Define your generation here. Generation What
سياحة ضريبية على شواطئ الكاريبي
 
 

تتكون من ثلاث جزر متناهية الصغر في غرب الكاريبي، عدد سكانها ٥٦ ألف نسمة ومساحتها لا تتعدى ٢٦٤ كم مربع، أي حوالي ربع مساحة القاهرة، ومع ذلك فإن دولة جزر الكايمان تحتل المركز السادس في قائمة أكبر الدول المستثمرة في مصر على مدار ٤٣ عاما، برأس مال يقترب من ٦ مليارات دولار، متفوقة على الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإيطاليا، بحسب البيانات التي حصلت عليها مدى مصر من وزارة الاستثمار.

تلك ليست الحالة الوحيدة لدولة متناهية الصغر يكون حجم استثماراتها في مصر غير متناسب مع حجمها، فتحتل المركز الحادي عشر في القائمة جزر العذراء التي يبلغ مجموع سكانها ٢٧ ألف نسمة ومساحتها ١٥٣ كم مربع فقط، وتستثمر في مصر برأس مال ٢,٧ مليار دولار. السؤال هنا هو كيف يمكن لدول بهذا الحجم الصغير أن يكون لها هذه الاستثمارات في بلد لا تربطها به علاقات تاريخية أو تجارية أو ثقافية مثل مصر؟ السبب أن الشركات القاطنة في هذه الجزر تنتمي لها فقط على الورق لأغراض التهرب أو التفادي الضريبي والسرية، وبتتبع تفاصيل بعض هذه الشركات توصلت مدى مصر إلى أن الكثير منها تنتمي لشركات ورجال أعمال مصريين بالرغم من كونها استثمارات أجنبية على الورق.

مجموع الاستثمارات الآتية من الملاذات الضريبية لمصر بلغ خمسة مليار دولار (أي نحو ٣٨ مليار جنيه مصري) حتى أبريل من العام الماضي، بحسب بيانات وزارة الاستثمار، ولا يشمل هذا الرقم الملاذات الضريبية الموجودة داخل بلدان لا تعرف على إنها ملاذات ضريبية، وهذا يعني ضياع أموال على خزينة الدولة تمثل الضرائب التي كان سيتم تحصيلها في حالة استثمار هذه الأموال باسم شركة مصرية خاصة.

وتقدر شبكة العدالة الضريبية الخسائر الناتجة عن ممارسات التهرب الضريبي المختلفة التي تأتي من ضمنها الاستثمار السري الدائري ونقل الأرباح في مصر بنحو ٦٨ مليار جنيها مصريا سنويا.

السياحة الضريبية

جزر الكايمن، التي تتبع التاج البريطاني في بعض الأمور، مثل الجيش والتمثيل العسكري لقلة عدد سكانها، وإن كانت دولة مستقلة ذات سيادة في الأمور الأخرى التي تخص الحكم، يوجد بها ما يزيد على ٨٠ ألف شركة -وهو الرقم الذي يفوق عدد سكان الدولة- فحساباتها تتمتع بسرية تامة لا تخضع لأي قوانين خاصة بالمراقبة، كما أن معدل الضريبة على الأرباح والدخل صفر، وتعتمد الدولة على الرسوم كمصدر للدخل.

٣٠٠ ألف سائح سنويا يذهبون إلى زيارة هذه جزر الكايمن للاستمتاع بشواطئها الاستوائية، وهو ما يشكل عصب إقتصاد الدولة، والي جانب السياحة الشاطئية٬ تعتمد الجزر أيضا على السياحة الضريبية ولكن بعكس السائح، لا يحتاج المستثمر إلى الذهاب لجزر الكايمان للاستمتاع بسرية التعاملات المالية وغياب الضرائب على أرباح الاستثمارات التي تعتبر العمود الثاني الذي يرتكز عليه اقتصاد هذه الدويلة، فيمكن للمستثمر تأسيس شركة دون أن يغادر مكتبه عن طريق مكاتب وسيطة تقوم بالتأسيس مقابل رسوم تتراوح مابين ٧٠٠ و١٢٠٠ دولار فقط.  

ومن ثم فإن أحد مميزات الاستثمار في جزر الكايمن، بخلاف الامتيازات الضريبية والسرية التامة، هي السهولة الكبيرة في تأسيس الشركات، بحيث يمكن تأسيس الشركة برسوم رمزية بدون الحاجة لتحمل مشقة السفر إلى هذه الجزر البعيدة.

فيقوم المستثمر في مصر مثلا بتحويل المال للشركة الجديدة التي تستثمر بعد ذلك في الأسهم والسندات في شركات مصرية، وعلى الرغم من أن الأرباح على هذه الاستثمارات تعود إلى المستثمر المصري المقيم في مصر والمساهم في شركات مصرية، فإنها تظهر على أنها أرباح شركة أجنبية لا تخضع لقوانين الضرائب في مصر، ولحسن حظ المستثمر، تقع الشركة في بلد لا يجمع أيضا ضريبة على الدخل، مما يزيد من جاذبيتها.

“يسبب هذا الاستثمار الضرر على عدة مستويات، أولا يقدم وسيلة للتهرب الضريبي للمستثمرين المحليين مما يعني مدارس ومستشفيات أقل وانتهاك لسيادة القانون، فلو كنت تدعى أنك مستثمر أجنبي، في حين إنك لست أجنبيا، فإن هذا احتيال، وهي جريمة تعاقب عليها أغلب البلدان”، هكذا يقول لمدى مصر نيكولاس شاكسون الكاتب البريطاني والباحث في شبكة العدالة الضريبية ومؤلف كتاب “جزر الكنوز” الذي يناقش الآثار السلبية للملاذات الضريبية

ويضيف شاكسون “ثانيا، هذا النوع من الاستثمار يتطلب السرية حتى يمكنك الادعاء بأنك مستثمر أجنبي والسرية تسبب هي الأخري ضرر على عدة مستويات، فهي تضر بالمبادئ الديمقراطية وتوفر الإفلات من العقاب للنخب الثرية التي تستفيد من الملاذات الضريبية.”

نيك هيليارد الباحث البريطاني ومؤسس منظمة كورنر هاوس أكد لمدى مصر على ما قاله شاكسون، موضحا أن “الملاذات الضريبية ليست فقط وسيلة للتهرب من الضرائب، بل أيضا لإخفاء الأموال والتحايل على القوانين”.

ويضيف هيليارد والذي قام ببحث عن أموال جمال مبارك في الملاذات الضريبية أن هذه الجزر الطريقة الأسهل للأنظمة الديكتاتورية الفاسدة لإخفاء أموالها المنهوبة. ومن الممكن إضافة درجات من الصعوبة عن طريق جعل هذه الشركة مملوكة لشركة أخرى في واحدة من جنات السرية الأخرى مما يصعب عملية البحث عنها حتى بالنسبة للسلطات، على حد تعبيره.

وقدرت شبكة العدالة الضريبية حجم الأموال الموجودة في ٨٠ ملاذا ضريبيا حتى يوليو ٢٠١٢ بما يتراوح ما بين ٢١ إلى ٣٢ تريليون دولار، ما يمثل ثلث الناتج المحلي الإجمالي السنوي، وحجم الأموال غير الخاضعة للضريبة أو المراقبة بسدس إجمالي الثروة في العالم.

كما قدرت منظمة أوكسفام الدولية حجم الاستثمارات النازحة إلى تلك الملاذات حتى مايو ٢٠١٣ بحوالي ١٨,٥ تريليون دولار سنويا، وهو “مبلغ توفر الضرائب المستحقة عليه فقط ضعف المبلغ المطلوب للقضاء على الفقر تماما في جميع أنحاء العالم”، تبعا لموقع أوكسفام.

استثمارات مصر في الملاذات الضريبية

تستثمر العشرات من الشركات المصرية في قطاعات البترول والأسمنت والأغذية والحديد والبنوك وغيرها من القطاعات عن طريق شركات مسجلة في الخارج وعادة ما تكون مسجلة على الورق في ملاذات ضريبية ولذلك تعتبر في بيانات الهيئة العامة للاستثمار شركات واستثمارات أجنبية. وبخلاف الأسماء المعروفة والسياسية، فعند البحث عن اسم “Egypt” على موقع Offshore leaks الذي ينشر بيانات مسربة عن أصحاب الشركات السرية في الملاذات الضريبية، عن طريق تتبعه لـ ٢,٥ مليون رسالة بريد إلكتروني، ستجد في القائمة ما يزيد عن ٢٠ اسم، أبرزها عائلة نصير ومنير ثابت، شقيق سوزان مبارك.

ومن المستفيدين من الشركات المؤسسة في الملاذات الضريبية رجل الأعمال حسين سالم المعروف بقربه من الرئيس الأسبق حسني مبارك، فقد امتلك سالم حصة في شركة غاز شرق المتوسط- التي كانت مسئولة عن تصدير الغاز لإسرائيل والأردن وأسبانيا- عن طريق شركة أخرى مسجلة في جزر العذراء البريطانية Mediterranean Gas Pipeline المملوكة لشركة أخرى مسجلة في بنما Clelia Assets Corp. والشركة الأخيرة كانت تمتلك حصصا في ١٨ شركة مصرية عن طريق صندوق استثمار مسجل في جزر الكايمان تحت اسم Egypt Fund بحصة تقدر بـ ٣ مليون دولار، ويشارك عائلة سالم في هذا الصندوق الاستثماري السري  أحمد عز بشخصه وجمال وعلاء مبارك من خلال صندوق آخر مسجل في ملاذ ضريبي آخر وهو جزر العذراء البريطانية وتدعى Panworld Investments، طبقا لوثيقة صادرة من مكتب مساعد وزير العدل لشئون الكسب غير المشروع حصلت عليها مدى.

من ناحية أخرى امتلكت Panworld Investments حصة في شركة بوليون القبرصية المملوكة أيضا لعلاء وجمال مبارك -وهي الشركة التي امتلكت نسبة ٣٥٪ من صندوق EFG-Hermes Private Equite المسجل في جزر العذراء البريطانية والذي يدير ثلاثة صناديق منهما اثنان مسجلان في جزر الكايمان.

ووفقا لقائمة مساهمي شركة السادس من أكتوبر للتنمية والاستثمار (سوديك) في يناير ٢٠١١، امتلكت شركة تدعى October Property Development نسبة ١٦٪ من شركة سوديك، ومن البحث عن هذه الشركة عثرت مدى على وثائق أخرى من البنك المركزي الأيرلندي تفيد بأن شركة October Property Development مسجلة في الجزر العذراء البريطانية ومملوكة لشركة إي إف جي هيرميس المصرية.

محاصرة استثمارات الملاذات الضريبية

حاولت بعض الدول محاصرة هذا النوع من الاستثمار، فقد قام البرلمان البلغاري في شهر ديسمبر الماضي بتمرير قانون يمنع الشركات المسجلة في الملاذات الضريبية من الاستثمار في ٢٨ قطاعا حيويا بما فيها البنوك وشركات التأمين والإعلام بعد تواتر أخبار عن تورط رئيس الجمهورية البلغاري روزين بليفنيليف العام الماضي في نظام للتهرب الضريبي مستخدما الملاذات الضريبية. لكن لم يمنع تورط رئيس الجمهورية في التهرب الضريبي البرلمان من تمرير القانون. وتحاول العديد من الدول والمؤسسات الدولية مثل ألمانيا ومجموعة الدول العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضغط بشتى الطرق على الدول التي تصنف كملاذات ضريبية لتوقيع اتفاقات الازدواج الضريبي وتبادل المعلومات الضريبية لدعم الشفافية والحيلولة دون استخدام هذه الملاذات لإخفاء الأموال غير الشرعية وعدم خضوعها للضرائب.

وبالإضافة إلى ذلك، صوتت لجنتي الحريات المدنية والشئون الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي في ٢٠ فبراير ٢٠١٣ على إدراج أسماء أصحاب الشركات الفعليين في السجلات العامة لدول الاتحاد الأوروبي وفقا لقواعد مكافحة غسيل الأموال الخاصة بالاتحاد الأوروبي، ومن شأن ذلك تصعيب إخفاء الأموال في الملاذات الضريبية وتحقيق قدر أعلى من الشفافية والمسائلة. ويري المحللون أن هذه أساليب من الممكن أن تستفيد بها دول مثل مصر فقط في حال توافر إرادة سياسية ورغبة صادقة لمحاربة هذه الممارسات الضارة بالاقتصاد الوطني.

أكبر ١١ دولة مستثمرة في مصر

الملاذات الضريبية التي تستثمر في مصر
المصدر: الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة
اعلان
 
 
أسامة دياب