Define your generation here. Generation What

الكلمة التي عجز الجميع عن ترجمتها

“عرص” من أكثر الشتائم المستخدمة في مصر، وهي كلمة مرتبطة بالواقع المصري لذا لا توجد ترجمة دقيقة لها في اللغات الأخرى. لم يكن العالم يعرف عن تلك الكلمة الكثير، حتى فوجئ بهشتاج “انتخبوا العرص” يكتسح تويتر بعد إعلان المشير عبد الفتاح السيسي استقالته كوزير دفاع وترشحه لرئاسة الجمهورية.

اجتهد الصحفيون الأجانب في ترجمة الكلمة إلا أن أحدا لم يقدم المعنى الذي تحمله الكلمة. البعض ترجمها (pimp) وهي تعني قواد، وهذا أحد معاني الكلمة لكن ليس المعنى الدقيق لها، والبعض ترجمها ( jerk) وهي تعني شخص أحمق، وهذا أيضا ليس المقصود، وما لم تدركه الترجمات الأجنبية للكلمة هي التناقضات المرتبطة بالمجتمع المصري التي تعبر عنها هذه الكلمه، وهو ما سنلقي عليه الضوء في هذا المقال. لنبدأ بتعريف معنى كلمة عرص.

هناك مستويين لتعريف كلمة عرص، المستوى الأول هو ما يتعلق بالأمور الشخصية في علاقة الرجل بأهل بيته من الإناث تحديدا، ويوصم بهذه الشتيمة الشخص عديم النخوة أو الشرف، بمفهوم المجتمع للشرف الذي يدور حول المرأة فيما يتعلق بالأمور الجنسية، أما الأب الذي يتغاضى عن تصرفات الابن فيما يتعلق بنفس الأمور فالأمر يختلف، ولا يكون وصمة اجتماعية! وهو نوع من الكيل بمكيالين مرتبط بذكورية المجتمع.

وفي المستوى الثاني، فما يتعلق بالشأن العام، يوصف بالعرص الشخص الذي يعرف أن أمرا خاطئا يحدث ويغمض عينيه أو يبرر له. وبينما يوصم الشخص في المستوى الأول بهذه الكلمة التي تلتصق به، يتسامح المجتمع مع العرص في الشأن العام – وهنا يكمن التناقض.

الأمر في الحقيقة يتجاوز رفض المجتمع لسكوت رجل على خيانة زوجته مثلاً، فالكلمة تعبر عن رخصة للتدخل في نطاق الحرية الشخصية للآخرين؛ مثل أن يعطي أب حرية الملبس أو الخروج لبناته، أو إقامة علاقات عاطفية بريئة. ولا يقتصر وصف شخص بأنه عرص إذا صمت عن سلوك أهل بيته من الإناث على وجه الخصوص، بل يمتد أيضا ليصف الجيران الذين يتغاضون عن سلوك مرتبط بأمر جنسي لجار أو جارة لهم، فتجد مثلا أن المجتمع الذي يحرم ممارسة الجنس إلا من خلال الزواج لا يقبل أن يمارس شاب أو فتاة غير متزوجين علاقة جنسية، أو حتى مجرد علاقة “بريئة” في بعض الأماكن الأكثر محافظة في الريف، ويتدخلون في الأمر بدعوى أنهم لا يسمحون بأن يكونوا “معرصين”.

تدور تلك الكلمة إذاً في فلك الحيوات الخاصه، لتعبر عن “حق” مجتمعي يبرر إصدار الناس لأحكام أخلاقية على بعضهم البعض فيما يتعلق بالسلوكيات الشخصية، وهو ما يقضي على فكرة الحريات الشخصية. وفي نفس الوقت يتناقض استخدام الكلمة لإدانة السلوكيات الشخصية مع فكرة التعريص المجتمعي في الشأن العام، الذي قبله ومارسه كثيرون طوال سنوات الحكم الاستبدادي إلى اليوم.

لا يقتصرالتعريص في الشأن العام فقط على غض الطرف عن أمر خاطئ وإنما أيضا تبريره. خلال الانتخابات الرئاسية عام ٢٠٠٥ كان هناك لافتة شهيرة لتأييد الرئيس الأسبق حسني مبارك مكتوب عليها “٧٠ مليون مصري يؤيدون الرئيس مبارك” علقها عضو مجلس الشورى الأسبق اللواء نبيل لوقا بباوي. حين قابلته سألته مستغربا كيف تقول إن ٧٠ مليون مصري يؤيدون مبارك؟! رد على مفسرا كيف أن هذه الكلمات يحصل من ورائها على منافع لنفسه ولآخرين يقصدونه، ثم أردف في لحظة صدق مع الذات “احنا معرصين.”

بالطبع لافتة بباوي لا تقارن بحملات التعريص الفجة لصالح السيسي نفسه التي تجتاح مصر بعد الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي في ٣ يوليو الماضي، فبباوي كان يعرف أنه يعرص والناس كانت تعرف أنه كذلك، أما الآن فالأمر أصبح أكثر فجاجة، ولا يتوقف عن الصمت عن الانتهاكات التي تحدث وعودة ممارسات الدولة القمعية، وإنما التبرير لها.

والنماذج كثيرة على التعريص المجتمعي في الشأن العام، والمفارقة أن كثيراً ممن يتحمسون الآن لهشتاج “انتخبوا العرص” من الإسلاميين هم الذين كانوا يلعبون دور التعريص للنظام العسكري قبل تولى محمد مرسي رئاسة الجمهورية، والمفارقة هنا ركض بعض الإسلاميين وخاصة الإخوان على الكلمه وتحليل استخدامها في إطار الهاشتاج، بالرغم من أن ذلك ضد ادعاءتهم الأخلاقية، وهذا تناقض آخر.

و من ناحية أخرى، انقلب المشهد بعد الإطاحة بمرسي، ليتحول من كانوا يتظاهرون بمعارضة الحكم العسكري إلى مؤيدين، يبررون انتهاكات النظام، وكان أكثرها وقاحة تبرير قتل مئات المواطنين خلال فض اعتصامي رابعة والنهضة على أيدي قوات الجيش والشرطة. ونظرا لسيطرة النظام على كل وسائل الإعلام تقريبا، وأيضا على مؤسسات صناعة النخبة فإن من يسمح لهم بالظهور هم هؤلاء الذين يبررون انتهاكات النظام أو الذين يصمتون حينما يجب التكلم.

المعاني الكثيرة لكلمة عرص على المستوى الشخصي، تشير إلى كثرة المجالات التي يدس فيها المجتمع أنفه في شئون غيره، بينما حينما يتعلق الأمر بشأن عام فقد لا توجد غضاضة في أن يلعب المجتمع وأفراده دور المعرص – وهنا يكمن التناقض الأكبر المتأصل في استخدام المجتمع لتلك الكلمه.

طبيعة المجتمع شديد المحافظة الذي هيمن عليه التيار الأصولي المتشدد، صكت كلمة “التعريص” وجعلت الوصمة الاجتماعية مقصورة على الجانب المتعلق بشرف المرأة -من وجهة نظر ذلك المجتمع الذكوري المحافظ- بينما سيادة عصور الاستبداد لقرون جعلت التعريص في الشأن العام لا يوصم صاحبه.

بهذه المعاني فالسيسي ليس هو المدان هنا في سياق هذا الهاشتاج “انتخبواـالعرص”، فهو الطرف الفاعل في المعادلة، الذي تآمر وأشرف على ارتكاب الجرائم ويقود انتهاكات الشأن العام، أما المقصود بالإدانة في هذا السياق هم الصامتون على ذلك والمبررون والمؤيدون له من “المعرصيين”، وفي إطار أوسع المدان هنا ايضاً هو كل ما تحمله هذه الكلمة من تناقضات مجتمعية غير “أخلاقية”،  بالرغم من ولع المجتمع الظاهرى “بالأخلاق” أو الفضيلة في إطار الحياة الشخصية.

اعلان