Define your generation here. Generation What
١٩١٩ لأحمد مراد: قصة ثورة مبتورة
 
 

السيدة التي على غلاف الكتاب بمظهرها الغريب ونظرتها المرتابة إلى المرآة توحي للوهلة الأولى ببداية قصة تشويق، رعب وإثارة، وأن ١٩١٩ ما هو إلا كود سري للكشف عن تفاصيل جريمة بشعة، أو لغز غريب.

ولكن بعد أول ٥٠ صفحة من آخر إصدارات الكاتب الشاب أحمد مراد، ١٩١٩، يدرك القارئ أن كل هذه التكهنات خاطئة، وأن تفاصيل الكتاب تدور حول ثورة سعد زغلول، ضد الاحتلال البريطاني والسلطان فؤاد، من خلال قصة حب تظهر فيها جميع طبقات المجتمع المصري آن ذاك.

أحمد عبد الحي كيرة، خريج كلية الطب، والعضو الأساسي في منظمة مقاومة سرية تحمل اسم “اليد السوداء”، كانت وراء اغتيال الكثير من الساسة الإنجليز وقتها.

يقول الكاتب الراحل يحيى حقي في مقال له في جريدة المجلة الأدبية سنة ١٩٦٤ “حاولت أن أعرف أين يسكن، فلم أنجح وقيل لي أنه يسكن في ثلاث شقق كل منها في حي بعيد عن الآخر ولا ينام في فراش واحد ليلتين، إنه يعلم أن المخابرات البريطانية لن تكف عن طلبه حتى لو فر إلى أقصى الأرض، إنها لا تنسى ثأرها البائت.”

كيرة هو أحد أبطال الكتاب وأيضا بطل من أبطال ثورة ١٩١٩، تبدأ أحداث الكتاب في القرن التاسع عشر، وبالتحديد إبان اندلاع ثورة عرابي،  والتي كانت أحد أسباب الاحتلال البريطانى لمصر. الأوضاع غير المستقرة للبلاد والاحتلال البريطاني الغاشم أنتجا تربة خصبة لظهور عناصر فدائية داخل المجتمع مثل كيرة، والذى احتمى تحت لواء الوفد وكان أحد أذرع سعد زغلول أثناء المقاومة.

يقابل أحمد كيرة الجميلة نازلي أول مرة في بيت الأمة أثناء إحدى المظاهرات الكبيرة التي اجتاحت البلاد بعد القبض على سعد زغلول، كانت تواسي صفية هانم، والتي كانت تعتبرها أمها. تبدأ قصة حب بينه وبين نازلي، ابنة محافظ كبير، اثناء قيامه بتجنيد اعضاء جدد لليد السوداء و من بينهم عبد القادر ابن شحاتة الجن فتوة الناصرية. كانت مهنة الفتوة قد اكتسبت أهمية كبيرة في القرن الـ ١٤ والـ ١٥ نظرا لضعف قبضة الحكم المملوكي، حيث كان شخص قوي ينصب نفسه فتوه على حي أو منطقة، وبقوم بحمايتها نظير إتاوه شهرية من أهل الحي.

تتطور قصة الحب بينما يعمل كيرة ورفاقة، الجن، دولت مدرسة الإنجليزي الصعيدية، وعامل السكة الحديد عم إسحاق على التكوين النهائي للمنظمة، والتي كانت تجتمع في بدروم كافيه ريش في وسط البلد، حيث يتم أيضا طبع المنشورات المناهضة للاحتلال والسلطان فؤاد الأول.

بعد زواج نازلي من السلطان، يبدأ كيرة قصة حبه الثانية مع ورده، فتاة أرمنية جميلة، يلقيها القدر فى يد بمبة وسلامه، قوادين طرب طياب، بعد وفاة أبوها وأمها من الانفلونزا الإسبانيولي. وتقع دولت في حب  زميل المقاومة الجن، بينما يؤخد أخاها ياسين بالقوه من قريته ليشارك في حفر القنال، ويقتل الأتراك لمصلحة الإنجليز.

بلا أي شك، نجح مراد في مفاجئه قراءه برواية جديدة متعددة الأبطال، عكس روايته السابقة حيث بطل واحد فقط يحارب الشر والجن في الفيل الأزرق، ٢٠١٢ وطه الظهار وحده يحارب الفساد في تراب الماس ٢٠١٠، وأخيرا أحمد كمال ينتقم أيضا وحده من قاتل أصدقاءه في فيرتيجو، ٢٠٠٧.

من أحد أسباب نجاح مراد ككاتب هو اعتماده الكبير على البحث، واستخدامه الذكي لنبذات تاريخية تعطي لونا وعمقا لأعماله. فعلى سبيل المثال، يحيى بطل الفيل الأزرق يسافر بين الألفينات وبين القرن السابع عشر، بأسواره وشخوصه الغريبة، معتمدا في ذلك على كتابات عبد الرحمن الجبرتي أثناء إقامته في القاهرة. في ١٩١٩، ينظر مراد للتاريخ نظرة مختلفة، ويجعل جميع أحداث روايته في عصر ماض، ويعطى بطولاته لأشخاص من التاريخ حقيقين. في هذا الكتاب أيضا يمتنع مراد عن حبكاته السابقة وجرائم القتل والشعوذة، ويكتفي بطرح ماض بأسلوب أدبي خلاب.

مثل عمارة يعقوبيان ونادي السيارات لعلاء الأسواني، تقوم رواية ١٩١٩ بإحياء ذكرى لقاهرة كوزموبوليتانية يلتقي فيها شخوص من بيئات مختلفة، وتتشابك مصائرهم، يغازل مراد أسلوب نجيب محفوظ بخلط العامية المبتذلة مع شعرية رائعة بالعربية الفصحى. مثل كتابات محفوظ، تأخذك الرواية في رحلة حول القاهرة من الناصرية والاسبكية والسيدة زينب إلى الجيزة، ومن كرخانة بيت دعارة إلى بيت الأمه والقصر الملكي والبارون إمبان في دائرة من المشاهد المتنوعة، تجذب القارئ حتى آخر صفحة.

في خضم تفاصيل الخطط، الأسلحة، القنابل وأساليب التخفي التي برع فيها كيرة، “بعبع” الإنجليز كما أطلقوا عليه، واجتماعات ريش والتدريبات السرية في الغابة المتحجرة، تظهر ملامح حياة سرية لمجموعة فدائية. بالرغم من شعور جارف بأني اشاهد فيلم أبيض وأسود وسؤال لحوح في دهنى يبحث عن جريمة أو لغز إلا أنني لم أستطع أن أنحي الكتاب جانبا حتى أكمله.

يرسم ١٩١٩ الكثير من الخطوط الموازية لحاضرنا، ثورة غير مكتملة ومبتورة، شُوهت سمعة أبطالها أو تم نفيهم أو قتلهم ببرود. ثورة ينجح فيها الأشرار بتلطيخ سمعة الشرفاء الذين حاربوا من أجل الحرية والعدالة، أصدقاء تنقلب على بعضها وأبطال يقفون وحدهم بعد أن جرت فلول العامه وراء حلم مزيف رافضين تقرير مصائرهم بأيديهم.

في أواءل الثلاثينيات، عثر على جثة كيرة مطعونة وملقاة بجوار سور اسطنبول القديم، يقول حقي، آخر من رأى كيرة على قيد الحياة، أنه في إحدى المرات عرض على كيرة أن يشتري له حذاء فرفض الثاني قائلا “لا أريد لأحد أن يعرف مقاس حذائي.”

فى حوار مع أحد أصدقاء كيرة لمجلة التحرير سنة ١٩٥٦، قال أن ٣ من عملاء الإنجليز اغتالوا كيرة في إسطنبول وتباهوا لدى عودتهم بأخذهم بالثأر أخيرا منه، حيث تركوا جثتة للصقور، حتى اكتشفتها القوات التركيه بعد أيام. تم دفن أحمد عبد الحي كيرة في المدافن الأرمنية، والتي أصبحت ميدان تقسيم حاليا.

اعلان
 
 
أماني علي شوقي