Define your generation here. Generation What
«القبضة الإلكترونية».. حماية أم مراقبة المجتمع؟
 
 

منذ نشرت جريدة الوطن، أمس الإثنين، بنود كراسة الشروط الخاصة بمناقصة وزارة الداخلية، للحصول على نظام لـ«رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي»، والأسئلة والتعليقات لم تتوقف، فضلا عن السخرية التي اجتاحت شبكات التواصل الاجتماعي، من محاولة فرض رقابة على الإنترنت، المساحة الأكثر زخما في المجتمع المصري.

هل الغرض من المنظومة الجديدة حماية المجتمع أم مراقبته؟ هل الأمر متعلق بما يتم نشره في المجال العام فقط، أم يخترق خصوصية الرسائل والمحتوى الخاص للأفراد؟ هل المراقبة أمر جديد أصلا، أم أنها متبعة منذ سنوات؟ هل ستؤثر المنظومة الجديدة على الحريات الشخصية والحريات العامة في التعبير والمعرفة وتداول المعلومات؟ كلها أسئلة أثارها سبق «الوطن».

وفقا لكراسة الشروط، فالنظام مطلوب منه تحديد اتجاهات الرأي العام، الموضوعات الأكثر تداولا، ومعدل نمو الموضوعات الأقل تداولا على شبكات التواصل الاجتماعي، مع إمكانية حصر ذلك بنطاقات زمنية وجغرافية محددة، فضلا عن تحديد الشخصيات ذات الصلة بهذه الموضوعات، سواء بالكتابة والترويج لها، أو إعادة النشر والتعليق والإعجاب، بالإضافة إلى إمكانية الاطلاع على الشخصيات المتفاعلة، والتي تجمعها صلات بأشخاص موضوع البحث. وخارج نطاق شبكات التواصل الاجتماعي، فالمناقصة تطلب أيضا أن يكون النظام قادر على تتبع مواقع إلكترونية بعينها وما تنشره، ومتابعة كتاب الرأي وتطور مقالاتهم ورصد تغيّر آرائهم.

نسخة «غير واقعية» من رواية ١٩٨٤

بالنسبة لوائل خليل، الناشط السياسي ومهندس الاتصالات، فإن المناقصة تعكس رغبة جامحة من السلطة في التدخل والتحكم في المجال العام والسيطرة على المجتمع، محيلا إلى قائمة المخاطر الأمنية من وجهة نظر «الداخلية»، التي تم ذكرها في بداية كراسة الشروط، واشتملت على نقاط عديدة، بداية من نشر الشائعات والدعوة للمظاهرات والاحتجاجات والسخرية اللاذعة واستخدام ألفاظ نابية والخروج على ثوابت المجتمع، وصولا إلى طرق تصنيع المتفجرات، فضلا عن بعض النقاط غير المألوفة، مثل تتبع العورات ونشر الخرافات والادعاء بحدوث معجزات.

يضيف خليل بلهجة ساخرة: «كأنهم يحاولون إنتاج رواية ١٩٨٤ لجورج أورويل، لكنهم سيفشلون بطبيعة الحال، فالمناقصة تعكس جهل تقني مذهل، فحجم المعلومات المطلوب تتبعها هائل، يحتاج إلى إنفاق مئات الملايين من الجنيهات لتوفير نظام ضخم ومحكم، وتشغيل جيش من الباحثين والمحللين»، بالنسبة لخليل هذا البرنامج سيكون إهدارا لموارد الدولة، «سينفقون مئات الملايين وفي النهاية سينتهي الأمر إلى متابعة عدد محدود من مستخدمي الإنترنت، وهو الأمر نفسه الذي كان يتم في السابق دون كل هذه النفقات. أي فائدة ستعود عليهم من متابعة هذا الكم الهائل من المعلومات التي تتدفق يوميا عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟!».. يتساءل خليل.

رامي رؤوف، الباحث في شؤون الأمان الرقمي وحرية المعلومات، يرى أن المناقصة تعكس خوف النظام من أي شيء مختلف، ويقول: «أغلب البنود المطلوب رصدها وفقا لكراسة الشروط لا علاقة لها بالإرهاب، وتتضمن معايير فضفاضة ومطاطة تؤثر بشكل أساسي على الحق في المعرفة والتعبير».

يعود خليل ليؤكد: «أعتقد أن الإعلان عن هذه المناقصة سيؤدي لتأثير عكسي، بعد معرفة الناس أن هناك من يسمعهم ويجمع بيانات عما يقولونه ويحللها، سيتعمدون أن تصل رسائلهم بشكل أكثر وضوحا، مثلما حدث أمس مع هاشتاج “إحنا متراقبين”، فهناك مئات الآلاف ممن شاركوا في السخرية من الرقابة على الإنترنت، هكذا سيكون الأمر دائما فماذا سيفعلون مع مئات الآلاف؟!».

 هل تقف «الداخلية» عند مراقبة المحتوى العام فقط؟

رغم أن معظم بنود كراسة الشروط، تركز على جمع وتحليل البيانات المنشورة علنا على شبكات التواصل الاجتماعي، وبعض المواقع الإلكترونية والمنتديات، وهو ما يقع داخل إطار قياس الرأي العام، إلا أن رؤوف يلفت إلى خطورة البند المطروح في المناقصة، والذي يطالب الشركات المتقدمة بتوفير نفس الإمكانيات مع تطبيقات مثل «فايبر» و«واتس آب»، وهما تطبيقان يستخدمان في المراسلات الخاصة عبر الهواتف المحمولة، وهي محمية وفقا للمادة ٥٧ من الدستور، التي تنص على «للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب، ولمدة محددة، وفى الأحوال التي يبينها القانون. كما تلتزم الدولة بحماية حق المواطنين فى استخدام وسائل الاتصال العامة بكافة أشكالها، ولا يجوز تعطيلها أو وقفها أو حرمان المواطنين منها، بشكل تعسفى، وينظم القانون ذلك».

ووفقا لرؤوف فإن السلطات المصرية لها باع طويل في التجسس عبر الإنترنت وهواتف المحمول، تم اكتشافها بشكل مؤكد عقب اقتحام مقار أمن الدولة في مارس ٢٠١١، عقب المطالبات المستمرة منذ اندلاع ثورة ٢٥ يناير، بحل الجهاز الأمني سيء السمعة في أوساط السياسيين والمهتمين بالمجال العام، فبالنسبة لرؤوف، وزارة الداخلية  ليست منزّهة عن محاولة التجسس على الأفراد، كما يحاول قيادات الوزارة الإشاعة في وسائل الإعلام المختلفة، «المحادثات والمراسلات الشخصية من خلال برامج الهواتف المحمولة والويب، محتوى شخصي غير علني وغير عام، ولا يجوز التجسس والتنصت عليه لأي سبب. واختراق خصوصية المواطنين من خلال التجسس والتنصت علي المراسلات الشخصية لا يحقق الاستقرار ولا يقلل من احتمالية الجريمة ولا يتفادى الارهاب».. يقول رؤوف.

وتشير الوثائق التي انتشرت عبر الإنترنت وقتها، أن الدولة حاولت عقب انتفاضة مدينة المحلة سنة ٢٠٠٨، أن تشكّل غرفة طوارئ، تكون مسؤولة عن حجب الإنترنت عن مدينة أو محافظة أو عدة محافظات، حجب وإبطاء مواقع إلكترونية بعينها، سرعة الحصول على بيانات مستخدمي شبكة الإنترنت والبصمة الإلكترونية عقب استخدامها لفترة لا تقل عن ٣ أشهر، ومنع خدمات التليفون المحمول عن منطقة أو مدينة أو محافظة، وحجب الرسائل القصيرة الدولية الواردة من خارج البلاد.

فضلا عن وجود وثيقة أخرى، هي الأهم هنا، عن مفاوضات وزارة الداخلية مع شركة أنظمة الاتصالات الحديثة، وكيل شركة جاما الألمانية العالمية في مصر، والمتخصصة في صناعة  البرمجيات والأنظمة الإلكترونية الأمنية. ووفقا للوثيقة فقد جرت المفاوضات لشراء برنامج Finfisher.

وتشير الوثيقة، التي تحمل تاريخ ١ يناير ٢٠١١، إلى أن الشركة منحت وزارة الداخلية نسخة تجريبية، تم استخدامها لمدة ٥ شهور. وأثبتت فترة التجريب أن البرنامج قادر على إختراق البريد الإلكتروني بالكامل، والحصول على البيانات والمراسلات الواردة عليه، فضلا عن اختراق الحسابات الشخصية على شبكة Skype.

فضلا عن قدرة الجهاز على زرع نظام تجسس كامل على جهاز الكومبيوتر المخترق، يسمح بتسجيل المحادثات الصوتية والمرئية على شبكة الإنترنت، وتشغيل الكاميرا الملحقة بجهاز الكومبيوتر، لتسجيل المحادثات والتحركات الواقعة في نطاقها، بالإضافة لنسخ كافة محتويات جهاز الكومبيوتر واختراق الشبكة المحلية المتصل بها.

يضيف رؤوف على هذه المعلومات، أن «الداخلية» لم تكن تمتلك هذا البرنامج فحسب، لكنها أيضا امتلكت برامج أخرى تقوم بنفس المهمة منها RCS و Blue coat.

بالنسبة لرؤوف، فهذه الوثيقة وما تم اختباره عمليا أيام الثورة يؤكدان إمتلاك الوزارة ما يكفي من الإمكانيات لاختراق أي نطاق خاص تريد اختراقه، كالإيميل وأجهزة الكومبيوتر، وجمع بيانات شخصية، ليس فقط عن طريق أنظمة التجسس، لكن عبر التعاون أيضا مع مقدمي خدمة الإنترنت والهواتف المحمولة في مصر، الذي يتيح للسلطات سيطرة كاملة على شبكة الاتصالات.

قياس أم توجيه للرأي العام؟

شادى سمير، خبير تقنيات الويب في المؤسسة العربية التعبير الرقمي «أضف»، يلقي الضوء على البند الوارد في كراسة الشروط، والخاص بإنشاء وإدارة حسابات على شبكات التواصل الاحتماعي، واستخدامها في نشر محتوى مكتوب ومسموع ومرئي، فضلا عن النقطة الواردة في البند الأول من الكراسة، والتي تطرح إمكانية «التواصل والتفاعل مع الشباب الواعى الغيور على وطنه، لرصد الأفكار الهدامة التى تنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعى، وبحث سبل تفنيدها، والتصدى لها».

بالنسبة لسمير، فنحن هنا أمام أداة للنشر والتأثير على الرأي العام بشكل واضح، وليس فقط قياس اتجاهات الرأي، وهو ما يتفق معه خليل، مضيفا: «نحن نتحدث عن لجان إلكترونية مثل تلك التي استخدمها الحزب الوطني والإخوان المسلمين، لكن من نوع جديد، حيث يتم إدارتها عبر النظام المطلوب شراءه».

سمير يقلقه أن تكون كل هذه الإمكانيات متوافرة تحت يد الدولة دون ضوابط قانونية كافية لضمان عدم اختراقها خصوصية المواطنين، أو التلاعب بالرأي العام، خاصة مع تأكيده أن ما تطلبه «الداخلية» متوفر تقنيا، وهناك أنظمة مثل Prism، المستخدم بواسطة وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة الأمريكية، والقادر على القيام بكل المطلوب في المناقصة بل وأكثر، فوفقا لرؤوف: «Prism قادر على الوصول لأي محتوى رقمي على الإنترنت، سواء خاص أو عام، وبتنسيق أو بدون تنسيق مع الشركات المقدمة للخدمات المختلفة».

رؤوف وسمير يقران بأن التحدى الحقيقى أمام هذا المشروع، هو قدرته على التعامل مع المحتوى المكتوب باللغة العربية، بسبب اختلاف طرق الكتابة بين الفصحى والعاميات المختلفة، فضلا عن الكتابة بأحرف إنجليزية، يقول سمير بلهجة ساخرة: «إحنا كمطوري برامج نحب جدا نتفرج على نظام يقدر يعمل كده».

اعلان