هل نريد حقاً علاج الإيدز؟

لم يَسْلم الفريق الطبي المصري التابع للقوات المسلحة من موجات عارمة من النقد الموجه من العلماء والباحثين عندما أعلن عن اختراعه جهازين لاكتشاف وعلاج العدوى بفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي وفيروس نقص المناعة البشرية. وواجه هذا الإعلان الرسمي والبيانات التي تلته على لسان المتحدثين الرسميين وابلا من النقد اللاذع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في حين رحبت بشدة مجموعات أخرى بهذا الاختراع. ومن الغريب أننا نجد الكثيرون ممن كانوا بالأمس ينكرون وجود مرض الإيدز من الأساس في مصر، يمجدون الآن القوات المسلحة على جهاز الغرض منه شفاء مرض من المفترض أن البلاد ليس فيها من يعاني منه!

هدفي من هذا المقال ليس نقد أو دعم أي من الرأيين، ولا أنا كذلك قلقة أو مهتمة بمدى قدرة الجهاز فعلا على “علاج الإيدز” كما يدعى مخترعوه. في الحقيقة ما جذب انتباهي بشدة هو الحديث المفتوح للمؤيدين والرافضين على حد سواء عن الإيدز وكأنه كان دائما محل اهتمام ومطروح للنقاش العام في مصر. وطالما إننا نناقش ونقر الآن علنًا أن الإيدز موجود في مصر وأننا فيما يبدو نعرف كيف نشفيه، فلنتحدث بجرأة إذن عنه.

في واحد من بين العديد من لقاءاته التليفزيونية صرح مخترع الجهاز اللواء إبراهيم عبد العاطي بأن مصاب الإيدز “سيأتي عليه يوم يتفاخر أنه كان مريضا بالإيدز بعد أن كان يستحى من الجهر بمرضه”.

جاء تصريحه هذا قبل بضع أسابيع فقط من الحكم على أربعة رجال مثليين بأحكام بالسجن تصل إلى ثمان سنوات. في بلد تمثل بها حالات الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية الناجمة عن العلاقات الجنسية بين المثليين ٢٠ بالمائة من كل الحالات المعروفة، بينما تبلغ نسبة الإصابات الناجمة عن تناول المخدرات بالحقن ٣٠ بالمائة. أتساءل كم حالة من هذه الحالات سوف تتقدم بنفسها إلى الجيش المصري للحصول على علاجه المعجزة؟

هذا شيء ربما لا يرغب أحد في سماعه، ولكن لا يمكن لجميع أدوية العالم ولا لجميع أجهزته الطبية أن تقضي على فيروس نقص المناعة البشرية أو الإيدز. إلا إذا كان للجهاز المزعوم القدرة على معالجة الوصمة والتمييز ضد أولئك الذين يعيشون بهذا الفيروس، تلك الوصمة المشينة لدرجة أنها تدفع بعض حاملي الفيروس أن يختاروا الامتناع عن السعي للعلاج برمته.

هل يمكن للفريق الطبي العسكري أن يضمن ألا يستخدم جهاز اكتشاف المرض على الناس ضد إرادتهم؟ وهل سيبلغ المسؤولون عن تشغيل الجهاز عن المصابين بالفيروس لدى الشرطة أم سيتحفظون على الشخص في المستشفى تماما كما يفعل بعض الأطباء الجهلة مع مرضى الإيدز في الوقت الحالي؟ وهل ستواصل الصحف التي نشرت من قبل أسماء الأشخاص الذين “ضُبطوا مصابين بمرض الإيدز” انتهاك حقوق المرضى في السرية والخصوصية؟ وهل سيتقدم أولئك الذين يشاركون في ممارسات مجرمة تجعلهم أكثر عرضة للإصابة بالفيروس من تلقاء أنفسهم لتوقيع الاختبار عليهم؟

هذه ليست أسئلة نابعة من تصورات افتراضية ولا من أفكار عشوائية، فالواقع هو أن آلاف الأشخاص الذين يعيشون بالفيروس في مصر أو الأكثر عرضة للإصابة به إنما يعيشون في خوف “من أن يضبطوا” وتُكشف إصابتهم به، وذاك الخوف نابع من الوصمة التي تحيط بالمرض.

وهذا هو الواقع الذي كان يتعين على مخترعي الجهاز التعامل معه قبل التقدم بادعاءاتهم الواثقة بأنه مع حلول العام القادم لن يكون هناك شخص واحد مصاب بمرض الإيدز على أرض مصر.

أعداد الأشخاص الحاملين لفيروس نقص المناعة البشرية أو مرض الإيدز في مصر في زيادة مطردة منذ الإبلاغ عن الإصابة الأولى به في عام ١٩٨٦. ويبلغ العدد التقديري للمصابين ١٠ آلاف شخص، ٣ آلاف منهم فقط هم المسجلين لدى وزارة الصحة، في حين لا يحصل سوى ألف مريض فقط من بينهم على العلاج.

وعلى الرغم من أن انتشار المرض بشكل عام يقدر بأقل من فاصل ٢ بالمائة من السكان في مصر، فهذا ليس بالخبر المفرح، فعلى العكس من أغلب دول العالم فمعدل انتشار الفيروس في تزايد مستمر. والشرق الأوسط وشمال أفريقيا واحدة من بين منطقتين فقط في العالم لا يزال وباء الإيدز فيها في تزايد لا في انحسار.

وبالرغم من كل هذا فإن الجهود الحكومية المبذولة للتصدي لمرض الإيدز لا ترقى للمستوى المطلوب للسيطرة على الوباء.

ففي مصر تُقدم خدمات الوقاية والرعاية والعلاج لمرض الإيدز في سياق نظام صحي متهالك تقدم من قبل أطباء يحصلون على رواتب متدنية ولا يتمتعون بالخبرة الكافية، علاوة على انصراف اهتمامهم إلى تأمين سلامتهم من هجمات محتملة من بين المرضى الغاضبين أو أسرهم، أو إلى حماية أنفسهم من انتقال العدوى إليهم نتيجة لغياب سبل حمايتهم في أماكن عملهم.

ولكن الأهم من ذلك أن هذه الخدمات تقدم في ظل مفاهيم ثقافية مغلوطة وفي ظل عداء وتحيز في مواجهة هذا المرض، بالشكل الذي ليس فقط يعرقل الاستجابة لمرض الإيدز في مصر بل توجه وتشكل هذه الاستجابة.

فكلما زاد رفض المجتمع وتهميشه لمن يحملون فيروس نقص المناعة البشرية، كلما ترددت الحكومة في التصدي للقضايا الحقيقية التي تغذي هذا الوباء. ولذا فالسؤال الحقيقي ليس مدى قدرتنا على تقديم علاج للإيدز (نقص المناعة المكتسبة)، بل مدى رغبتنا بالفعل في القضاء على الوباء.

وإذا كان مخترعو الجهاز الفخورين بأنفسهم جادين بالفعل في رغبتهم في شفاء مرضى الإيدز في مصر، فإليهم قائمة غير حصرية بما يجب عليهم فعله قبل أن نشرع حتى في مناقشة جدوى الجهاز الشفائي الذي اخترعته القوات المسلحة من عدمه.

نحتاج إلى إصلاح الأفكار المغلوطة المحيطة بالإيدز

رد الفعل المجتمعي تجاه الأشخاص المتعايشين بالإيدز نتيجة طبيعية لسنوات من التصوير السلبي للمرض من خلال وسائل الإعلام التابع للدولة ومن خلال التعليم الرسمي.

فأي شخص نشأ في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي لا يزال يذكر الأفلام التي تصور الشباب الذين يصابون بالفيروس عقب إقدامهم على ممارسات جنسية مع فتيات أجنبيات، وفي الأغلب جاسوسات بهدف تدمير الشباب المصري. وكانت الحملات الإعلانية الخاصة “بالتوعية” بمرض الإيدز على التليفزيون المصري تعرض أشخاص شكلهم مرعب يحتضرون عقابا من السماء لممارستهم الجنس خارج الزواج أو من جراء تعاطيهم المخدرات. وكان منهج العلوم حتى وقت قريب يعلم الطلاب أن مرض الإيدز هو “مرض خطير ينتج عن الممارسات الجنسية المحرمة.”

حتى بعد توقف مثل هذه الأفلام والحملات الإعلامية فقد عاش الانطباع أن الإيدز يصاب به الإنسان لانخراطه في ممارسات غير مقبولة في مجتمعنا، مما زاد من تعميق التمييز والتحيز ضد المصابين بالفيروس، كما تسببت مثل هذه الرسائل في منح الناس شعورا كاذبا بالحصانة ضد المرض “أنا لا يمكن يجيلي إيدز عشان أنا ماشي بما يرضي الله”. وبدا أن الجميع متفق على أن تهميش هؤلاء الأشخاص الذين “يستهلوا الإيدز، ما هم جابوه لنفسهم” يكفي لحماية الجميع من المرض.

وإن كانت الدولة ملتزمة فعلا بعلاج الإيدز فعليها إذن أن تتحمل مسئولية إصلاح أخطاء السابقين، وأن تطلق خطة عبر جميع القطاعات المعنية بما في ذلك قطاع الصحة والإعلام والتعليم لتغيير المعتقدات الخاطئة حول المرض.

نحتاج معرفة مدى انتشار الوباء فعليًا في مصر

قليلون فقط في مصر هم من يلجؤون للفحص الطوعي الذي توفره وزارة الصحة بدون مقابل للكشف عن الفيروس. فأغلب الناس لا يعون ضرورة ذلك أو لأنهم يخشون الذهاب لطلب التحليل أو لأنهم ببساطة لا يريدون معرفة الحقيقة.

لا يشعر الناس بالضرورة الملحة للفحص بسبب شعورهم الكاذب بالحصانة من الإصابة بالفيروس أو بسبب نقص وعيهم عن طرق انتقال العدوى. وفي مصر عادة ما يكتشف الأشخاص أنهم مصابون بالفيروس بالصدفة عقب معاناتهم من المرض لوقت طويل دون أن يعرفوا سببًا له، أو عقب تشخيص شريك حياتهم بالمرض. وحتى هؤلاء الذين يدركون ضرورة خضوعهم للفحص نادرًا ما يقدموا عليه خشية تبدل حياتهم إن اكتشفوا الإصابة. وأما أولئك الذين ينخرطون في ممارسات معروف عنها أنها تزيد من خطر العدوى يفضلون البقاء على جهلهم بالإصابة بالفيروس مقارنة بالمخاطرة بتعرضهم للمحاكمة من جراء سلوكهم الذي يجرمه القانون.

والنتيجة هي مواصلة آلاف المصريين حياتهم دون أن يعلموا أنهم يحملون الفيروس بما يؤثر على سلامة من حولهم وخصوصا سلامة النساء على الرغم من توافر تدابير وقائية حقيقية ومجربة.

فإن كنا نرغب في علاج الإيدز علينا أولا تشجيع الفحص والاختبار والوقاية من المرض بطرق آمنة وسرية ومتوفرة للجميع.

علينا التحدث عن حقوق الإنسان المتعلقة بالإيدز وحمايتها

أثبتت الأدلة العلمية الآن أن انتهاكات حقوق الإنسان والوصم والتمييز من أهم العوائق في طريق الاستجابة الفعالة للإيدز. فهناك علاقة مركبة بين الصحة وحقوق الإنسان تظهر بوضوح في حالة وباء الإيدز، فهو حالة مرضية تؤدي إلى مختلف انتهاكات حقوق الإنسان وتنجم عنها.

يتعرض المصابون بفيروس نقص المناعة البشرية في مصر إلى الفصل من وظائفهم والطرد من منازلهم وانتزاع أطفالهم منهم والمنع من العلاج والرعاية الصحية من الأطباء. ويدين المجتمع مرضى الإيدز بطريقة تجعل حياتهم مستحيلة، في حين أنهم كان من الممكن أن يعيشوا حياة طبيعية فقط إذا حصلوا على الرعاية والدعم الصحي والمعنوي الضروريين.

وبدورها تؤدي انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارس ضد بعض الأفراد الأكثر عرضة للإصابة بالفيروس إلى ارتفاع معدل فرص اصابتهم. فيواجه الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال والعاملين في تجارة الجنس ومتعاطي المخدرات بالحقن تحرش الشرطة بهم والتوقيف التعسفي لهم في الشارع لحملهم واقٍ ذكري أو سرنجات نظيفة – وهي عبارة عن تدابير وقائية بسيطة تحد بشدة من خطر الإصابة بالفيروس.

وكذلك يواجه الأخصائيين الميدانيين العاملين في مجال التوعية بالوقاية لتلك الفئات ذات التحرش من الشرطة. وعلى الرغم من غياب القوانين التي تجرم المثلية الجنسية تواصل الدولة مقاضاة الرجال الذين يمارسون الجنس مع الرجال. وفي حال ضبطهم يتعرضون في معظم الأحوال إلى الإهانة والانتهاك من الشرطة من خلال أساليب تعذيب تشمل الفحص الشرجي بالإكراه.

ولن تختفي هذه الانتهاكات من تلقاء نفسها بمجرد تشغيل هذا العلاج السحري واستخدامه. فإن لم نكن على استعداد لرفع أصواتنا والتحدث عن حقوق المتعايشين بالإيدز بلا خوف في استجابتنا للمرض فسوف نستمر في دفع أولئك الذين يعيشون بالفيروس وتلك الفئات الأكثر عرضة للإصابة إلى الهروب عن الأنظار، ولن تتوافر لدينا بذلك أية فرصة في الوصول إليهم ولا في السيطرة على الوباء.

وبغض النظر عن عبثية التصريح المقدم من السيد عبد العاطي الذي ذكرته في بداية المقال، أنا أيضا أود أن أعيش لأرى يومًا لا يشعر فيه الأشخاص الذين يعيشون بمرض الإيدز بالخزي، وأن أراهم يتمتعون بالحق في العلاج والرعاية الطبية بكرامة.

لكن هذا لن يحدث بفعل جهاز يمكن لطبيب أن يوجهه إلى صدر شخص ما ويعالجه من جميع الأمراض. وعندما نواجه المشاكل الحقيقية التي تعيق معركتنا ضد الايدز وقتها فقط يمكننا الادعاء أننا راغبين في القضاء عليه.

اعلان
 
 
أماني مسعود