Define your generation here. Generation What

هل ماتت الثورات العربية بالفعل؟

في كتاباته عن الثورات العربية يعير الفيلسوف الفرنسي آلان باديو اهتمامًا خاصًا للشكل الذي اتخذته الانتفاضات والذي تبين على مدار السنوات الثلاث الماضية. على أفضل الفروض تعلن تلك الانتفاضات والموجات الثورية ما قد يطلق عليه “صحوة تاريخية جديدة”، لتنتهي روايات الهزيمة الأخيرة للشمولية على يد الليبرالية والتي تصادف حدوثها مع انهيار الاتحاد السوفيتي (الحدث الذي أطلق عليه حينذاك “نهاية التاريخ”). ويؤكد باديو في كتابه “التاريخ يولد من جديد: زمن الشغب والانتفاضات” على أن الثورات العربية تحيي ذكرى ولادة التاريخ من جديد، حيث تتميز بالصراع المستمر من أجل تحقيق العدل والمساواة. ورغم كل الإخفاقات التي واجهت ميدان التحرير في هذا المسار المضطرب يظل الميدان كفكرة حافلًا باحتمالات التحرر، وبالآمال الزائفة والنتائج المخيبة للآمال كذلك.

لكن باديو تعجل بإعلان موت الثورات العربية، والمصرية على وجه التحديد، في الحلقة الدراسية التي أدارها مؤخرًا بعنوان “عن محايثة الحقائق” (On the Immanence of Truths). يعلن باديو بصوت مهزوم أن تلك الأحداث التي وقعت في الميادين العامة قد قامت على ما يطلق عليه “الوحدات السلبية،” وتعني هذه حشد جموع بغرض تحقيق مطالب قصيرة الأجل (كالعزل الفوري لحسني مبارك أو زين العابدين بن علي)، وتمثيل مصالح القطاع المتمدن من الشعب المصري. بعبارة أخرى يقول إن تلك الأحداث لم تتمكن من تجاوز مراكز المدن.

بالإضافة إلى ذلك يرى باديو أن جموع المتظاهرين خلال فترة الاعتصام بميدان التحرير، من أعضاء التيار الإسلامي والكتلة الأصغر حجمًا من النشطاء المؤيدين للديمقراطية، قد تحالفت بشكل مؤقت ضد مبارك، لكنها في الحقيقة كانت في صراع على محور “الحداثة والموروث.” وهكذا قام جزء من الميدان بتقليص المطالب الثورية في خطاب قائم على الهوية، بينما سعت الكتلة الأخرى بشكل غير معلن إلى الحصول على المزايا الخادعة للحداثة الغربية وحرياتها حسب باديو.

لكني أجد في تحليل باديو للمعضلة المصرية الحالية اختزالًا مخلًا. ولعل باديو قد سلّم تمامًا بما صورته وسائل الإعلام عن الميدان وأهميته الرمزية للثورة المصرية. فقد عجز عن ملاحظة ما قام به الإعلام الدولي والمحلي من حصر للصراع المصري في صورة الجماهير الموجودة بالميدان، في محاولة لجعله الموقع الشرعي الوحيد للصراع السياسي (مع التأكيد لاحقًا على أن التصعيد قد تم بناء على ما أملاه متظاهرو التحرير بشكل “سلمي”).

كما ينبغي أن ننظر إلى شكل الانقسام الحضري الريفي المتفرد في مصر (ومدى سيولته) وكيف لعبت المناطق العشوائية والقرى المتمدينة الموجودة على أطراف القاهرة والسويس دورًا شديد الأهمية بالثورة. ففي يوم الخامس والعشرين من يناير عام 2011 امتدت أعمال العنف وفض المظاهرات من ضواحي القاهرة والسويس إلى قلب المدينة (وقد بدأت واحدة من أولى المسيرات من قرية ناهيا المتمدينة بدرجة كبيرة قبل أن تشق طريقها إلى الميدان بالقاهرة). ويجب أن ننتبه أيضًا إلى الطريقة التي وزعت بها وحدات الشرطة عند المخارج الرئيسية للقاهرة من أجل مراقبة دخول وخروج سكان القرى، خوفًا من إمكانية انضمامهم إلى المظاهرات.  يمكننا أن نقول إذن إن أولى تدفقات الموجات الثورية ربما جاءت بشكل رئيسي من سيولة هذا الانقسام الحضري الريفي، رغم جهود الشرطة ومراقبتها له (ولقد تعهدت كل الحكومات الانتقالية التي تلت الثورة بالتحكم في ذلك الوضع وتنظيمه من خلال الحلول الأمنية).

ما هو المصدر الحقيقي لخيبة أمل باديو في الثورة المصرية إذن؟ أظن في رأيي المتواضع أن حديث باديو يأتي من  منطلق اليأس من أوروبا (التي ضمت ذات يوم أطياف ثورية عظيمة) حيث لم يعد هناك أدنى أمل لوقوع تغيير ثوري. لقد فشل في تحليله للانتفاضات العربية ببساطة لأنه يفرض شعوره الشخصي “بمحدودية” الصراعات الحالية. ويصف باديو المحدودية بأنها محاولة النظام العالمي المستمرة لوضع حدود لإمكانيات التحرر في كل إعلان شعبي للاحتجاج على ظلم النظام وإجحافه. هي محاولة لخطف إمكانية تحرر أية حركة احتجاجية من خلال الأجندات القومية الضيقة، والوعود الزائفة بالانتقال الديمقراطي والحريات الغربية أو خطاب الهوية. وما حدث في حالة أوكرانيا هو أفضل مثال على هذا الشعور المتنامي بمحدودية أوروبا، والذي أثر على نظرة باديو اليائسة إلى حركات الاحتجاج العالمية.

إن باديو يعلن إفلاس أوروبا والحداثة الغربية، ويشجع أولئك الذين “يتجاوزون الخطوط المسموحة” في سبيل العثور على بديل أفضل من الحداثة الغربية، يكون مفتوحًا على مستقبل مختلف جذريًا من خلال نقض الشروط الحالية التي تمليها الرأسمالية العالمية ولكن يقع باديو أسير الشعور باليأس عندما لا تتحقق تلك “الوعود” مع زيادة تعقيد المسار الثوري.

أقر بصحة الكثير من المزاعم التي يزعمها باديو عن ما آلت إليه الثورة المصرية، لكن المشكلة الحقيقية التي تواجهني هي أن شعوره بعدم الرضا يتشابه بشكل مخيف مع شعور الليبراليين الأوروبيين الذين اتهموا الكتلة الديمقراطية الثورية علانية بالفشل في دعم الانتقال الديمقراطي في مصر. فلطالما استخدم المحللون الليبراليون الأوربيون منظورًا ثقافيًا لنقد تلك الكتلة الديمقراطية الصغيرة. ولقد صوروا ثقافة تلك الكتلة على أنها غير أصيلة ومنعزلة عن أغلب المواطنين، وأن هذا هو سبب “فشل” الثورة.

والحقيقة أن الإعلام الغربي مستمر في تجاهل رواية الثورة السياسية المعقدة والمحيرة أخلاقيًا ليتبنى افتراضات النقد الثقافي الأكثر تبسيطًا. كما يستمر المحللون الغربيون في تجاهل ما فعله الإخوان المسلمون وقت كانوا في الحكم. فقد حافظ الإخوان المسلمون بعد وصولهم إلى الحكم على نظام مبارك كاملًا من خلال تحالفهم الفضفاض مع المؤسسات العسكرية والقضائية والأمنية المصرية. هذا بالإضافة إلى ما جلبته اختياراتهم على الثورة المصرية من عواقب سياسية وخيمة ما زلنا نعيش تبعاتها حتى اليوم. ورغم كل ذلك يركز باديو، مثله مثل المحللين الأكثر ليبرالية، على الافتراضات الثقافية عن الكتلة الديمقراطية فحسب، متجاهلًا تعقيدات الموقف المصري في ظل حكم الإخوان المسلمين. وأرى أن باديو قد وقع في نفس فخ إعلان وصول الثورة المصرية إلى المرحلة “الهزلية” قبل الأوان.

فلنعد سريعًا  إلى تحليل باديو ونطرح هذا السؤال: ما هو المقترح الذي يقدمه بديلًا عن مشهد الميدان العام الذي وصفه بأنه قائم على “وحدات سلبية”؟

يقول باديو في كتاباته: “لكي تحدث عملية خلق أو صنع للتاريخ، وهو ما يمنح لامحدودية حقيقية للأمر، يجب أن يكون هناك إعلان جديد الشكل ينشئ تحالفًا بين المثقفين وقطاع عريض من الجماهير.”

وفي تلك الصيغة الأخيرة يبدو باديو وكأنه يصف حلول لينينية مع فوارق طفيفة، حيث نجد في حديثه تلميحات بضرورة وجود حركة طليعية. وهو في ذلك يحذو حذو قدامى المثقفين اليساريين العرب الذين سئموا من الثورات العربية وتشككوا بها، مثل سعدي يوسف (الشاعر العراقي المهاجر) وصنع الله إبراهيم (الروائي المصري المشهور). بالنسبة لهؤلاء افتقرت تلك الانتفاضات الشعبية إلى الإرشاد الأخلاقي والسياسي بشكل جلي.

منذ بداية الثورة المصرية حرص صنع الله على ألا يصف تلك الأحداث العنيفة بالثورية، نظرًا لعدم اتباع تلك الأحداث للنموذج اللينيني. أما سعدي يوسف فقد تحول في خضم الثورة الليبية إلى الدفاع بحرارة عن القذافي لكونه رمز الكفاح المناهض للإمبريالية. ولقد اتخذ باديو موقفًا متشككًا مشابهًا تجاه الثورة الليبية في جدله الحاد مع فيلسوف فرنسي آخر وهو جون لوك نانسي، الذي أعلن دعمه لتدخل قوات حلف شمال الأطلسي في ليبيا. سارع باديو بإعلان رفضه لموقف نانسي في خطاب مفتوح، وزعم أن وسائل الترويج الإعلامي الغربية هي التي تضخم من واقع المظاهرات الليبية. وأشار إلى الغياب الملحوظ للمرأة في مظاهرات بنغازي واستدل بذلك على أن تلك المظاهرات لم تقدها الجماهير ولا ترقى إلى كونها “ثورة شعب” مثل مصر أو تونس.

ورغم أني لم أساند التدخل الأجنبي في ليبيا قط، تبقى النقطة الكارثية في رأيي هي عدم قدرة باديو على رؤية انعدام الاختيارات أمام الشعب الليبي. والوضع كما رأيته كان شعب قد وقع بين خيارين إمبرياليين: البقاء مع القذافي أو احتمال التدخل الأجنبي (الأول واجهة تدعي منهاضة الإمبريالية كذبًا، والثاني تجسيد مباشر لها). بالنسبة لحشود المنظرين من اليسار في أوروبا، الذين أطلقوا تنظيراتهم من منطلق الاستعلاء الأخلاقي البحت، كان دعم القذافي أو التعامي عن جرائمه هو الخيار السهل، متجاهلين كل الفظائع التي ارتكبها بحق شعبه.

كيف يسعنا أن نحكم على مسار الثورة في ظل تلك الخيارات الرديئة التي طرحت على الشعب الليبي وقت انتفاضته، بل وفي مصر حتى في تلك اللحظة الراهنة؟ أعتقد أن مثل هذا السؤال ينبغي أن يترك دون إجابة نهائية.

لقد مرت الثورة في مصر باختبارات حرجة من النواحي الأخلاقية والسياسية بعد مداهمة ميدان رابعة، الحدث الذي قد يكون باديو في حلقته الدراسية قد تعجل في مقارنته بمجزرة كوميونة باريس. كما أعتقد أن الكتلة الديمقراطية في الوقت الحالي مستمرة في صراعها مع تركة صعبة. وهي تسعى لخلق هامش من الإمكانيات في ظل ظرف هو من أسوأ الظروف التي مرت، حيث تظل معلقة ما بين عودة الدكتاتورية العسكرية والمحاولات الإسلامية الفاشلة لخطف الثورة باسم سياسات الهوية.

في نهاية الأمر يظل الشعب هو من يدفع ثمن رغبته في الحرية وتصديق تلك الوعود الكاذبة أو لحظات التحرر الوهمية. ويبدو لي أننا سنظل عالقين في دائرة هذا السؤال المفرغ: هل تأتي الثورة دائمًا بعد أوانها أم أنها تأتي قبل الأوان؟ لقد عكس باديو شعوره الخاص بالمحدودية على الثورة المصرية، لكنه لم يحاول الاشتباك مع التعقيدات التي يفرضها الأمر الواقع.

اعلان
 
 
فؤاد حلبوني