Define your generation here. Generation What
متى تنتهي مشاريع الإسكان المصرية بنهايات سعيدة؟
 
 

منذ أسبوع، قتل طفل على الأقل عندما استخدمت قوات الأمن المتفجرات؛ لهدم مباني سكنية بنيت دون إذن رسمي، على قطعة من الأرض خلف المحكمة الدستورية في المعادي.

لقطات الفيديو التي حصلت عليها عليها “مدى مصر” توضح مواطنين يصرخون غضبًا وحزنًا حول جثة صغيرة مغطاة ببطانية قبل أن يشتبكوا مع قوات مكافحة الشغب، يفرون من بين أنقاض المباني المحطمة هربا من قنابل الغاز المسيل للدموع.

الأرض المذكورة يقال إنها ملك لشركة المعادي للاستثمار،وهي إحدى الشركات التابعة لوزارة الاستثمار. يبدو أن ملاك المباني المهدمة لديهم، في أحسن الأحوال، حقوق غير مؤكدة في الأرض. وليس من الواضح حتى الآن ماذا تخطط الشركة للقيام به مع الأسواق العقارية الرئيسية.

يثير هذا الصراع نزاعات عبر البلاد. ففي بيان صدر عن وزير الإسكان مصطفى مدبولي في ٩ أبريل، قال إن مدينة السادات التي تقع على طريق القاهرة اسكندرية الصحراوي شهدت تعديات وإنشاءات غير قانونية على طول ٧٠ ألف فدان من أراضي الدولة. هذه المباني السكنية –بحسب قوله– تعرقل التنمية المستقبلية لدلتا النيل بأكمله.

في أواخر مارس، طالب الوزير الجيش ووزارة الداخلية بإخلاء “التعديات الصارخة” في مدينة القمر الصناعي. وقال “لن يكون هناك أي تسوية مع من يستولون على أراضي الدولة”.

وفي المقابل، تم تحديد حوالي ٦٨٥ فدان من أرض في مدينة السادات لتكون جزءًا من مشروع إسكاني أعلنه الجيش المصري وشركة “أرابتك” الإماراتية.

عمليات الإخلاء العدوانية والعنيفة في أغلب الأحوال، اقترنت بتصريحات مثالية عن الجهود التي تقودها الدولة لإسكان الفقراء، مما يعكس تشوش سياسة الإسكان المصرية، حيث يتم التعامل مع الوحدات السكنية غير الرسمية كشر إجتماعي، بينما تمرر سلسلة من البرامج الرسمية لدعم إسكان الطبقة الوسطى من السلم الاقتصادي المصري.

مشاكل الإسكان في مصر موثقة بشكل جيد. تزايد عدد السكان أكثر من ثلاث أضعاف خلال نصف قرن، ليتصاعد العدد من حوالي ٢٦ مليون في ١٩٦٠ وحتى أكثر من ٨٥ مليون اليوم. وفي أثناء ذلك، تستمر الغالبية العظمى من المصريين في العيش مزدحمة في دلتا النيل، على نطاق ٥٪ فقط من أرض مصر.  

بينما أنتج القطاع الخاص، بما يمتلكه من إمكانيات، فائضا من الرفاهية والتطور للسكن الفاخر.

يشرح يحيى شوكت، مهندس معماري وباحث في شئون الإسكان ومدير مدونة Shadow Ministry of Housing “لدينا أكثر من ٧ مليون وحدة سكنية غير مشغولة، أغلبها لا تزال في مرحلة الإنشاء أو لم يتم الانتهاء منها بعد، ولذلك ليست معروضة في السوق؛ لأن سوقنا محفوف بالمخاطر للغاية”.

في الطرف الآخر من السلم الاجتماعي الاقتصادي، هناك نقص حاد في المساكن ذات الأسعار المعقولة. بحلول ٢٠١٠ قدرت شركة جونز لانغ لاسال للاستثمارات العقارية النقص بـ  ١,٥ مليون وحدة سكنية، وتحول معظم المستبعدين من سوق الرفاهية إلى حلول ليقوم بها الفرد بنفسه، وبناء من دون أذونات رسمية أو ملكية للأرض.

مبادرة جديدة؟

حتى الآن، هناك قدر قليل للغاية من المعلومات عن مشروع الإسكان الذي تم الإعلان عنه حديثًا. الشهر الماضي وقعت مذكرة تفاهم بين وزارة الدفاع المصرية وأرابتك، شركة عقارات يمتلك صندوق آبار للاستثمار -ومقره أبو ظبي- ٢١٪ من أسهمها.

حددت القيمة الكلية للمشروع بـ ٤٠ مليار دولار أمريكي (أي ما يعادل ٢٨٠ مليار جنيه استرليني) لتطوير مليون وحدة سكنية على مساحة ١٦٠ مليون متر مربع من الأراضي، معظمها على مشارف القاهرة. سيقدم الجيش المصري الأرض مجانًا، بينما التمويل المقدم للتطوير والرهن العقاري سوف يأتي من “بنوك مصرية وأجنبية”  بشروط لم يتم الكشف عنها حتى الآن.

يشهد الدعم المالي لمصر من الدول الأجنبية ارتفاعًا منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي، تحديدًا من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. فهناك حوالي ١٢ مليار دولار سوف تقوم بتمويل مشروعات مختلفة، بالإضافة إلى حزمتين تحفيزيتين أعلنت عنهما الحكومة المصرية ستكونان من أجل تطوير البنية التحتية والبرامج الاجتماعية.

حتى الآن لم يتم إصدار أي معلومات أخرى عن هذا المشروع، أرابتك رفضت –من خلال ممثليها الإعلاميين المحليين– الإجابة عن الأسئلة. هذا يجعل من الصعب تقديم تقييم دقيق بشأن ما تخطط له الحكومة، وهو أمر يقول عنه بعض الخبراء أنه ذو مغزى في حد ذاته.

يقول ديفيد سميث، مؤسس Affordable Housing Institute “أعتقد أنه لقياس مدى التزام الحكومة يجب أن نعلم إذا ما كانت الحكومة تقول شيئًا، إذا ما كانت تعني ما تقوله، وإذا ما كانت ستفعل ما تقوله”.

إن عملية حسابية تقريبية –تقسم ٢٨٠ مليار جنيه مصري على مليون وحدة سكنية مع خصم بعض تكاليف البنية التحتية والمباني العامة– تشير إلى أن سعر الوحدة سوف يتجاوز ٢٠٠ ألف جنيه مصري، وهو ما يتجاوز إمكانيات أفقر المواطنين في مصر.

يقول ديفيد سيمز خبير مستقل في التخطيط الحضاري ومؤلف كتاب  Understanding Cairo: The Logic of a City Out of Control “يبدو أن الحكومة لم تتعلم من مغامرات الإسكان الجماعي السابقة”.

نماذج من الماضي

قبل إعلان مشروع أرابتك في مارس، كانت مصر تمتلك مشروعيين قائمين للإسكان الجماعي. أحدهما أعلنه الرئيس الأسبق حسني مبارك في ٢٠٠٥، قبل أشهر من إعادة انتخابه.

“أعلن أثناء الحملة الانتخابية، وكأنه فرعون، أنه سيقوم ببناء مليون منزل، وستكون في متناول ذوي الدخل المنخفض” هذا ما قاله سميث الذي تم استدعاءه للمساعدة في وضع الإرشادات للمشروع.

كتبت تقريرًا كبيرًا عن التوقعات المالية ووضعت وصفًا. بالطبع، لم يخبر أحد الفرعون أن المشروع سيأخذ وقتًا أطول وتكاليف أعلى من التي يريد الفرعون أن يسمعها. لذلك طلبوا مني أن أقدم لهم البيانات ليستطيعوا تغيير جميع الأرقام لدرجة أن صار في اليوم -لا أعرف كيف- ٣٦ ساعة. ثم انصرفوا وفعلوا ما أرادوا.

“ليس لدي أدنى فكرة إن كان مشروع مبارك للإسكان كما شاهدتيه يحمل أي تشابه مع ما كتبته أم لا” يقول سميث، الذي لم يشارك في أي مشاريع حكومية لاحقة للإسكان في مصر.

أطلق المشروع الآخر في ٢٠١١، في ظل حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي خطط لبناء مليون منزل. “لماذا مليون منزل؟”. يتسائل  سيمز “لأن مشروع مبارك للإسكان الأخير كان نصف مليون منزل، لذلك يجب أن نقوم بعمل أفضل”.

يشير سيمز “أيا كان من خطط لهذا الأمر خرج بأن الأمر سيتكلف ١٠ مليار دولار، وكانوا يطلبون الحصول على نصفهم من خلال منح من متبرعين. إن ٥ مليار دولار، كانت ستكون أكبر برنامج تبرعات في العالم من أي وقت مضى”.

“بالطبع لم يقل المتبرعون “هذا أمر سخيف”، وإنما قالوا شيئًا من هذا القبيل “حسنًا، أتعلمون، إنه أمر جيد أنكم تهتمون بالإسكان؛ لأن الإسكان قطاع هام للغاية، ولكن ربما يجب أن يكون لديكم سياسة إسكان أولًا”.

يشرح شوكت، هذه المشاريع ربما نجحت في بناء وثائق تفويض شعبية للقادة وكسب الأصوات الإنتخابية، ولكن التسليم الفعلي كان بعيدًا عن الهدف. لقد فشل مشروع مبارك في بناء نصف مليون وحدة سكنية على مدار ست سنوات.

ويضيف “ما تم الانتهاء من بنائه خلال هذا الإطار الزمني كان حوالي نصف الهدف”.

يقول شوكت “وليس ذلك فقط، ولكن السلطات اعترفت أن حوالي ٥٠ ألف وحدة سكنية لم تكن متصلة بالمرافق والبنية التحتية”.

ويضيف “إنك تتحدث عن أشخاص يمتلكون الشقة، وقاموا بدفع ثمنها بالفعل ولا يمكنهم استخدام هذه الوحدات. لذلك فالأمر ليس فقط أن الحكومة غير قادرة على تحقيق الهدف الذي حددته، بل أيضًا، جزء كبير من الوحدات التي بنيت بالفعل غير صالحة للاستعمال”.

يقول شوكت إن مشروع المجلس الأعلى للقوات المسلحة يبدو أنه حقق نتائج مشابهة حتى الآن. لكي تبني مليون وحدة سكنية في خمس سنوات، يجب أن تبني الحكومة حوالي ٢٠٠ ألف سنويًا.

يقول شوكت “إنهم بعيدون عن تحقيق الهدف؛ لأنهم قاموا ببناء حوالي ٥٠ ألف وحدة في السنة الأولى، وينبغي عليهم بناء ٥٠ ألف وحدة أخرى في السنة الثانية. وحتى الآن لم تم تسليم أي من الوحدات للمستفيدين”.

يقول شوكت إنه بالإضافة إلى الوحدات تحت التسليم، عدد قليل من الوحدات التي قامت الحكومات السابقة ببنائها ذهبت إلى مستفيديها المفترضين. في البداية، كان من المفترض أن ربع الوحدات في مشروع مبارك مخصصة لتكون وحدات للإيجار، وعرض الباقي للبيع.

تبدأ أسعار البيع من ٥٠ ألف جنيه مصري، مع دعم ١٥ ألف جنيه، ويتم دفع الباقي عبر القروض والأقساط. ولكن الأسعار ارتفعت، لتزحف إلى ٧٥ ألف، وتم إضافة مخططات القروض والأقساط، مما يجعل الشقق أعلى من قدرة الفقراء في مصر على الشراء.

يقول شوكت “إذا قمت بها عبر مخططات القطاع الخاص، أو بمفردك، كانت ستتراوح الأسعار بين ١٠٠ ألف جنيه و٢٠٠ ألف جنيه”. وبدلًا  من توفير ٢٥٪ من الوحدات للإيجار، تحول الرقم الفعلي ليكون أقرب إلى ١٠٪.

يقول شوكت “حوالي ٩٠٪  من الدعم والاستثمار العام يذهب إلى أشخاص غير فقراء. في الغالب يذهب إلى أشخاص في الطبقة المتوسطة والعليا؛ لقدرتهم على تحمل التكاليف وأيضًا من أجل التأهل، يجب عليك إثبات دخلك. وحوالي ٣٠٪ فقط من القوى العاملة في مصر يمكنهم القيام بذلك، أولئك الذين يعملون بشكل رسمي أو لديهم عمل حكومي”.

وعلى الرغم من أن نتائج مشروع المجلس الأعلى للقوات المسلحة ليست واضحة بعد، يعتقد شوكت أنها ستكون متشابهة.

“لقد قالوا إن بعضها قد يكون للتأجير. لست متأكدًا من النسبة، ولكن إذا كان هناك تشابه مع المشروعات السابقة، سوف تكون النسبة حوالي ١٠٪، وهذا أقلية صغيرة للغاية”.

ويضيف “وحتى مع ذلك، إن الإيجار الذي يطلبونه مرتفعًا بعض الشيء للشريحة ذات الحد الأدنى من الدخل. لذلك فهي جيدة للفقراء ولكن ليس لشديدي الفقر. ومن ثم فلا يزال يتم استبعاد شديدي الفقر من مليارات الجنيهات المخصصة للدعم”.

وعلى الرغم من عدم وجود نجاح ملحوظ، يبدو أن القوات المسلحة تكرر البرنامج مع ترشح السيسي للانتخابات الرئاسية.

قضايا جوهرية

يقدر سيمز أن ثلثي الوحدات السكنية في القاهرة مبنية بشكل غير رسمي. فنظرًا لكثافة المدن المصرية، عادة ما يتم بناء هذه الوحدات السكنية على مشارف قلب المدينة. والبعض مثل المباني المجدولة للهدم في المعادي مشيدة على أراضي مخصصة للزراعة. والبعض الآخر مثل الوحدات السكنية في الدلتا التي يخطط وزير الإسكان لإخلائها موجودة في أراضي صحراوية مملوكة للجيش أو الدولة.

وعلى الرغم من وضعها القانوني الضعيف، معظم الأحياء غير الرسمية في مصر لا تتناسب مع صورة الأكواخ الصفيح والبيوت البسيطة التي تجلبها كلمة عشوائية إلى الذهن.

البناء من الطوب والأسمنت وحديد التسليح هو الشائع، على هيئة مباني متعددة الطوابق مثل الأبراج التي هدمت في المعادي. في الواقع، منذ بدأ الناس بناء منازل لأسرهم للعيش فيها، فإنهم يميلون إلى ترجيح كفة الإفراط بدلًا  من التقتير من مواد البناء ومعايير السلامة كما هو معروف عن مطوري القطاع الخاص.  

هذه المناطق لا تزال بعيدة عن المثالية. فبالإضافة إلى أنه في كثير من الأحيان يجري بناؤها على أراضي زراعية ثمينة، يفتقر أغلبها لمرافق الصرف الصحي المناسبة، والطرق ضيقة للغاية لسيارات الطوارئ، وبعضها مبني بطريقة هشة أو في مناطق غير آمنة.

ولكن في العقود الأخيرة، أصبح هناك عقيدة متزايدة بين منظمات التنمية بأن أفضل طريقة لحل هذه المشكلات هو العمل في المكان كلما أصبح ذلك ممكنًا، من خلال تحسين معايير البناء وبناء البنية التحتية، بدلًا  من محاولة الهدم وإعادة البناء في أماكن أخرى.

يقول سيمز إنه باستثناء عدد قليل من المشروعات الصغيرة ذات التمويل الأجنبي، لم تستخدم هذه الطريقة نهائيًا في مصر. “يفعلون هذه المشروعات الصغيرة، يأخذون منطقة ويقومون بتقديرها ويحاولون رفع مستواها، وإذا كان هناك أموال أجنبية ربما يحاولون في النهاية إعادة بناء الصرف الصحي”.

بدلًا  من ذلك، ركزت الحكومات المتعاقبة على ما يسميه سيمز “النهج الحداثي المرتفع” لسياسة الإسكان، التي تسعى لتحويل القاهرة لمدينة لامعة وحديثة مثل دبي أو سنغافورة، مع أحياء جديدة منظمة تحل محل متاهة الوحدات السكنية القديمة أو غير الرسمية. في الوقت نفسه، يتم دفع الفقراء بعيدًا في مجمعات سكنية ضخمة من الأسمنت في مدن جديدة في الصحراء.

“واحدة من الأسباب التي عمليًا لا تجعل أحد يعيش في أي من الوحدات التي بنيت في المقام الأول، في عامي ٢٠٠٥ و٢٠١١، هي أن الأراضي التي استطاعوا الوصول إليها على حواف هذه المدن الجديدة. ليس هناك بنية تحتية. لا يوجد مياه. لا يوجد كهرباء. ليس هناك طرق. لا يوجد شيئًا”.

الوقت وحده هو الذي سيقول إذا كان المشروع الجديد ناجحًا أكثر من المشاريع القديمة في توفير منازل آمنة وذات جودة عالية للفقراء. في هذه الأثناء، المواطنون الموجودن في أماكن مثل الوحدات السكنية المهدمة الآن في المعادي متروكين بلا مأوى.

و

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن