Define your generation here. Generation What

أين مياه الشرب في سيناء؟

أيام قليلة مضت على 25 إبريل (عيد تحرير سيناء)، ربما كانت الأيام الأصعب التي مرت على شبه جزيرة سيناء، فكل شيء متوقف: العمل، شبكات المياه، والطرق أيضًا التي قطعت من قبل نقاط للجيش، وهو ما دفع العديد من شباب سيناء وسكانها للتهكم من المسمى السابق لذلك اليوم: “عيد التحرير”!

بينما كانت الأجهزة البيروقراطية وإعلامها الرسمي تحتفل بتحرير سيناء مثلما كان يحدث وقت حكم مبارك، كان على سكان العريش (عاصمة شمال سيناء) ومدينتي الشيخ زويد ورفح الحدودية توفير احتياجاتهم من مياه الشرب وتخزين ما يكفيهم لأسبوع، ذلك بعد توقف ضخ مياه الشرب في الشبكة الرئيسية للأسبوع الثالث على التوالي، فلقد طالت الأزمة العريش بعد سنوات من تفشي أزمة مياه الشرب في المدن والقرى الحدودية.

دفعت مشكلات سيناء ـ وعلى رأسها أزمة المياه ـ قطاعًا واسعًا من السكان للبحث عن معنى آخر للتحرير، سواء التحرر من القمع الأمني وتنميط الإعلام الرسمي لهم وتصويرهم جميعًا على أنهم إرهابيون، أو ربما التحرر الحتمي من أزمة مياه الشرب التي قد تستمر لأسابيع أخرى أو شهور أو ربما لسنوات.

“أين مياه الشرب؟”، هذا هو السؤال الذي كان يردد في أغلب شوارع وبيوت شمال سيناء منذ شهر على الأقل. المعلومة الأولى التي توصل إليها الأهالي هي انهيار بئر تخزين العريش الرئيسية.

كان المشهد مفزعًا بالفعل يوم “تحرير سيناء”؛ إذ علم الأهالي أنهم سوف يحرمون من مياه الشرب بجانب حرمانهم من مياه الزراعة التي وعدوا بها منذ 30 عامًا.

***

استعد المهندس منظور الغول، المشرف على محطة الخزان العالي (وهى محطة رفع مياه الشرب) مع مجموعة حملات الإصلاح والصيانة من مهندسين وعمال تابعين للشركة القابضة لمياه الشرب؛ للبدء في اعمال صيانة بمحطة الشيخ زويد، وفى ساحة المحطة، أخبرني عدد من العمال أنه المنوط بالإجابة على أسئلتي حول حجم المشكلة.

قال الغول لي بدايةً” إن سيناء عمومًا لا يوجد بها محطات إنتاج للمياه، وإن جميع المحطات الموجودة هي محطات رفع مثل محطات (المساعيد وساقية السمران والريسة وكرم أبو نجيلة )، بعد أن أصبحت ترعة الإسماعلية هي المصدر الأساسى وربما الوحيد لمياه الشرب في سيناء.”، ولكن ما يصل سيناء من مياه ترعة الاسماعيلية لا يكفي.

تنقل المياه من الإسماعيلية لمسافة 180 كيلو مترًا، تمر خلالها على محطة تكرير القنطرة في خطين أحدهما بقطر 1000 والآخر 700 مليمتر، وهو ما يجعل هناك إهدارًا يصل لـ 15% من حصة سيناء في المياه. كما انخفضت حصة محافظة شمال سيناء منذ عامين، ويقاس هذا الانخفاض من 60 ألف متر مكعب إلى 30 ألف متر مكعب، بحسب قراءة عداد محطة “التلول” التي تقع على بعد 50 كيلو مترًا من العريش.

يرجع الغول انخفاض حصة شمال سيناء من مياه الشرب لعدة عوامل، تحديدًا مع بداية ثورة يناير؛ إذ قام عدد كبير من أصحاب المزارع بتوصيل خراطيم من خط مياه الشرب الرئيسى لري مزارعهم بعد يأسهم من وصول مياه ترعة السلام التي وعدوا بها من قبل الدولة، بالإضافة إلى تحميل جزء من محطات مياه الشرب بالقنطرة شرق (وهى تابعه لمحافظة الإسماعلية) على نفس الخطوط الخاصة بسيناء.

لم تستطع الرقابة الحكومية حل أزمة نقص المياه التي زادت من شكاوى وغضب الأهالي خلال تلك الفترة، فبالرغم من سيل شكاوى الأهالي؛ فإن كل ما تم تسجيله من مخالفات لا يتعدى 30 مخالفه لسرقة مياه الشرب بغرض الزراعة ـ بحسب تصريح مدير حملة التفتيش بمديرية التموين بشمال سيناء، وهو عدد قليل نسبة إلى الكمية المهدرة من المياه، كما أن العقوبات ليست رادعة بما يكفي لتغيير الوضع.

كما كان من المفترض أن تزيد حصة المياه مع توطين السكان في سيناء ـ وفق خطة جذب للعمالة  بدأتها الحكومات المتعاقبة منذ تحرير العريش العاصمة، إلا أن العكس هو ما حدث.

لم يكن أمام مجموعة المهندسين العاملين بمحطات المياه في سيناء سوى التقدم باقتراح إلغاء هذه الخطوط والمحطات التي تقوم برفع المياه للمنازل تمامًا، والتوجه نحو إنشاء محطات تحلية وتنقية من الآبار؛ حيث يمكن توجيه تكلفة التكرير والنقل وتشغيل محطات رفع المياه من خطوط الإسماعيليه، لإنشاء محطات إنتاج وتحلية مياه البحر بطريقة الحفر ثم فصل الأملاح داخل محطات يتم إنشاؤها على تلك الآبار، وهو النظام الذى كانت تعمل به سيناء قبل 20 عامًا على الأقل قبل الاعتماد على خطوط الإسماعيلية.

في الوقت ذاته؛ يرفض المهندس عبد الله عواد رئيس قطاع مياه الشرب بشمال سيناء الاعتماد على محطات مياه الآبار بشكل كامل، بحجة تكلفتها العالية وعدم وجود ميزانيات كافية، وصعوبة اعتمادها بسبب البيروقراطية ومركزية اتخاذ مثل هذه القرارات، وإن الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي (التي يمثل مجلس إداراتها كشركة مساهم حكومية) لا تستطيع تحمل تكلفة تكنولوجيا تحلية مياه البحر.

“لا أحد يعلم الحجم الحقيقي لمشكلة مياه الشرب”، تلك كانت دومًا المقولة الأخيرة على لسان كل من حاورتهم.

***

يفرق أهالي سيناء بين أنواع المياه ومصادرها واستخداماتها. أولًا مياه الشرب أو “المياه الحلوة” الجوفية، وهي توجد في عدد محدود من أحياء (العريش العاصمة)، ثم مياه التحلية، وترفع من مياه البحر عبر حفر آبار قريبة من الساحل لخفض أكبر نسبة من الملوحة، وتستخدم للأغراض المنزلية (كما يمكن استخدامها للشرب عبر تنقيتها بواسطة محطات إنتاج عالية التكنولوجيا). النوع الثالث هو مياه النيل التي تأتي عبر ترعة الإسماعيلية (ويستهلكها السكان عادةً مفلترة).

“منذ أن وعيت وأنا أسمع خبر وصول المياه الحلوة لشمال سيناء في عيد التحرير”.. هذا ما قاله أحمد مصطفى من أهالي العريش، وتابع: إن الأزمة متشعبة ولا توجد معلومات كافية حول حجمها، غير أن الخطط المتبعة حاليًا لإقامة محطات هي مجرد خطة لسد العجز في حصة المياه وليست لحل المشكلة التي قد تزيد مع السنوات القادمة. وأضاف أن المياه بنوعيها الحلوة والمحلاة لا تصلح للشرب، فمياه النيل التي تأتى عبر محطات رفع من ترعة الإسماعيلية تمر بأماكن مكشوفة وقد تتعرض للتلوث، الأمر الذى يجعلنا نشترى المياه نفسها في “جراكن” بعد تنقيتها من قبل شركات محلية.

أما المياه المحلاة من الآبار؛ فلا تصلح للشرب بسبب نسبة الأملاح العالية بها، التي تسببت في الكثير من الأمراض بين السكان بسبب لجوئهم مضطرين لشربها، فهى عادة لا تصل لدرجة التحلية الصالحة للشرب بسبب نقص التكنولوجيا.

كانت محافظة شمال سيناء تعتمد بالأساس على محطة واحدة لمياه البحر المحلاة لتغطية احتياجات المنازل، إلا أن الشركة التي كانت تعمل وفق تكنولوجيا يابانية قديمة لتحلية مياه البحر؛ أغلقت منذ سنوات بعد 20 عامًا تقريبًا، كانت توزع خلالها المياه على السكان في جراكن مقابل قرش واحد للتر المياه، وعندما وصل سعر اللتر لخمسة قروش؛ أغلقت الشركة الوحيدة لإنتاج المياه بسبب عدم وجود الدعم التكنولوجي.

وقال إسماعيل عابد من سكان حي الفواخرية: إن الاعتماد على خط الطوارئ (الذي يعمل بنصف طاقة الخط الرئيسى) قد يحدث ثورة عطش؛ لأن محطات الإنتاج لا تكفي حتى خُمس أحياء العريش العاصمة فقط، فكيف سيغطي الإنتاج مدنًا أخرى في سيناء.

فاليوم.. ومع انقطاع المياه؛ كان على أحمد مصطفى وباقي سكان العريش أن يبحثوا عن رفعت. رفعت هو البطل الشعبي في أزمة المياه الآن؛ إذ يقوم ببيع المياه “المفلترة” والمخزنة مقابل٢٥ قرشًا للتر، كما يمتلك رفعت “تريسكل”، يزيد من سرعة عملية الإنقاذ من العطش.

اعلان