Define your generation here. Generation What

فحم وأشياء أخرى

عندما تحدث هشام قنديل في صيف ٢٠١٢ عن ضرورة “الكوتنيل”  في مؤتمر صحفي على خلفية أزمة انقطاع الكهرباء تفائلت بحذر، فحينها ظننت أن حكومة قنديل ستلجأ للشفافية والمكاشفة عن حقيقة وحجم الأزمة في تقليد جديد على الدولة المصرية، تكشف فيه عجزها للجمهور وتطلب عونه وشراكته. ولم يمر عام حتى وقف محمد مرسي يتحدث عن “الخمسين جنيه” التي يتقاضها عامل الكهرباء من “الفلول” لقطع النور، في خطبة هزلية عكست كيف قضى الصراع السياسي المحتدم بعد ثورة يناير على أي فرصة للنقاش الجاد حول حقيقة اللحظة وفرص المستقبل، فاتهام الفلول بالتآمر لقطع الكهرباء هي الروايه التي اختارها الرئيس المنتخب ليتشاركها مع الجمهور لتفسير ظاهرة انقطاع الكهرباء المزمن.

وها هي فرصة أخرى قد ضاعت بعد الثلاثين من يونيو لنقاش جاد حول الأزمة والمستقبل، فلقد وجدنا نفسنا أمام دولة “مفككه” تحركها نوازع الانتقام والتشفي وتفتقد الحد الأدنى من الرشاده، تحشد أجهزتها الدعائية لتسويق البديل القمعي على أنه البديل الجاد بينما المعارضة بل “السياسة” هي لعبة المزايدين والخونة، بينما أطلقت يد أجهزتها الأمنية لإرهاب كل القوى الحية في المجتمع، لتقطع الطريق على أي نقاش وطني جاد وعلى أي إمكانية لخلق تحالف اجتماعي واسع قادر على انتشال الدولة من أزمتها العميقة.

إن خيار الدولة هذا سيجعل من كل قراراتها ماده للتشكيك والتوجس،الأمر الذي حول النقاش العام في مصر إلى تمرين عبثي محاصر بين التواطؤ والمزايدة، وللخروج من هذه الدائرة المفرغة، سأحاول في هذه المقالة الاشتباك مع النقاش الدائر حول الفحم بعد قرار الحكومة بادماجه في منظومة الطاقة، في محاولة لوضع الأمر في سياق ربما يفيد في ترشيد الجدل الدائر وفهم حقيقة الأزمة.

عن الكهرباء

إن قطاع الكهرباء المصري لا يمكن توصيفة سوى بالقطاع المتخلف، فبينما تقترب القدرات الإنتاجية المصرية مع نهاية ٢٠١٤ من الثلاثين ألف ميجا وات، تقترب هذه الطاقات الإنتاجية في دولة مثل جنوب أفريقيا لـ ٤٤ ألف ميجا وات، وكوريا الجنوبية (٨٠ ألف ميجا وات) بينما تصل القدرات الإنتاجية لألمانيا الموحدة إلى ١٧٠ ألف ميجا وات. هذه هي الحقيقة الأولى التي يجب أن نعرفها، فتخلف القدرات الإنتاجية المصرية هي أصل الأزمة، وربما تكون الحقيقة الثانية الهامة أن الاستهلاك المنزلي يمثل ٤٠٪ من الطاقة المولدة، فالنسبة الأكبر للطاقة المولدة تستهلكها الغسالات وأجهزة التكييف بينما لا تتعدى الكهرباء المستهلكة في نشاط التصنيع ٣٠٪.

أضافت مصر في الخمسة عشر عاما السابقة ١٠٢٠٠ ميجا وات مولدة من المحطات الحرارية، هذه المحطات الحرارية تنسقم إلى نوعين: المحطات المركبة (combined cycle) والمحطات البخارية، ٧٣٪ من هذه الطاقة مولده من المحطات المركبة بينما ٢٧٪ من المحطات البخارية، هذه الطاقة بأكملها تعتمد في التوليد على الغاز الطبيعي كوقود أساسي، وتمثل الكهرباء المنتجة بالغاز ٦٥٪ من مجمل إنتاج الكهرباء (مائي وحراري وشمسي ورياح)، ولهذا فمع تناقص إمدادات الغاز للقطاع أصبحنا أمام أزمة كهرباء حقيقة تهدد مجمل النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

يرجح الكثيرين تناقص إمدادت الغاز لمحطات الكهرباء إلى عدم دفع الحكومة المصرية مستحقات الشركات الأجنبية المسئولة عن التنقيب عن الغاز واستخراجة والتي بمقتضى عقودها مع الحكومة المصرية لها حصة تصل لخمسين في المئة من قيمة الغاز المستخرج، ومع تراجع قدرة الحكومة المصرية على تلبية استحقاقات هذه العقود، تراجع نشاط هذه الشركات، الأمر الذي أدى إلى تناقص إمدادات الغاز، وبالطبع هذا يطرح السؤال حول خطورة الاعتماد بالكامل على مصدر وقود واحد في إنتاج الطاقة، خاصة أن الغاز الطبيعي وقود تخضع عملية الحصول عليه لشروط تعاقدية مع شركات أجنبية كبرى محتكرة النشاط وقادرة على ممارسه أشكال متنوعة من الضغط والابتزاز على الحكومة المصرية.

من هنا تأتي أهمية تنوع مصادر الطاقة (POWER MIX)، فتنوع مصادر الطاقة يعطي الحكومة مساحة للحركة وقدرات استراتجية للمناورة في نشاط إنتاج الطاقة من خلال تعاقدات متنوعة مع أطراف متنوعة، فعلى الرغم من أن لدينا غاز طبيعي إلا أن هذا لا يعني أنه بين أيدينا، فبيننا وبين الغاز القابع في بطن أرضنا تعاقدات مجحفة لها طبيعة تعكس في جوهرها روح النظام العالمي وطبيعة توازناته.

وفي إطار تفاقم أزمة الطاقه وانقطاع الكهرباء، تابعنا جميعاً الجدل الذي ولده إمكانية استخدام مصر للفحم، بالأخص فيما يتعلق بالأضرار الصحية والبيئية التي قد تنجم عن ذلك، خصوصاً في ظل تدهور مؤسسات الدولة الرقابية، إلى آخره، وهذا ما سأتطرق له لاحقاً في المقال. ولكن أريد تنحية القلق من أضرار الفحم البيئيه لوهلة، لأسأل: هل من الممكن أن يكون استخدامنا للفحم خطوة إيجابية في خلق تنوع الطاقة المرجو؟

تأتي الميزة النسبية للفحم لتوفره بتنوع في العالم، أي يمكن استيراده من أماكن متنوعة في العالم مثل جنوب أفريقيا ورسيا وإندونسيا وكولمبيا، كما أن احتياطي الفحم في العالم يعادل ثلاث اضعاف احتياطي البترول، الأمر الذي يجعل منه بديلا استراتجيا. وربما من المهم هنا ذكر أن الفحم حتى الآن هو ركيزة أساسية لإنتاج الكهرباء في العالم: ٤٣٪ من إنتاج الكهرباء في ألمانيا، ٩٣٪  من إنتاج جنوب إفريقيا، ٤٣٪ من إنتاج أمريكا، ٥٩٪ من إنتاج إسرائيل، ٦٨٪ من إنتاج الهند و٢٩٪ من إنتاج بريطانيا و٨١٪ من إنتاج الصين، بل إن ٤١٪  من مجمل الطاقة الكهربائية المنتجة في العالم معتمدة على الفحم، وربما من المهم هنا أن نذكر أن الهند والصين وبريطانيا وألمانيا ضمن الدول العشر الأولى في استيراد الفحم.

أما مصر فلا تمتلك سوى أنواع رديئة من الفحم ولإنتاج الكهرباء سنعتمد بلا شك على استيرداه، وهذا بالطبع يعنى أن الاعتماد على الفحم في النهاية سيبقى محدودا، وربما ليس من المنتظر أن يتجاوز إنتاج الكهرباء من الفحم في أي خطة مستقلبية حاجز الخمسة في المئة من مجمل إنتاج الطاقة، إلا أن هذه الخمسة في المئة ستدفع الحكومة للاستثمار في بنية تحتية من أول تجهيز المواني للتخزين والنقل والتشغيل، كما ستتراكم الخبرات التي ستجعل من عملية إنتاج الطاقة من الفحم عملية مجربة وتجعل التوسع في الاعتماد عليه أمرا ممكنا وكارت للتفاوض في ظل وضع دولي يزداد تأزماً، وضع تمثل الطاقة فيه رقما أساسيا وتلعب فيه أدوارا حاسمة في رسم خريطة التحالفات والصراعات الدولية، أي أن العائد من التنوع في مصادر الإنتاج أكبر بكثير من  وزن المنتظر للفحم في عملية الإنتاج، فالفحم يبقى إمكانية استراتيجية أكثر من كونه بديل يمكن أن يمثل ركيزة أساسية في إنتاج الكهرباء.

عن البيئة

أما فيما يتعلق بالبيئة، فإنتاج الطاقة من احتراق الوقود الأحفوري هي عملية  بطبيعتها لها تأثيرات بيئية ضارة، فاحتراق الوقود ينتج أوكسيدات النيتروجين وأكسيدات الكبريت وأوكسيدات الكربون بالإضافة للجزيئات (particulate)، وبالطبع لهذه المنتجات آثار بيئية وصحية دفعت البشرية والكوكب ثمنها. لكن مع تنامي الاهتمام الأممي بقضية البيئة في العقود الأخيرة شهدت أنظمة المعالجلة للحد من منتجات الحريق المضرة  تطورا هائلا، وتحققت نتائج جيده للغاية في التحكم في نسب العناصر المضرة في منتجات الحريق.

يبقى الفحم بلا شك هو أسوأ وقود أحفوري من حيث منتجات الحريق الضارة  بالمقارنة بالسولار وبالغاز الطبيعي الذي يعد الوقود الأحفوري الأقل ضررا، إلا أن الشروط البيئية الصارمة للبنك الدولي والإتحاد الأوروربي والولايات المتحدة، قد دفعت الشركات الكبرى لتطوير أنظمة المعالجة للامتثال لهذه الشروط، خصوصا مع اعتماد العالم على الفحم في إنتاج الكهرباء. وبالتالي ظهرت تكنولجيا الفحم النظيف، التي تزود فيها المحطات بأنظمة معالجة تعمل على تخفيض أوكسيدات الكبريت وأوكسيدات النيتروجين والجزيئات. وعلى الرغم من أن هذه الأنظمة ترفع من تكلفة بناء المحطة بنسبة قد تصل إلى الـ ٢٥٪ من سعر المحطة، إلا أن بالقارنة بالطاقة المتجدده (الشمسية والرياح) يظل سعر إنتاج الطاقة بالفحم ذو جدوى وبديل منافس في سوق الإنتاج.

هذا و يظل بلا شك الغاز أفضل بكثير من حيث الأضرار والسعر، ويظل استخدام الغاز في التربينات الغازية -أحد مكونات الدورة المركبة- هو الأفضل فيما يخص البيئة والسعر، وكما ذكرت سابقا ٧٣٪ من المحطات التي تم إنشائها في الخمسة عشر عام الماضية تعتمد على هذه التكنولويجا النظيفة نسبيا بعد أن دخلت مصر الألفية الثانية بوفرة نسبية في الغاز، إلا أنه علينا أيضا أن نعي أن هذه التكنولوجيا المتطورة والنظيفة لا تملكها سوى خمس شركات في العالم، ثلاث منهم (جنرال إليكتريك وسيمنس وإم إتش آي) هم من نافسوا في السوق المصرية، وبما أن هذه التكنولوجيا تطلب صيانة دورية خاصة وبوتيرة تزيد عن المحطات البخارية التقليدية، فإن هذه الشركات تحتكر أيضا عمليات الصيانات من خلال تعاقدات طويلة المدى.

يجب علينا أن نضع أيدينا هنا على معضلة الغاز، فهذا الإنتاج الصديق للبيئة هو في الحقيقة إنتاج تحتكره شركات كبرى، لا يمكن التخلص من نفوذها وسيطرتها إلا بالتنوع في مصادر إنتاج الطاقة، فإنتاج الطاقة بالغاز الطبيعي النظيف هو في حقيقة الأمر مجال تحتكره الشركات الكبرى من لحظة استخراجه وحتى النهاية.

كهرباء الطاقة الشمسية؟

اهتم العالم بالطاقة المتجددة بعد الاهتمام العالمي بظاهرة الاحتباس الحراري مع نهاية القرن الماضي، وأصبح الحديث عن طاقة متجدده من الشمس والرياح  حديثا هاماً يخص مستقبل الإنسانية، وتم تكوين اللجان الدولية وورش العمل والمؤتمرات لمتابعة الظاهرة والرقابة على الدول والشركات الكبرى لتخفيض الانبعاثات المضرة ومحاولة الدفع لاستثمار أوسع في البدائل النظيفة للطاقة، وتبقى التكلفة العالية نسبيا لإنتاج الكهرباء من الطاقة المتجدده عائق أمام هذا التوسع المرجو.

رغم العناية المتزايدة بالطاقة المتجدده لا زال إنتاج العالم منها لا يتجاوز الـ ٢٠٪ من مجمل إنتاج الكهرباء ( مائي وشمسي ورياح)، إلا أنه بالتأكيد هناك مساعي جادة من الحكومات الغربية في الاستثمار في الطاقة الشمسية والرياح بشكل أكبر حفاظا على الكوكب، لكن يبدو أن الحفاظ على الكوكب ربما سيدفع ثمنه من لم يساهم أبدا في تهديده. إن دول المركز الرأسمالي -صاحبة الإسهام الأساسي في الاحتباس الحراري عبر قرنين من الاعتماد على الطاقة الأحفورية والتي لازال نشطاها الإنتاجي هو الأكثر تهديدا للبيئة وتأثيرا في الكوكب- تمارس ضغوطا على الدول النامية للحد من استخدامها للوقود الأحفوري و تدفع لإدماج أوسع للطاقة المتجددة في عملية الإنتاج.

و بالطبع  تأتي منطقة الشرق الأوسط على قائمة المناطق المستهدفة لتطوير تكنولجيا إنتاج الطاقة من الشمس والرياح، فمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تستقبل الأشعة الشمسية بكثافة عالية نسبيا كما أن لديها مساحات صحراوية شاسعه غير مستغله على حد تعبير التقارير الغربية (للبنوك والشركات التي تعمل في سوق الطاقة)، ومن هنا أصبحت المنطقة في بؤرة اهتمام العالم، كمنطقة يمكن استغلالها لتتحول إلى مصدر أساسي لإنتاج الطاقة النظيفة وتصديرها للعالم.

يأتي مشروع “ديسرتك” التي تقوده بالأساس شركات ألمانية كبرى بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي كرهان على النوايا الغربية، فهذا المشروع يستهدف مصر والمغرب والجزائر وتونس وربما سيمتد لشبة الجزيرة العربية والأردن، فهذا الحزام منتظر أن يكون أحد أهم ركائز إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية ومستهدف أن يوفر ١٥٪  من كهرباء أوروبا بحلول ٢٠٥٠. مفترض أن يبدأ تنفيذ المشروع في ٢٠١٤ وأن تكون المغرب هي نقطة البداية. لازالت الدراسات الفنية والاقتصادية حول جدواه مستمره وليس من المتوقع أن ينتج المشروع أكثر من ٥٠٠٠ ميجاوات بحلول ٢٠٢٠ ولكنه بلا شك أصبح مشروعا ممثلا لرغبة غربية استراتيجية ورؤية طويلة المدى لاستغلال الأرض والشمس الشرق الأوسطية ونقل الطاقة المنتجة عبر خطوط الضغط العالي للغرب عبر عقود بيع للكهرباء طويلة المدى تحصل الدول الغربية بمقتضاتها على حصة من الكهرباء المولدة في مقابل تقديم هذه الدول التكنولجيا والتمويل اللازم في صيغة تشبه كثيرا عقود استخرج الوقود مع الشركات الكبرى بل ربما تخضعنا لشروط أكثر إجحافا.

إن الغرب قد اختار استغلال الصحراء الشرق أوسطية بل حجزها مبكرا كحقلا للتجارب التكنولوجية والاقتصادية كخيار استراتيجى لاستثمار واسع في إنتاج نظيف للطاقة ولكنه أيضا استعمارى للمنطقة تجعل مستقلبها وبدائلها للتنمية مرتبط بخيارات دول المركز ومصالحها، فهذا المشروع لا يأخذ في الاعتبار الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للمشروع  بالنسبة لدولة الشرق الأوسط بقدر ما يخدم المصالح والخيارت الاستراتجية الغربية. ولهذا فإن الدول الأوربية تقاوم أي مشروع بديل لإنتاج الطاقة في المنطقة، فالشركات الغربية الكبرى مثلا ليست متحمسة لإنتاج الكهرباء بالفحم في مصر بل تضغط على دول شمال إفريقيا لتبّني الخيارات الغربية النظيفة في إنتاج الطاقة، فالدول الغربية -ومن خلفها الشركات والبنوك الكبرى- تعمل بالأساس على أن ترتبط كل بدائل النمو في المنطقة باستراتجياتها وأن تحتكر شركاتها المشاريع بل البرامج الشرق أوسطية لإنتاج الطاقة. من الجدير بالذكر أنه في ٢٠٠٩ أسست الشركات والبنوك المهتمة بالمشروع تحالف سمي “مبادرة ديسرتك الصناعية” (Desertec Industrial Initiative) وفي سبتمر ٢٠١٠ عقد المؤتمر السنوي لهذا التحالف في القاهرة.

ومن هنا تبدو الطاقة النظيفة بيئيا ليست نظيفة من علاقات الاستغلال الدولية، بل في قلب خطط الاستغلال الغربية، وأنا هنا لا أصادر على إمكانية الشراكة مع الغرب في عملية إنتاج نظيف للطاقة والعمل على تطوير كل الصناعات المغذية لهذه المشاريع بكل ما سيعني هذا من زيادة لاستثمار وتوفير فرص عمل ونمو الخبرات المحلية، ولكن يجب أن يحدث ذلك في إطار وعي بنوايا الغرب الجلية وفي إطار تنوع حقيقي في مصادر إنتاج الطاقة وتنوع الأطراف وأشكال الشراكة مع القوى الدولية الفاعلة في صناعة إنتاج الطاقة، أما التعامل مع الطاقة المتجدده باعتبارها بديل طاهر منبته الصلة بالسياق الدولي وتوازنات القوى وعلاقات الاستغلال والتبعية المؤسسة للنظام العالمى، فهذا مايتطلب مراجعة. الضغظ الشديد لاستخدام الطاقة المتجدده قد يدفعنا لكمين استعمارى بامتياز وقد يورطنا في مشاريع وعقود مجحفة لإنتاج كهرباء بأسعار باهظة لن نستفيد منها إلا استفاده محدوده بعد الإذعان للشروط الغربية.   

الديمقراطية والطاقة

أنا متفهم القلق من استخدام الفحم في إنتاج الطاقة، فالملايين من المواطنيين المصريين يعانون أمراضا أصابتهم بها انبعثات أو مخلفات لمصانع أو منشآت إنتاجية قريبه من مناطق سكنهم، فعدم خضوع هذه المنشآت للرقابة وتحيز الدولة لرجال الأعمال على حساب عموم المواطنين قد جعل القلق مشروعا، فآلاف المصانع غير الخاضعه لأي رقابه تنتهك يوميا الحقوق الصحية للمصريين، والرقابة البيئية المستقلة على كل عمليات الإنتاج أمرا ضروريا، بل إن المجتمع عليه أن يبدع أشكالا من المراقبة الشعبية على عمليات الإنتاج القريبة من الأحياء السكنية.

كما أنني أقدر كل الدعاوي لتشكيل تعاونيات لإنتاج الطاقة أو إشراك المواطنين في إنتاج نظيف للطاقة -بتركيب سخانات أو خلايا شمسية على أسطح المساكن-  يقلل الحمل على الشبكة القومية، وبالطبع هذا لابد أن يقترن بنضال ديمقراطي من أجل محليات مستقلة ومتنفذة قادرة على تفعيل مشروع شعبي لإنتاج الطاقة من الأحياء السكنية، ولكن هذا وحده لا يحل أزمة الطاقة ولا يجيب عن سؤال التقدم الذي يتطلب مضاعفة قدرتنا الإنتاجية من الكهرباء لتلبية متطلبات التنمية وهزيمة التخلف، وبالطبع هذا لا يجب أن يكون على حساب صحة المصريين ولكنه يجب أيضا أن لا يكون على حساب استقلالنا وقدرتنا على صياغه مستقله نسبيا لأولوياتنا الوطنية التي يجب أن تكون نتيجة لنقاش عام جاد نفتقده.

إن تنوع مصادر الطاقة وتقييم الأثر البيئي والجدوى الاقتصادية وأشكال مراقبة النشاط الإنتاجي وتقييم التعاقدات مع الأطراف الدولية (بنوك وشركات) وشروطها هي مواضيع يجب أن تنقاش بشكل سياسي قبل أن يكون فني في مؤسسات الحكم ومؤسسات المجتمع ويجب أن يتحول الرأي العام لطرف حقيقي في هذا النقاش، إلا أن الدولة المصرية لازالت تخشي النقاش والأسئلة الجادة، لا زالت السياسة عدوتها الأولى، لازالت المحسوبيات وشبكات المصالح تفضل الحكم السري الذي يغلق الطريق لأي تفاوض رشيد حول المستقبل لمصلحة صفقات عفنه لن تزيدنا سوى بؤسا وانحطاطا.

لقد ناقشت استخدام الفحم في إنتاج الكهرباء واعتبرت أنه من الممكن أن يتحول إلى أحد البدائل المعقولة التي يمكن أن تلعب دورا في تنوع نحتاجه لمصادر إنتاج الكهرباء، ولكن هناك مخاطر حقيقية في استخدام الفحم في صناعة الأسمنت على سبيل المثال في هذا المناخ الفاسد الذي يسمح لرجال الأعمال ببناء وتشغيل مصانع لا تخضع لأي شروط بيئية ولا لأي رقابة من أي نوع، فبهذا القرار تمنح الدولة لمصانع الأسمنت حق التشغيل بالفحم لتترك الغاز بالأساس لمحطات إنتاج الكهرباء وهي هنا أعطت من لن يلتزم بأي معايير حق استخدام الفحم كطاقة رخيصة، أي أعطت لهم ميزة نسبية لن تخضع لأي رقابة، فهي بذلك قد عوضت صناعة الأسمنت بحق استيراد واستخدام الفحم حتى تتمكن من استغلال الغاز -التي كانت تمد به هذه المصانع- في إنتاج الكهرباء، إلا أن هذا بمثابة إطلاق ليد لصناعة الأسمنت في استخدام الفحم بدون أي ضمانات، فإذا كانت محطات الكهرباء تخضع لمعايير دولية صارمة فإن المصانع الخاصة خصوصا في بلد مثل مصر لن تخضع سوى لحسبات تعظيم المكسب في غياب شبه كامل للدولة.

أخطر ما في قضية الطاقة هو أن الدولة وأجهزتها تعمل بالأساس على ترضية عدة عصابات لا يعنيها سوى مصالحها الضيقة على حساب ملايين المواطنين، التي لا تقدم لهم الدولة إلا خدمات منهارة ورشاوى موسمية (إذ أمكن) أو القبض العشوائي وربما إطلاق الرصاص. هذه الدولة تحرمنا كما تحرم نفسها من أي فرصة للنقاش الجاد حول الراهن والمستقبل، ومن أي إمكانية للإنقاذ.

اعلان
 
 
أكرم إسماعيل