Define your generation here. Generation What

دراما الأكشاك المفخخة وبرنامج السيسي الانتخابي

(١)

هذا المقال وما يحتويه من وقائع ليس هدفه –كالمعتاد- محاولة إثبات فشل دولة ٣ يوليو الأمني في مواجهة إرهاب يحل بالمجتمع –ساهمت بشكل كبير في صنعه- فهذا أمر أصبح لا يحتاج لأية براهين أو دلائل، ولا حتى لمحاولة إثبات فشل السيسي كمساعد لرئيس الوزراء لشئون الأمن في احتواء الموقف الأمني وخلق الاستقرار المنشود الذي يدعيه.

ولكن هناك مجموعة استنتاجات أخرى رأيت أهمية مشاركتها مع الجميع، أولها أن هناك فارقاً جوهرياً بين ما تعانيه مصر من إرهاب عمليات مسلحة اليوم وما كانت تعانيه في التسعينيات، إرهاب التسعينات كان مُوجّه للمجتمع المصري بأكمله بهدف كسره وتركيعه بشكل أساسي، وكان أغلب ضحاياه مواطنين مدنيين أبرياء، أما إرهاب اليوم فهو يستهدف الدولة بشكل أساسي، والأجهزة الأمنية على وجه التحديد، في ظل صراع بين سلطة قائمة تفرض شرعيتها بالقوة، وسلطة أسقطتها الجماهير تحاول استعادة شرعيتها بالقوة، وبالتالي كل الضحايا من الجانب الأول والثاني هم ضحايا عملية صراع عن السلطة.

تلحظ ذلك جيدا من تتبع التطور الحاصل في طبيعة العمليات المسلحة منذ ٣٠ يونيو وحتى اليوم -طبقا للوقائع التي سوف نستعرضها- فبعد رصد عمليات عشوائية استهدفت كنائس الأقباط ومنازلهم، ثم عمليات عشوائية راح ضحيتها مدنيين أبرياء، انتقلت العمليات بعد الثالث من يوليو لتستهدف الدولة من خلال استهداف تمركزات قوات الشرطة، حتى أن عملية الاستفتاء على الدستور مرّت دون أي قتلى أو تفجيرات، ولذلك تصبح المقارنة كبيرة جدا بين عدد قتلى الشرطة والجيش نتيجة هذه العمليات وبين عدد القتلى من المدنيين.

ورغم ذلك استمرت منهجية الأجهزة الأمنية في القضاء على الإرهاب المُوجَه ضدهم بالأساس من خلال مزيد من عمليات قمع مظاهرات الإخوان والجامعات والتوسع في عمليات القبض العشوائي، فالمنهج هو تصفية حسابات أمنية مع جماعة الإخوان المسلمين دون المساس ببؤر الإرهاب ومنابعه.

وبالتالي شَعُر قطاع واسع من المواطنين –زيفا- بأن مساحة ونسبة العمليات الإرهابية يقل تدريجيا وينكمش، وذلك لأن المدنيين أصبحوا أقل عُرضة لخطر تلك العمليات، رغم أنهم مازالوا يشعرون بحالة من الانفلات الأمني التي تقف عائق أمام الاستقرار الذي يبحثون عنه، ولكنهم علّقوا ما تبقى لهم من آمال على “الرئيس القادم، أو بمعنى أصح على “الساحر”.

(٢)

شهدت الأسابيع الماضية تزايد في وتيرة التفجيرات التي استهدفت أماكن تمركز قوات الشرطة بشكل أساسي، وفي أغلب الحالات تشير نتائج التحري الأولية إلى عبوات ناسفة وقنابل يدوية بدائية الصنع، أسفرت تلك العمليات عن مقتل عرّيف الشرطة عبد الله محمد، وذلك بعد انفجار قنبلة يدوية بدائية الصنع في كشك المرور المتواجد بميدان المحكمة، بمنطقة مصر الجديدة، ومن قبلها لقي العميد طارق المرجاوي، رئيس مباحث قطاع غرب الجيزة، مصرعه بعد انفجار عبوتين ناسفتين تم زرعهم أعلى الشجرة الملاصقة لكشك الأمن أمام بوابة كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وكذلك مقتل الرائد محمد جمال من الإدارة العامة للمرور بفعل عبوة ناسفة تم زرعها داخل إحدى نوافذ كشك المرور المتواجد بمنطقة ميدان لبنان بحي المهندسين، كما أصيب شرطيان ومواطن جراء إنفجار عبوة ناسفة استهدفت كشك المرور الخاص بكوبري الجلاء بمحافظة الجيزة، والملاحظ أن ثلاثة من التفجيرات الأربعة كانوا في إطار الحيز الجغرافي التابع لمحافظة الجيزة، وأن العمليات الثلاث وقعوا في أقل من أسبوعين.

(٣)

لم تتوقف كما تعلمون مشاهد العنف في مصر منذ إعلان الثالث من يوليو الماضي بعزل الرئيس محمد مرسي، وبداية فترة انتقالية جديدة، شارفت على الانتهاء مع اقتراب موعد الانتهاء من الانتخابات الرئاسية في نهاية مايو الجاري، بل شهدت العمليات المسلحة -والتي استهدفت الانتقام بشكل أساسي مما آلت إليه النتائج بعد إنتفاضة ٣٠ يونيو الماضي- تطورا نوعياً وكيفياً لم يتثن للجميع مراقبته عن كثب، وتمثّل فيما يلي:

٢٤ يوليو ٢٠١٣

انفجرت قنبلة بدائية الصنع في مركز للشرطة المصرية بمدينة المنصورة، وهو ما أسفر عن مقتل شخص واحد وإصابة ١٧ آخرين. كان ذلك بعد أيام من إعلان المشير عبد الفتاح السيسي عزل الرئيس محمد مرسي عقب احتجاجات عارمة اجتاحت البلاد منذ ٣٠ يونيو، وهو ما دفع المشير السيسي للخروج على الناس صباح السادس والعشرون من يوليو  خلال حفل تخريج الدفعة ٦٤ بحرية والدفعة ٤١ دفاع جوي بمقر كلية الدفاع الجوي بالإسكندرية، ليقول:

“إن خارطة الطريق لن يتم التراجع عنها للحظة ولا يظن أحد في ذلك، وقلنا للجميع أننا نريد بالفعل انتخابات حرة ونزيهة، وأقول للمصريين نحن كنا تحت حسن ظنكم وأنا أطلب منكم طلب، يوم الجمعة القادم لابد من نزول كل المصريين الشرفاء حتى يعطوني تفويض وأمر بمواجهة العنف والإرهاب، حتى تذكر الدنيا أن لكم قرار وإرادة وإنه لو تم اللجوء للعنف والإرهاب فإن الشعب المصري يفوض الجيش والشرطة لمواجهة هذا العنف والإرهاب”.

(٤)

خرج الملايين في جمعة التفويض لمنح الجيش –المشير السيسي تحديدا- تفويض على بياض لمواجهة -ما أسماه- العنف والإرهاب المحتمل، و بدأت العمليات المسلحة تأخذ مسارا مختلفا أكثر انتشارا على مستوى الجغرافيا وأكثر تركيزا على مستوى استهداف قوات الشرطة، حيث كان من اللافت للنظر الهجمات المسلحة التي تلت إعلان الثالث من يوليو على العديد من الكنائس بمختلف المحافظات بالإضافة إلى عدد ليس بالقليل من الهجمات الإرهابية العشوائية التي أصيب وقتل بسببها مواطنين أبرياء، ولكن بعد جمعة التفويض انتقلت مسار العمليات المسلحة لتختلف كيفا وكما، فبالإضافة إلى تعدد حوادث قتل جنود وضباط جيش وشرطة إثر هجمات مسلحة وتحديدا في المحافظات الحدودية حدث تطور نوعي مختلف.

٢٤ ديسمبر ٢٠١٣

وقع انفجار هائل هز مدينة المنصورة والقرى المجاورة، وذلك بعد انفجار سيارة ملغومة كانت تحمل كميات هائلة من المواد المتفجرة بإحدى الشوارع الجانبية لمديرية أمن الدقهلية، مما أدى لسقوط ١٦ قتيلا و١٣٠ مصابا –حسب بيانات وزارة الصحة المصرية-، كان من بين المصابين اللواء سامي الميهي مدير أمن الدقهلية، والعميد سعيد عمارة مدير المباحث الجنائية، بينما تسبب الانفجار في انهيار الجانب الأيمن من المديرية بالكامل، بالإضافة لتصدعات وانهيارات بكافة المباني المحيطة بمبنى المديرية.

٢٥ ديسمبر ٢٠١٣

أصدر مجلس الوزراء برئاسة الدكتور حازم الببلاوي، قرارا جاء في جزء منه:

“وفي هذا الشأن يؤكد مجلس الوزراء على أنه لا عودة إلى الماضي تحت أي ظرف، وأنه لا يمكن لمصر الدولة ولا لمصر الشعب أن ترضخ لإرهاب جماعة الإخوان المسلمين، حتى وإن فاقت جرائمها كل الحدود الأخلاقية والدينية والإنسانية. لكل ذلك قرر مجلس الوزراء: إعلان جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية وتنظيمها تنظيمًا إرهابيًا في مفهوم نص المادة ٨٦ من قانون العقوبات بكل ما يترتب على ذلك من آثار.”

فصّل البيان في ديباجته –ما اعتبره- الجرائم التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين وقام بسردها باعتبارها وقائع تاريخية لا تقبل الجدل، حيث اتهمهم  باغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي، وقتل القاضي الخازندار في أربعينيات القرن الماضي، ومحاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في الخمسينيات من القرن الماضي، واغتيال الشيخ الذهبي والرئيس الراحل أنور السادات في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.

٢٠ يناير ٢٠١٤

الذكرى الثالثة لثورة يناير

ألقى وزير داخلية مرسي ومن بعده السلطة الانتقالية اللواء محمد إبراهيم كلمة في المؤتمر الصحفي الذي عقب احتفالية إنهاء تدريب الطلاب الجدد، قال فيها نصاً:

“السجون والأقسام مؤمنة على أقصى درجات التأمين، ومسلحة بأسلحة ليست العادية –اللي هي الآلي فقط-، لأ، كل الأسطح بتاعة الأقسام والسجون عليها أسلحة ثقيلة، واللي عايز يجرب يجي.”

كانت تلك الكلمات بمثابة تهديد شديد اللهجة مُوجه من وزير الداخلية لكل الخارجين عن القانون، يؤكد خلالها درجات التأمين القصوى التي قامت بها الوزارة للمنشآت الشرطية، مع اقتراب موعد احتفالات المصريين بالذكرى الثالثة لثورة يناير.

٢٤ يناير ٢٠١٤

بعد مرور أقل من أربعة أيام، وفي الساعات الأولى من صباح يوم الجمعة وقبل يوم من الذكرى الثالثة لثورة يناير، وقع انفجار مروّع هزّ العاصمة المصرية –القاهرة- انفجار اقتلع الباب الأمامي لمديرية أمن القاهرة، وتسبب في حفرة في الأرض بعمق ٦ أمتار وقطر ٦ أمتار، كما انهارت الواجهة الأمامية للمديرية.

انفجرت سيارة ملغومة، استطاع سائقها الهرب في عربة أخرى جاءت لالتقاطه سريعا وتلتهما عربة ثالثة كانت خلفهم للتأمين، وذلك حسبما رصدت كاميرا المتحف الإسلامي المواجه لمبني المديرية، والذي وقعت فيه أضرار بالغة، وقد أسفر الانفجار عن سقوط ٤ قتلى وإصابة ٥٠ شخص على الأقل، فيما أعلنت وزارة الداخلية عدم مقتل أو إصابة أي من قياداتها جراء الانفجار.

(٥)

بَرَعَ الساحر من خلال الأجهزة الإعلامية التي تلعب لحسابه، وشبكات المصالح التي تنتظر قدومه، ومؤسسات الدولة التي تحارب من أجله في تسويق هذا الفشل المريع في مواجهة ما يحدق بالوطن من أخطار وعمليات إرهابية مسلحة، وانقسام شعبي هائل إلى نجاح باهر خلق له بالإضافة لقرارات ٣ يوليو سند شرعي وظهير شعبي يعتمد عليهم بالكليّة في الانتخابات القادمة، فإن ما يعيه الجميع أن معركة الانتخابات الرئاسية القادمة لن يحكم اتجاهات التصويت فيها البرامج الانتخابية والكفاءة ولكن بدون شك سيحكمها الرصيد الشخصي لكل مرشح، ويمكننا اعتبار برنامج السيسي للفوز بالرئاسة يتضمن نقطتين جوهرتين: اولهما ما يعادل الضربة الجوية أو نصر أكتوبر لمبارك والسادات، و التي بالنسبة للسيسي هي قرارات ٣ يوليو، و ثانياً  قدرته دون غيره على “مواجهة الإرهاب” المحدق بالوطن.    

لكن هاتان النقطتان تحديدا هما ما يستحق عليهما السيسي العقاب وليس الفوز، فبرنامجه قائم على الفشل الذي تم تسويقه كأكبر انجزاته.


إنهم يروجون لنا الفشل، و لكن هذا الجيل يأبى الفشل ويمقت الفاشلين ويثور عليهم

اعلان
 
 
مصطفى شوقي