه، كرمز لمطالب الشارع الثورية، وكلنا نذكر القيادي العمالي كمال أبو عيطة وهو يهتف: «حد أدني للأجور.. للي ساكنين في القبور»، وهو نفس الرجل الذي استدعته سلطة 3 يوليو لتولي وزارة القوي العاملة، ثم أصدرت قرارها بتطبيق الحد الأدنى الجديد، أي أننا أمام محاولة صريحة لخلق انطباع لدي أوساط العمال، بأن السلطة الجديدة تقف معهم ضد سياسات مبارك.

صحيح أن الحد الأدنى للأجور لم يطبق على عمال شركة غزل المحلة وباقي عمال القطاع العام، وهو ما يتحدث عنه مصطفى بسيوني، الصحفي المتخصص في الشأن العمالي، بوصفه “مفارقة”، إذ أن القطاع العمالي الذي أطلق هذا المطلب، من القطاعات التي لا تزال مستثناة من تطبيقه، إلا أن ما يزيد عن 5 مليون موظف بالجهاز الإداري للدولة، لهم ثقل سياسي أكبر بكثير من عمال القطاع العام، كما أن ارضاء موظفي الدولة، كان ولا يزال هدفًا استراتيجيا لأي نظام سياسي، لأنهم قطاع مهم من الطبقة المتوسطة، فهم الأعلي صوتا، مقارنة بالطبقات المهمشة، وأيضا، الأكثر قدرة علي تنظيم انفسهم للإحتجاج، مقارنة بعمال القطاع الخاص، المتفرقين في منشآت خاصة متعددة.

نأتي إذن للخبر المزعج، وهو بالطبع حديث السيسي عن التقشف.

مهد الوضع المالي الحرج، الطريق للسيسي، لكي يصارح الناس بخططه لترشيد الإنفاق، خاصة وأن الحليف الإماراتي، بدأ هو الآخر يتحدث في الأشهر الأخيرة من 2013، عن ضرورة اعتماد مصرعلى نفسها، بعد حزمة المساعدات السخية، التي قدمتها عقب الاطاحة بمحمد مرسي، وكان من أبرز النفقات التي دعا السيسي لترشيدها هي الطاقة، وتحدثت حكومة حازم الببلاوي، ومن بعدها حكومة إبراهيم محلب، بشكل صريح عن نية الدولة في تحرير أسعار الطاقة خلال خمس سنوات، وهو ما يعني أن الشق الأكبر من تلك المهمة، سيتولاه الرئيس القادم، الذي سيمكث في الحكم أربع سنوات.

لماذا تقدم سلطة 3 يوليو للطبقة المتوسطة الحد الأدنى باليد اليمنى، ثم تمهد الطريق لتقليص الدعم الموجه لهم باليد اليسرى؟.. هنا علينا أن نستمع لسامر سليمان وهو يحدثنا عن اقتصاد مبارك، حيث يشرح الاقتصادي الكبير في كتابه، أن نظام مبارك نجح فى التخفيض التدريجى لدعم الغذاء، بدون إثارة ردود فعل عنيفة، ولكنه يلفت انتباهنا إلى أن “الرشادة الأمنية” كانت تتطلب أن يركز نظام مبارك على تأمين الحد الأدنى من الدخل، لبيروقراطية الدولة “لأنها هى القاعدة الأساسية للنظام، حتى لو اقتصر تأييدها على مجرد الدعم السلبى أى الامتناع عن الخروج عليه”، ويدلل على قوله بالإشارة إلي زيادة نصيب الأجور من الإنفاق العام من 17% فى 1982-1983 الى 23.4% فى 2000-2001.

برنامج سلطة 3 يوليو يقوم إذن على فلسفة الدولة العميقة، في الحفاظ على التوازن السياسي اللازم لتمرير اجراءات حرجة كتقليص الدعم، ولا شك أن تكلفة دعم الطاقة تفاقمت، إلى الدرجة التي جعلت استمراره مسألة غير مستدامة، وفي هذا السياق يطرح الخبراء في مصر، ومنظمات التمويل الدولية، عدد من الأفكار، لبناء نظام اجتماعي جديد، لا يقوم على السيطرة على الأسعار، من خلال تثبيت أسعار الطاقة ولكن على تقديم أشكال مختلفة من المساعدات الاجتماعية، كالمعاشات والخدمات الصحية وغيرها، لا تكلف الموازنة التكلفة الباهظة للدعم، وتحقق نتائج تنموية أفضل، ولكن هل يفكر القلب السياسي للدولة بهذا المنطق؟

سلطة 3 يوليو أنشأت في وزارة المالية، وحدة للعدالة الاقتصادية، لبحث البرامج الاجتماعية التي سيتم تنفيذها مع تحرير أسعار الطاقة، وعينت غادة والي، وهي خبيرة بارزة في مجال السياسات الاجتماعية، وزيرة للتضامن الاجتماعي، وهي أيضا اشارة ايجابية على اهتمام تلك السلطة بهذا الملف، كما أن الحكومة رفعت في الموازنة الجديدة من قيمة معاشات الضمان الاجتماعي، إلي 12 مليار جنيه، بهدف التوسع في تقديمه إلى الفئات الأكثر فقرا، وهو أحد الاصلاحات التي تعول عليه، للتخفيف من آثار تحرير أسعار الطاقة، إلى جانب سياسات أخرى، كالرفع التدريجي للإنفاق علي التعليم والصحة كما نص الدستور الجديد .

ولكن المفارقة أن فلسفة النظام الاجتماعي الجديد، الذي يدور النقاش حوله الآن في أروقة الدولة، والمستوحاة من التجارب الدولية الناجحة في العالم النامي، تقوم بدرجة كبيرة علي التغطية الشاملة للمواطنين بالبرامج الاجتماعية والوصول للفقراء بالمساعدات النقدية، وهو نمط من السياسات يصعب أن ينجح، إلا في سياق ديمقراطي يشجع المواطنين على الاندماج في نظام الدولة الاجتماعي، يأتي ذلك في الوقت الذي تضيق فيه الدولة علي حرية التعبير بشكل متصاعد، منذ يوليو الماضي، في ظل الصراع بينها وبين أنصار الرئيس المعزول، ويدافع الرئيس الجديد بشكل واضح عن قانون تنظيم التظاهر، الذي تسبب في سجن عدد كبير من النشطاء السلميين، وهذه الاجواء السياسية يصعب أن يبني فيها نظام اجتماعي جديد، يهدف إلي دمج الغالبية العظمي من المواطنين، في نظام واحد للتأمين الصحي والتأمينات الاجتماعية، ويصل إلى الفقراء بالدعم النقدي وخدمات التعليم والصحة، دون أن تتعرقل تلك الخدمات الاجتماعية في عقبات المحسوبية والفساد قبل أن تنالها يد الفقير.

لذا أعتقد أن نجاح نظام 3 يوليو، في الحصول علي الشرعية السياسية بتنصيب السيسي رئيسا، سيكون بداية مشكلات لهذا النظام وليس نهايتها.

اعلان