Define your generation here. Generation What

مصر لن تمنح دواء فيروس سي الجديد حق براءة الاختراع

طالعتنا الصحف الأسبوع الماضي بأخبار عن وصول أول دفعة من علاج فيروس سي الجديد “سوفوسبوفير” في أغسطس القادم، وعن شروع اللجنة القومية للفيروسات الكبدية في تحديد الحالات التي سيكون لها أولوية في العلاج.

المستحضر الجديد “سوفوسبوفير” تنتجه شركة “جلياد” Gilead Science Inc. الأمريكية  –وهي شركة متعددة الجنسيات– ويعتبر طفرة في علاج فيروس الالتهاب الكبدي سي لكونه يُعطى عن طريق الفم ولنسبة الشفاء المرتفعة بالمقارنة بالمستحضرات الأخرى.

كانت “جلياد” قد أعلنت في نهاية ٢٠١٣ عن اعتزامها طرح منتجها الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية بسعر ٣٠ ألف دولار شهريا، وهو ما اعتبرته جميع الأوساط من المهتمين حول العالم سعرا خياليا لا يتحمله أحد، ولا حتى ميزانيات الدول. علما بأن تكلفة إنتاج قرص واحد من مستحضر “سوفوسبوفير” لا يتعدى دولارين أي حوالي ١٥ جنيه مصري.

طوال الأشهر الماضية كانت “جلياد” تتفاوض بضراوة مع وزارة الصحة المصرية -ممثلة في اللجنة القومية للفيروسات الكبدية- من أجل موافقتها على “سوفوسبوفير”، مما سيضمن لها سوق مَرضَى فيروس سي في مصر، وهو سوق ضخم ليس فقط لحجمه الكبير ولكن أيضا لأهميته الاستراتيجية. انتهت المفاوضات على السعر إلى الوصول إلى سعر ٣٠٠ دولار للعلبة الواحدة وهي تكلفة علاج شهر واحد. وقتها ظهرت في بعض الصحف المصرية والعالمية عناوين عن حصول مصر على الدواء بخصم٩٩٪ من سعره العالمي.

بالنظر إلى السعر المطروح نجد أن تكلفة ٣٠٠ دولار شهريا توازي ٢٠٠٠ جنيه مصري تقريبًا، وهذا الرقم هو متوسط الدخل لأسرة مصرية شهريًّا وهو نفس الرقم الذي اعتبرته وزارة الصحة والسكان “نجاحًا“. فترة العلاج بـ “سوفوسبوفير” ستكون ٣ أو ٦ أشهر، وسيتم تحديد ذلك بناءً على نتيجة “الدراسات السريرية” التي تُجرى على النمط الجيني الرابع الأكثر انتشارً، أي ستكون تكلفة العلاج بـ “سوفوسبوفير” ما بين ٩٠٠ و١٢٠٠ دولار للمريض الواحد.

فهل لدينا الموارد الكافية لجميع المرضى الذين في حاجة إلى العلاج؟

رفض طلب براءة الاختراع

بينما انشغل الجميع بمتابعة مفاوضات الوزارة، كان مكتب البراءات المصري يقوم بفحص طلب “جلياد” لحماية مُركَّب “سوفوسبوفير” ببراءة اختراع. إلا أنه ذكر مصدر مسئول بمكتب البراءات أن مصر لن تمنح “سوفوسبوفير” حق براءة الاختراع.

السبب هو ضعف الطلب الذي تقدمت به الشركة. فلقد كشف الفحص الفني للمُركَّب عن كونه ليس جديدًا كيميائيًّا، وبالتالي لا يستوفي شروط الجدة (أيْ أن يكون جديدًا تمامًا) والخطوة الإبداعية كمركب صيدلي، وهي الشروط التي بدونها لا يمكن منح أي مركب حق براءة الاختراع. القرار الرسمي برفض  البراءة لم يصدر بعد، وقد تم إخطار شركة “جلياد” بنتيجة الفحص، إلا أن المكتب لم يتلقَ بعد ردًّا من الشركة.

المعروف أن حق براءة الاختراع هو حق استئثاري تمنحه الدولة، ويضمن للشركة الاستئثار بتصنيع وتسويق المُركَّب لمدة عشرين عامًا بحسب قانون الملكية الفكرية المصري رقم 82 لسنة 2002، واتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة لحقوق الملكية الفكرية (المعروفة باسم التريبس).

بدون حق براءة الاختراع، لا تستطيع شركة “جلياد” منع أي شركة دوائية أخرى من تصنيع المركب وتسويقه في مصر. وبالتالي فإن شركات الدواء المصرية يمكنها تصنيعه في مصر سواء عن طريق إنتاج المادة الخام أو استيرادها وتعبئتها.

لماذا إذا لا تقوم شركات الدواء المصرية بإنتاج “سوفوسبوفير” أرخص سعرا؟

الالتهاب الكبدي سي في مصر و سياسات “جلياد” التقييدية

بدت شركة “جلياد” في عجالة من أمرها لإنهاء الاتفاق مع مصر، التي كانت أولى الدول على قائمة تسجيل “سوفوسبوفير”  فمصر بها أعلى معدلات انتشار لفيروس الالتهاب الكبدي سي في العالم يقدر بـ  ١٤,٧٪ من السكان، كما أن المعدل أعلى كثيرًا في بعض المناطق الجغرافية مثل الدلتا وصعيد مصر ٢٨٪ و٢٦٪ على الترتيب. هناك من ٨ – ١٠ ملايين مصري يحملون أجسامًا مضادة للفيروس، منهم من ٥ – ٧ ملايين يعانون من الالتهاب الكبدي سي المزمن. ومعدل الإصابات الجديدة يقدر بعدد ٢ – ٦ في الألف في السنة، أي ١٧٠٠٠٠ حالة جديدة كل عام على أقل تقدير وهو معدل مرتفع. وفي ظل هذا كله تمثل مصر سوقًا مضمونة لتبدأ “جلياد” طرح منتجها الجديد.

لكن بالرغم من أن مصر هي أول دولة في العالم على قائمة “جلياد” لتسجيل “سوفوسبوفير” إلا أن الشركة استبعدت مصر من قائمة الدول المصرح لها بتصنيع “سوفوسبوفير”  تحت الترخيص، وذلك بحسب برنامج التوسع العلاجي للشركة والذي قدمته في مؤتمر عالمي لممثلي المجتمع المدني من ٢٢ دولة في “بانكوك” في فبراير الماضي. ومعنى ذلك أن مصر ليس مصرح لها بإنتاج نسخة جنيسة من “سوفوسبوفير” محليًّا، بحسب سياسة الشركة المعلنة.

جاءت معايير “جلياد” لاختيار تلك الدول على أساس قلة حجم الموارد والتمويل الخاص بعلاج الالتهاب الكبدي سي والبنية الأساسية للصحة.

كما ستقوم “جلياد” بإبرام اتفاقيات ترخيص بتصنيع “سوفوسبوفير” في بعض الدول متوسطة الدخل من الشريحة الدنيا lower middle-income ذات معدلات انتشار فيروس سي شديدة الارتفاع حيث موارد العلاج محدودة. شملت القائمة الهند وكينيا وباكستان والسودان وجنوب السودان وتنزانيا وزامبيا وزيمبابوي ودولًا  أخرى.

في الوقت الحالي تقوم شركة “جلياد” باتفاقيات لترخيص إنتاج “سوفوسبوفير” مع عدة شركات هندية، وبذلك تصبح الهند أولى الدول التي تحصل على تصاريح إنتاج “سوفوسبوفير” الجنيس بأسعار أرخص كثيرًا من سعر “جلياد”.

ولكن في ضوء سياسة الشركة الحالية قد لا تتمكن الهند من توريد المادة الدوائية الفعالة للدول غير المصرح لها بالإنتاج، التي من بينها مصر.

من الغريب إذًا، أن يتم استبعاد مصر من تلك القائمة، على الرغم من استيفائها كل الشروط، فبها أعلى معدلات انتشار للفيروس في العالم وتمتلك في ذات الوقت القدرة التصنيعية التي تسمح بإنتاج “سوفوسبوفير” جنيس بسعر معقول يسمح بتغطية حجم سوقها، بدل من شراءه بسعر السوق الباهظ الثمن.

تكلفة العلاج وإنفاق الحكومة المصرية

إذا نظرنا إلى السعر المقدم لنا -٣٠٠ دولار شهريًّا- في ضوء ما تنفقه الحكومة المصرية على الصحة بشكل عام، وعلى الالتهاب الكبدي سي بشكل خاص، نجد أن سعر “سوفوسبوفير” المطروح على الحكومة المصرية سيكلف خمسة أضعاف إجمالي ما أنفقته على الصحة عام ٢٠١١، في حالة تلقي جميع المرضى هذا العلاج. الجدير بالذكر أنه حتى عام ٢٠١١ نجح برنامج الكبد في توفير العلاج لـ ١,٦٧٪  فقط من مرضى فيروس سي المزمن، وأن ميزانية البرنامج القومي للعلاج تغطي ٤٠٪ فقط من إجمالي الإنفاق الحقيقي للبرنامج.

كان د. وحيد دوس رئيس اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية قد صرح لـ “المبادرة المصرية” أن تكلفة العلاج ستتحملها عدة جهات أخرى إلى جانب برنامج الكبد، مثل هيئة التأمين الصحي والنقابات. كما أن هناك مقترحات لتحميل المرضى جزءًا من التكلفة.

يجب ألا نُغفِل طبيعة الالتهاب الكبدي سي الاقتصادية – الاجتماعية في مصر، وهذا واضح من توزيعه الجغرافي، وتوزيعه بالقياس إلى الثروة. هذا إلى جانب الإنفاق الخاص المرتفع في مصر على الصحة والدواء. فالمريض المصري يتحمل ٦٨٪ من إجمالي المصروف على الدواء.

ولذلك يبقى السعر المرتفع هو العائق الرئيسي أمام الحصول على العلاج في مصر.

وليس واضحًا حتى الآن كيف ستتمكن الدولة – ممثلةً في وزارة الصحة والبرنامج القومي للفيروسات الكبدية – من توفير الميزانية اللازمة لشراء “سوفوسبوفير”.

لم يتم الإفصاح عن تفاصيل الاتفاق مع شركة “جلياد”، إلا أن أعضاء وفد وزارة الصحة بمؤتمر الفيروسات الكبدية بجنيف (٢٧ – ٢٨ مارس ٢٠١٤) صرحوا بأن سعر الجمهور في السوق –خارج برنامج الكبد– سيكون خمسة أضعاف سعر وزارة الصحة، أي ٤٥٠٠ دولار للعلاج لمدة ١٢ أسبوعًا.

بحسب “جلياد”، فإن علاج النمط الجيني الرابع للفيروس (Genotype-4) المنتشر في مصر يتم باستخدام “سوفوسبوفير” مع “الإنترفيرون” و”ريبافيرين”. في حين أن الدكتور وحيد دوس كان قد صرح للمبادرة أن الشركة تحاول تطبيق نظام العلاج لمدة ستة أشهر باستخدام “سوفوسبوفير” فقط. وهو بالتأكيد الخيار الذي يضمن سوقًا كبرى للشركة.

العلاج لمدة ستة أشهر، لن يتم تطبيقه حتى تنتهي التجارب السريرية على النمط الجيني الرابع للفيروس، وبحسب تصريحات “جلياد” فإن نتائج تلك التجارب ليست نهائية ولم تُنشر بعد.

كما أنه ليس من الواضح ما إذا كان سعر “سوفوسبوفير” المطروح يأخذ في الاعتبار تكلفة “الإنترفيرون” و”ريبافيرين”، في حالة ما إذا تم تطبيق نظام العلاج المركب. وهي نقطة هامة جدًّا لأنه عندها ستتغير الحسابات.

طالما اعتمدت سياسة وزارة الصحة في التفاوض على أسعار الدواء على الحصول على سعر منخفض نسبيًّا للوزارة للاستخدام، من خلال القطاع العام في مقابل السماح بأسعار أعلى للسوق والقطاع الخاص.

وبالنظر إلى ارتفاع الإنفاق الخاص على الدواء في مصر –أي ما يدفعه المرضى من مالهم الخاص للحصول على العلاج دون تغطية تأمينية– يبقى قطاع كبير من مرضى الالتهاب الكبدي سي خارج مظلة العلاج، لأن سعر السوق المطروح أعلى من تحمل ميزانيتهم.

لماذا التصنيع المحلي هام لمصر

مؤخرا أبدت عدة شركات دوائية مصرية رغبتها في إنتاج “سوفوسبوفير” محليًّا، كما بدأ البعض بالفعل التواصل مع مصنعي المادة الدوائية الفعالة في دول أخرى.

الإنتاج المحلي ليس فقط مصدرًا للدواء الرخيص للمريض وللدولة على السواء، إلا أنه يخلق منافسة تجعل الشركة المنتجة للمستحضر الأصلي تخفض من أسعارها في السوق المصرية.

وهناك سابقة لحالة مماثلة بالنسبة إلى فيروس الالتهاب الكبدي سي حين بدأت شركة “مينافارم” المصرية بإنتاج “الإنترفيرون” pegylated interferon، الذي يعتبر مستحضرًا مثيلًا بيولوجيًّا  biosimilar مما أجبر شركة “روش” على تخفيض سعر منتجها.

الإشكالية تقع في عدم دعم وزارة الصحة لتلك الجهود التي تقوم بها صناعة الدواء في مصر بحسب ما صرح به بعض ممثلي الشركات الوطنية. واتضح ذلك في عدم ظهور هذا الموضوع المهم على أجندة القائمين على التفاوض مع شركة “جلياد”.

كان من المفروض أن يناقش صانعو القرار بوزارة الصحة – ممثلين في لجنة الكبد والإدارة المركزية للشئون الصيدلية – سياسة تقييد التصنيع المحلي التي تطبقها “جلياد”، وأن يلقى هذا الشرط المجحف الاهتمام اللازم من قبل الدولة.

فبموجب اتفاقية التريبس الموقعة عليها مصر وقانون الملكية الفكرية رقم ٨٢ لسنة ٢٠٠٢، يمكن للشركات المصرية تصنيع أي مستحضر لا يخضع للحماية ببراءة الاختراع داخل الأراضي المصرية، وهي حالة “سوفوسبوفير” الآن. كما أنه بموجب نفس النصوص يمكن للدولة المصرية وقف العمل ببراءة الاختراع لأي دواء تحت الحماية ترى أهمية توفيره للمريض المصري بسعر منخفض، وهو ما يسمى بالترخيص الإجباري. وهو من ضمن المرونات التي يمكن لمصر اللجوء إليها في حالة تسعير الأدوية بأسعار خارج متناول المرضى أو في حالة انتشار أي مرض بشكل يهدد أمن البلاد.

إذا اعتبرنا ملف فيروس سي قضية أمن قومي فعلى الدولة الوقوف أمام تعسف الشركات العالمية سواء في تسعير منتجاتها أو في منع تصنيعها محليا.

اعلان