Define your generation here. Generation What

ماذا لو كان الجدار سيتشقق في الضربة القادمة؟

في الحقيقة، تمر كل التيارات السياسية، في مرحلة ما من تاريخها، بهزيمة بنيوية، لا تخفف منها الشجاعة، ولا يردها الذكاء السياسي وسعة الحيلة، بنيوية بمعنى الوصول لبنى مجتمعية معادية لطموح هذه التيارات، بشكل يصعب مراوغته، ويكون حينها الفعل الوحيد، هو الرهان على شيء ما يهز هذه البنية في أقرب وقت: انفتاح مفاجئ أو ثغرة تسمح لهذه التيارات بالعودة للعمل بشكل جاد مرة أخرى.

لكن هذه الثغرة، ليست ثغرة يمكن الوصول إليها بتخطيط مدروس، وإلا لم تكن الهزيمة بنيوية إذا، وعليه فالرهان الوقتي على حدوث الثغرة هو: تحرك فجائي للجماهير، موت الطاغيه، أزمة اقتصادية غير متوقعة..إلخ.

شيء مربك جدا ، ويبدو صعبا جدا، الوصول إلى ماهية التصرف الصحيح في وقت الهزيمة تلك. فبماذا يمكننا أن ننصح يساريا ألمانيا سنة ١٩٣٥ مثلا، بعد أن وصل هتلر للحكم، وبدى أنه لن يتركه أبدا؟ أو ما الذي كان يمكن أن يقوم به إسلامي سوري سنة ١٩٨٤ ليخفف من هزيمته، بعد أن تمكن حافظ الأسد من سحقهم عسكريا للأبد؟

المعضلة أن الإسلامي السوري سنة ١٩٨٤ لا يعلم ما نعلمه نحن اليوم عن ١٩٨٤ و ما جاء بعدها، نحن الذين نعلم أن حافظ الأسد سيستمر في الحكم ١٦ عاما ثم يموت ميتة طبيعية ويورث الحكم لابنه، ليستمر بدوره في الحكم لمدة ١١ عاما، ثم تقوم عليه ثورة (لا يبدو أنها ستنتصر). فالإسلامي السوري سنة ١٩٨٤ واليساري الألماني سنة ١٩٣٥ لم يروا أمامهم  حينها سوى ضباب كثيف، لأنه لم يوجد لديهم فعليا ما يراهنون عليه بعد استقرار الأنظمة المعادية لهما. ربما لاحت لكل منهما أحيانا، فكرة أن النظام هش، وينتظر فقط من يقدم على إسقاطه.

لم تكتسب تلك اللحظات التاريخية دلالاتها اليائسة، حتى بالنسبة لنا اليوم، سوى بعد انهيار كل محاولات تجاوز تلك الهزائم. حقيقة الأمر أنه لا يمكن الجزم بحتمية هزيمة تلك المحاولات حتى إن كانت الهزيمة بنيوية. فاستمرار حكم عائلة الأسد أكثر من ٤٠ عاما هو أطول مما ينبغي، ولنا أن نفترض حدوث ثغرات في أوقات ما، ولكن لم يتم الاستفادة منها أبدا.

في الأزمنة الحاضرة، دوما تلوح آفاق هنا وهناك، تنتظر من يسير إليها، لكن بُعد الزمن يجعل أشباح العوالم التي كانت ممكنة ويمكن رؤيتها في ذلك الزمن البعيد، خافتة جدا، لدرجة عدم القدرة على توقع وجودها يوما ما، دروب انتهت بمجرد الحياد عنها.

الثورة كتتابع مستمر للحظات مستقبلية مجهضة

يجادل لينين أن البشرية لا تطرح على نفسها إلا المهام التي تستطيع القيام بها، يتماشى ذلك مع الفكرة الماركسية عن الوعي كمنتَج للحياة، وبالتالي تكون أسئلته انعكاسات لإمكانيات حاضرة أو يمكن جلبها، وعليه فالثورة لا تكون مطروحة على جدول النقاش إلا في الوقت الذي تكون فيه ممكنة، وحتى وإلم تتحقق هذه الإمكانية فيما بعد، حتى في إخفاقات هذه الإمكانية، يمكن أن تلوح هنا وهناك أطلال مستقبل لم ينجح تماما في الوصول إلى هدفه، أي أن كل إخفاق يخلق شبحا لانتصاره الذي لم يكن، أي أنه كما توجد دائما أشباح تقاوم باسم الماضي الذي لن يعود، توجد أيضا أشباح تقاوم باسم المستقبل الذي لم يأت.

يمكننا أن نعتبر أن سنوات الثورة احتوت دوما هجمات كثيرة للحظات مستقبل مجهضة، أو بتعبير أدق لحظات إجهاض لمستقبل على وشك المجئ. يمكن اعتبار لحظة الصعود المتسارع في فبراير ومارس وإبريل ٢٠١٢ لحازم صلاح وشعبيته الكبيرة وسط أنصاره المنتمين للثورة دون انتماء ايديولوجي واضح، هي اللحظة الخومينية التي أجهضت بسبب قضية الجنسية الأمريكية لوالدته ومخالفة ذلك لقوانين الترشح وعجزه عن عمل احتجاج ذو معنى على استبعاده.

يمكن أيضا اعتبار لحظة التوافق على أبوالفتوح هي لحظة انتصار النمط الطبيعي للتحول الديموقراطي، التي أجهضت لأنه حاول الإخلال بها بالتغزل في السلفيين كثيرا ولم يفده ذلك في شئ.

بالقياس أيضا يمكن القول أن دعوات الإخوان لثورة على الانقلاب العسكري رغم إخفاقها، إلا أنها نجحت في لحظات معينة في خلق شبح لتحرك يتجاوز الأطر التنيظيمة للإخوان وقادر على جذب شرائح كبيرة من خارجهم، لكنه محض شبح لأنه لم يشمل إلا الدوائر الأكثر قربا من مجتمع الإخوان، ولم ينجح في تجاوز ذلك. لا تجهض الإمكانيات المستقبلية  دون أن تترك آثارها هنا وهناك.

ما الذي يجعل من هزيمة ٣ يوليو لحظة هزيمة مختلفة عن سابقاتها؟

يمكننا أن نقول أن لحظة نهاية الثورة هي اللحظة التي تكف فيها أشباح المستقبل الكثيرة عن الهجوم علينا، ليتبقى أفق وحيد، أفق لا يمكن الهروب منه، يأتي ومعه ضباب تام بخصوص أي آفاق أخرى، تلك اللحظة هي لحظة الهزيمة البنيوية للثورة، صعوبة تحديد هذه اللحظة تأتي من أن كل اللحظات المجهضة السابقة مرت بمراحل من سد الأفق، حتى بدت أنها هي الأخرى لحظة هزيمة بنيوية، لكن يمكن القول أن حتى تلك الهزيمة تأتي كأي لحظة أخرى محملة بإمكانيات هائلة، لكن يمكن التخفيف من حدة اندفاعها، ويمكن مقاومتها،  ويمكن حرفها عن مسارها، وهو ربما ما حدث للحظات السابقة التي لم تنجح في هزيمة الثورة بشكل نهائي.

ما جعل الثالث من يوليو هزيمة بنيوية للثورة، هو  إصرار الكتلتين غير العسكريتين على ترسيخ هزيمتهما بشكل لا يمكن إصلاحه بعد ذلك.

من جهة، الرفض الإخواني لتوسيع معسكرهم بشكل يسمح لهم بمقاومة الانقلاب العسكري، والدعوات السخيفة من أعضائهم لثورة إسلامية، والتمسك برئيس يرفضه غالبية الشعب.

ففي الوقت الذي كان بإمكانهم الاكتفاء بهزيمة يمكن علاجها، عن طريق الرضوخ للطلب الشعبي بتنحي مرسي، اعتقد الإخوان لسبب غامض في كل مرحلة أنهم في أسوأ ما يمكن الوصول إليه، وعليه لا داعي لتقديم أي تنازلات إذ ماذا يمكن أن يحدث أكثر من ذلك، لكن في كل مرة كان هناك الأسوأ.

ظل اعتصام رابعة مقاما لشهر ونصف وكان أغلب قيادات الإخوان وأعضائهم  أحرارا خارج السجون، لم يفكر الإخوان في عمل أي مناورة سياسية من أي نوع، اكتفوا فقط بدعوات للثبات والصبر وإطلاق شائعات كاذبة عن احتمالات لانشقاقات في الجيش.

ثم بعد الفض، ولمدة شهرين على الأقل، طوال فترة حظر التجوال، كانت مظاهرات الإخوان ضخمة جدا لنزول الكثيرين اعتراضا على المذبحة، ولم تكن الشرطة تهاجمها إلا حين اقترابها من الأماكن الحيوية كالتحرير ورمسيس، وكانت بعض هذه المسيرات تستمر بالخمس ساعات وهي تجوب الشوارع، ومع ذلك لم تفعل قيادة الإخوان أي  شيء للاستفادة من حالة الاحتشاد تلك، واكتفوا كعادتهم بدعوة للتصعيد والثبات بدون أي مبرر ولا خطة ولا هدف ولارؤية ولا مبادرة ولا تفاوض.

لم يضع الإخوان حد للحظة التي يلزم فيها تغيير الأسلوب المتبع، فعلى العكس تماما وفي اللحظات التي كان الحراك يكتسب زخما كما حدث مثلا في حراكهم في الجامعات بعد قتل محمد رضا طالب هندسة القاهرة على يد قوات الأمن نوفبمر ٢٠١٣، وتعاطف أغلب مجتمع الجامعة طلابا وأساتذة مع ذلك، مما أدى إلى دعوات لإضراب عام في الجامعة، قرر الإخوان في نفس اليوم، رفع شعارات مرسي ورابعة والدخول للتحرير، كما قاموا أيضا بالسخرية من أي من المعترضين علي أسلوبهم هذا الذي من شأنه أن  يقتل الحراك الطلابي.

جاء على لسن منظرين إسلاميين حينها أشياء من قبيل” دي ثورتنا وماحدش ييجي دلوقتي يركبها” و”كنتوا فين من الأول، جايين والثورة بتنجح تنضموا”، وكما هو متوقع قُتل الحراك الطلابي الجامع في مهده، واستمرت فقط مظاهرات إسلامية بلا قيمة، وغير قادرة على إقناع الطلاب بالإضراب أو عدم دخول الامتحانات. فشل تام!

ومن الجهة الآخرة، إصرار أغلب كتلة الثورة العلمانية عقب ٣٠ يونيو على التماهي التام مع الحكم العسكري كمعبر عنها، والتنازل عن رأسمالها الرمزي المتمثل في البعد الرافض لحكم العسكر مقابل  الشعور اللحظي بالوقوف في صفوف الأغلبية، “أننا الشعب”، ووهم التحالف الديموقراطي في السلطة الذي مثله بالأساس محمد البرادعي في منصب هامشي وبلا قيمة فعلية كنائب رئيس جمهورية للشئون الخارجية، وساهم بذلك في مساعدة الانقلاب على عبور المرحلة الأكثر خطورة.

حتى بعد استقالة البرادعي عقب مذبحة رابعة، وذهابه إلى حال سبيله في فيينا، ظلت كتلة ضخمة تستثمر في وجود جناح ديموقراطي في السلطة، جناح لا يمكن رؤية ما يجعله مختلفا عن غيره من حيث تماهيه فعليا مع خطة الطرف الآخر “الغير الديموقراطي” في السلطة.

ساهمت أسطورة الجناح الديموقراطي تلك في تأخير مقاومة العلمانيين للحكم العسكري إلى اللحظة التي أصحبت فيها مقاومته غير مجدية، فالمظاهرات العلمانية التي بدأت بالخروج في أواخر نوفمبر بشكل خجول، كانت لتصبح أكثر تأثيرا لو خرجت في يوليو، أو أغسطس أو سبتمبر أو أكتوبر، أي لو أتت في لحظات ارتباك النظام، وحاجته لتثبيت نفسه، وبالتالي قابليته للتفاوض، وليس بعد انتهاء كل شيء.

في لحظات ارتباك النظام، كانت هناك فرصة لتخفيف حجم البطش الأمني بالاعتراض عليه، بالابتعاد عنه، بالوصول لصيغ أكثر قبولا لهزيمتنا، صيغ لا تجعل الهزيمة مهولة وأبدية، ولكن هذه الفرص تمت إضاعتها في انتظار ظهور الجناح الديموقراطي، فلم يظهر أبدا. استمرت كتل ثورية في التراجع عن دعم النظام في كل نقطة فاصلة، لكن تراجعها كان متأخرا جدا، فلو كانت الكتلة المعارضة الآن للسيسي، تراجعت مبكرا عن دعم “التحالف” الحاكم ماكنا وصلنا إلى ما نحن فيه.

العمل السياسي كفعل آمل بالضرورة

لحظة تحديد أي تيار لبنيوية هزيمته، بمعنى وصول المجتمع لبنى شبه ثابتة تمنع انتصاره في المدى القريب، والتي تحتم عليه البدء في خفض سقف طموحه والتخطيط للحفاظ على محض تواجده الحيوي وليس انتصاره، هي لحظة مربكة، لأنها ببساطة من الممكن أن لا تكون لحظة هزيمة بنيوية حتمية ولكن لحظة خسارة من الممكن اجتيازها ببعض من المقاومة، بدل من التماهي في تحليل حتمية الهزيمة تلك. بمعنى آخر قد يتسبب ذلك التحديد الخاطيء في الهزيمة الحقيقية.

فمعضلة تحديد الهزيمة البنيوية، يشبه أن يحاصر المرء في غرفة مغلقة تماما، بلا أبواب، ولا شبابيك، بالوقت سيبدأ محاولة اكتشاف وجود جانب هش من الجدار، ثم سيبدأ في الاصطدام به، أملا في حدوث شرخ أو انهيار له، يمكن لهذا الشخص أن يفترض أنه بعد عدد معين من الاصطدامات سيبدأ الجدار في التشقق، ثم بعد عدد معين آخر سيبدأ بالانهيار، العددين غير معلومين، وعليه الاستمرار بالمحاولة رغم انعدام أفق واضح يبدو هزلي جدا، ولكن التوقف أيضا عن المحاولة يبدو بذات الهزلية، ماذا لو كان الجدار سيتشقق في الضربة القادمة؟ وماذا يمكننا أن نفعل حين نكف عن الاصطدام؟

يمكن تفسير الجملة الشهيرة لجرامشي عن “تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة” بكون العمل السياسي -وأي عمل- ينبغي أن يكون آملا، ليكون ذو جدوى، أما الإرادة المتشائمة تقود إلى أفعال فضلا سخافتها فهي أفعال دون جدوى ولا مردود، مجرد تعبيرات هيسترية عن الهزيمة، وفي أوقات الهزائم ينبغي على الناس حمل أنفسهم على الابتعاد عن التجليات اليائسة لتلك الهزيمة (المقاومة المضحكة، العنف المثير للشفقة) وهو ما ميز كل تحركات الإخوان بعد الانقلاب العسكري. كلها أفعال يائسة لا ترنو إلى النصر، كأنها لا تريده.

لم تحدث أي مناورة أو تنازل سياسي أو محاولة تحالف وفك حصار يفهم منها أنهم لا يريدون أن ينهزموا تماما. “تفاؤل الإرادة” هنا لا يعني المقامرة بمستقبل التيار كله في سبيل لا شيء، بل يكون الوصول إلى أفضل ما يمكن الوصول إليه في وقت محدد.

كان أفضل ما يمكن الوصول إليه بالنسبة للإسلاميين عقب ٣٠ يونيو هو السلام المجتمعي، عن طريق التنازل عن مرسي والانسحاب من الاقتتال الأهلي مقابل مستقبل قريب يمكنهم الانتصار فيه مرة أخرى. الهزائم تدوم بفعل عدم الاعتراف باستحقاقاتها الذي يتطلب تخفيض سقف الطموح السياسي للطرف المهزوم.

لكن أيضا الاعتراف باستحقاقاتها وتخفيض سقف الطموح شيء، والانضمام للمنتصر شيء آخر. الاعتراف بالاستحقاق يكون بهدف مصلحة التيار بشكل أساسي، والحفاظ على كوادره، والإعداد للحظة مواجهة أخرى. أما الانضمام للمنتصر هو أحد أشكال “الإرادة المتشائمة”، الإرادة التي كفت عن الوعي بهدفها.

صحيح أنه من الممكن للهزيمة البنيوية أن تجبر أناسا على اعتزال العمل السياسي، على اليأس، الاكتئاب، لكن بالنسبة لمن يرون الاستمرار في العمل السياسي، لا ينبغي عليهم الانجرار لإرادة متشائمة، وإلا كان اعتزالهم أفضل. الفعل السياسي ينبغي أن يكون آملا، بمعنى أنه لا ينبغي أبدا أن يعترف ببنيوية الهزيمة، لكنه على الأقل يجب أن يعمل كأن الثورة لن تقوم في أي وقت قريب.

ماذا يمكن لإسلامي سوري أن يفعله سنة ١٩٨٤؟ وماذا يفعل يساري ألماني سنة ١٩٣٥؟

مبدئيا بإمكانه الهجرة أو الانتحار أو الانسحاب من السياسة، كما فعل الكثيرون، أما مادام مُصرا على الاستمرار فيمكنه العمل على مستويين.

الأول هو محاولة فك الحصار، أي فتح متعمد لثغرة وسط انسداد الأفق، عن طريق تحالف ما، أو تفاوض على تنازلات مقابل تخفيف الحصار، ليمكنه فيما بعد الاستعداد للخروج من الحصار كاملا، أي  شيء يمكنه أن يغير خارطة القوى الموجودة، ولكن في الأخير ترتبط هذه الأشياء بمستويات تنظيمية عليا، أي التواجد في زمرة صانعي القرار في الكتل السياسية، المجموعات التي تتخذ قرارات التفاوض وتفاصيلها من عدمه، فالواقع أنه ليس كل أحد قادر عليها، كما ليس كل أحد سيكون مشتركا في أي تفاوض موجود.

المستوى الثاني هو القيام بالمناورات الأساسية في أي عمل سياسي: أن يعيد الطرف المهزوم كتابة تاريخ هزيمته، عن طريق الانتقاد الذاتي، تفكيك الشبكات التنظيمية الخاسرة، والبدء ببناء تنظيمات أخرى بآفاق أخرى للحركة، محاولة فتح ثغرات في المجال العام، الحفاظ على ما تبقى مفتوحا منه، كسب أنصار جدد، إقصاء القيادات المتسببة في الهزيمة عن أي مواقع حركية، تصعيد قيادات أخرى، التحالف مع بقية المنهزمين، كسب معارك صغيرة، فتح مساحات حرة، كما يمكن لآخرين العكوف على مشاريع شخصية تتداخل لهذا الحد أو ذاك، مع معارك المجال العام.

لا أعتقد أنه يمكن تحديد بدقة ما يمكن فعله في تلك الأوقات، وما هو الصحيح تماما والخاطئ تماما. الأفضل أن تخرج مبادرات كثيرة، يصعب حصارها، ألا ينجر الناس لأفعال يائسة سواء بأعمال انتحارية أأو الانضمام للآخرين. صحيح أن وقع الهزيمة قاسي، لكن لا ينبغي لذلك أن يجر الناس لأفعال سياسية يائسة، كتقطيع شرايينهم السياسية بتأييد المنتصر، أو بجر من بقوا لانتحار سياسي. الأفضل لهم ولنا في تلك الحالة أن ينجروا مباشرة لليأس الشخصي، ويغرقوا في أحزانهم الوجودية.

الإسلامي السوري سنة ١٩٨٤ لم يكن يعيش في سنة “١٩٨٤” بدلالتها اليائسة لنا، لكنه عجز عن القيام بأي شيء ذو معنى سوى التصعيد الإعلامي، ثم الهروب للخارج. واليسار الألماني أكسب سنة ١٩٣٥ دلالاتها المنهزمة، لأنه لم يفعل شيئا يمكنه أن يوقف ذلك.

في النهاية، هناك احتمال دائم لانهيار أي نظام، قد تكون أفكارنا عن الهزيمة خاطئة، وقد لا يكون الضوء في نهاية النفق قطارا قادما، وعليه، فعلى أحد ما أن يكون مستعدا وقت حدوث تلك الثغرة، للاستفادة منها.

اعلان