Define your generation here. Generation What

في المحكمة، يوم من العبث

يبدأ يوم طويل في المحكمة…

القضية الأولى

بينما يتم اقتيادهم داخل قفص الاتهام في قاعة المحكمة التي تم إنشاؤها مؤخراً بمعهد أمناء الشرطة بطرة، يلوح المرشد العام للإخوان المسلمين محمد بديع، ونائبه خيرت الشاطر، ورئيس مجلس الشعب السابق سعد الكتاتني وقياديين آخرين بالجماعة بأيديهم للمحامين الذين يمثلونهم.

يواجه المتهمون الـ ١٧ تهم القتل والتحريض على قتل المتظاهرين خارج مقر مكتب الإرشاد خلال تظاهرات ٣٠ يونيو التي سبقت الإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي.

كل ما يتم في المحكمة في هذا اليوم المشحون يوحي بالعبث، الأجواء في قاعة المحكمة مرحة وخالية من التوتر، وكأن الإجراءات القانونية المقدسة التي تجري بداخلها فقدت رهبتها.

يصطف بعض المحامين أمام خيرت الشاطر، منصتين له بحرص بينما يحدثهم من خلف القفص. لم أستطع فهم أغلب حديثه، ولكن رأيت ضحك المحامين عندما كان الشاطر يلقي النكات في خضم حديثه.

اعتقدت أنه يناقش القضية، إلا أن آخر حديثه يوضح أنه كان منغمس في مجرد ثرثرة عادية. يصيح الشاطر لأحد محاميه قبل اقتياده خارج القفص ” سلملي عليها وقل لها إني بشكرها على الحاجات اللي بتبعتهالي.”

بديع يستفيد من كل فترة توقف في الجلسة ليخطب في المحامين الذين ينحنون أمام القفص للاستماع له. يحكي بديع لهم قصص من التراث الإسلامي تتمحور حول فكرة أن السلطة في يد الله وأنه ينصر من يتمسك بطريقه. يرفع بديع يديه عدة مرات بحمية مردداً: “هي لله!”

يبدو وكأن المتهمين قد قرروا تنحية القضية جانباً والاستمتاع بهذه اللحظات من الحرية النسبية. بالرغم من كونهم في القفص، إلا أن المتهمين يبتسمون وتغلب على تصرفاتهم حماسة طفولية. قد يكون الذهاب لجلسة المحكمة ورؤية وجوه مختلفة بمثابة رحلة بالنسبة لهم بعد أشهر من الحبس.

المحامون يبدلون أدوارهم فيلعبون حيناً دور المريدين وهم يستمعون لخطبة بديع ثم يعودون لدورهم القانوني عند استئناف الجلسة.

حان الوقت للمحامين ليوجهوا حديثهم للمحكمة، ولكنهم لا يناقشون القضية بل يخوضون في تفاصيل لوجيستية. يجب تأجيل الاستماع لشهادة الشهود بسبب غياب بعض المتهمين لوجودهم في جلسة لقضية أخرى بنفس الوقت.

يعد القاضي بحل هذه المشكلة. متناولاً موضوع جدولة القضايا بشاعرية غير مفهومة، يقول القاضي للمحامين أنه سيعمل علي إيجاد “تناغم” بين القضايا المختلفة.

في حوار ودي ممتد تتخلله المجاملات المعهودة، يطلب المحامون من القاضي السماح لهم بالدخول لمنطقة المحكمة بسياراتهم لتجنب المشي لمسافات طويلة كل يوم.

بينما يتناقش القاضي والمحامون في الأمور التنظيمية، لا يوليهم المتهمون اهتماماً يذكر. يتجمع المتهمون في دوائر صغيرة داخل القفص وينغمسون في أحاديثهم الخاصة.

يرفع القاضي الجلسة. بينما ينفخ دخان سيجارته التي أشعلها في منتصف الجلسة داخل القفص، يسوق ضابط شرطة المتهمين إلى الخارج.

في الوقت الذي يفصل بين الجلسات، يثرثر المحامون. يقول أحدهم، الذي يدافع عن مجموعة من المتظاهرين، “أنا نفسي يحجزوا القضية للحكم، هيكون براءة أكيد،” مرجحاً أن السبب في التأخير هو أن القاضي ينتظر الوقت الذي يكون حكم البراءة فيه ذا فائدة سياسية للنظام ليصدر حكمه.

يشتكي محامٍ آخر من البرد ثم يضع روب المحاماة ليدفئه، مضيفاً “هم مش عايزين يخلصوا أي قضايا.”

القضية الثانية

تبدأ القضية الثانية، المتهم فيها بديع و٥٠ آخرون من قيادات الإخوان المسلمين بتهمة إشاعة الفوضى في البلاد من غرفة عمليات باعتصام رابعة العدوية. يحيي المتهمون بعضهم من خلف الأسوار التي تفصلهم إلى مجاميع أصغر داخل قفص الإتهام.

تنادي المحكمة على المتهمين لإثبات حضورهم. عندما يسمع جهاد الحداد المتحدث الشاب بإسم الإخوان المسلمين اسمه يرد بـ “لا”. يمتزج في صوت الحداد ألم ومرح في آن واحد ويقهقه باقي المتهمين على أثر تلك الحركة التي ربما تعكس تحدٍ أو مجرد ملل.

ولكن القاضي لا يجد تصرف الحداد مسلياً. ينظر القاضي إلى قفص الاتهام من خلف النظارة التي ظل يرتديها ثم يخلعها طوال الجلسة ويقول “مين قال لأ؟  يعني إيه لأ؟ موجود ولا مش موجود؟”

يرد الحداد وقد أرضاه الانزعاج الذي بدا على القاضي “أيوه!”

ترفع الجلسة بعد تقديم أحد المتهمين طلب لرد المحكمة بسبب إهانة القاضي له لفظياً في الجلسة السابقة. يخرج المتهمون من القفص وهم يغنون معاً أغنية بهيجة تشبه أناشيد الموالد.

القضية الثالثة

في القضية الثالثة، لا يبدو نفس القدر من الارتياح في القفص. القضية متهم فيها ٢١ طالب بكلية الأزهر تم القبض عليهم بتهمة قطع الطريق ومحاولة اقتحام مشيخة الأزهر أثناء تظاهرات في نوفمبر الماضي. يجلس المتهمون في صفوف مستقيمة، ملتزمين الصمت طوال مدة الجلسة التي استمرت لساعتين.

ترافع ممثل النيابة مطالباً بأقصى عقوبة للمتهمين ومناشداً المستشارين “ولا تأخذكم بهم شفقة أو رحمة.” يردد ممثل النيابة الجملة المكررة في أغلب مرافعات النيابة، غالباً دون أن يدرك خطورة مطلبه بمنع الرحمة.

يتحدث المحامون الممثلون للمتهمين واحداً تلو الآخر، مرددين نفس الدفوع التي تتمحور حول البطلان. بطلان عملية القبض على المتهمين التي قام بها مدنيون، بطلان التحقيقات التي تمت في قسم الشرطة تحت التهديد، وبطلان الاعترافات المدرجة في القضية باسم كل من المتهمين الـ٢١ والمطابقة لبعضها بالكلمة.

أثناء تقديم دفوعهم التي تتلخص في أن القضية بكل جوانبها ملفقة، يلتزم المحامون بتكرار الجمل المعروفة تعبيراً عن احترامهم وتبجيلهم للمحكمة المقدسة.

يرفع القاضي الجلسة ويحدد ميعاد للجلسة القادمة للاستماع لباقي المحامين.

القضية الرابعة

“ما تقلقيش، الجلسة مش هتطول، علاء هيرد القاضي والجلسة هتترفع،” يتبرع لي أمين شرطة بداخل قاعة المحكمة بتلك المعلومة قبل بدء الجلسة الرابعة والأخيرة في الخامسة عصراً. يشير أمين الشرطة لعلاء عبد الفتاح، الناشط السياسي المتهم، مع ٢٤ آخرين، بالتظاهر بدون تصريح أمام مجلس الشورى في نوفمبر الماضي. تم إطلاق سراح عبد الفتاح ومتهم آخر بكفالة على ذمة القضية مؤخراً بعد أربعة أشهر من الحبس ليصبح كل المتهمين في القضية خارج الحبس.

أسأل أمين الشرطة من أين أتى بهذه المعلومة فيرد بابتسامة ثقة “إزاي بقى ده شغلي.” تتسع ابتسامته أكثر مشفقاً على سذاجتي عندما اقترح أن هذا في الحقيقة بعيد عن حدود وظيفته.

يقضي المتهمون الصباح في قهوة خارج المحكمة منتظرين الجلسة. توزع العائلات اللب وتقضي الوقت في الأحاديث الودية.

يهرج المتهمون أثناء اصطفافهم أمام جهاز كشف المعادن لدخول قاعة المحكمة. يقول أحدهم “اتفضل يا متهم،” فيرد الآخر “شكراً يا متهم.”  

عندما يطلب الحرس من المحامين والمتهمين الوقوف في مجموعتين منفصلتين، ينظر الجميع إلى أحد المحامين ويضحكون. بينما ينضم المحامي لهيئة الدفاع في هذه القضية، فهو يواجه تهم مشابهة لتهم موكليه في قضية أخري.

يدخل المتهمون قفص الاتهام لمدة قصيرة، حتى يقدم محامي عبد الفتاح طلب رد المحكمة على اعتبار أن القاضي لن يستطيع الحكم بحيادية. يرد اسم القاضي في تلك القضية في لائحة اشترك في إعدادها علاء عبد الفتاح ومحاميه وتم تقديمها للمحكمة بهدف كشف القضاة الذين اشتركوا في تزوير الانتخابات في ٢٠٠٥.

بعد عشرة دقائق، أصبح عبد الفتاح وباقي المتهمين أحراراً مجدداً، للوقت الراهن. وانتهي اليوم.

في اليوم التالي، وفي نفس قاعة المحكمة، رفضت المحكمة استئناف الأعضاء المؤسسين بحركة ٦ إبريل أحمد ماهر ومحمد عادل والناشط أحمد دومة على حكم ثلاث سنوات بتهمة التظاهر بدون تصريح والاعتداء على ضابط شرطة.

قد تكون المشاهدات بقاعة المحكمة مسلية ولكن الأحكام القاسية التي صدرت مؤخراً ضد المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين والنشطاء الليبراليين والمواطنين الذين لا نشاط سياسي لهم على حد سواء، تجبرنا على اتخاذ هذه المحاكمات، على عبثيتها، بمنتهي الجدية.

يدرك المتهمون أن احتماليات إدانتهم وقضائهم لوقت طويل في السجن عالية. إلا أن الإجراءات القانونية القاصرة، وانعدام أي دليل ضد من تمت إدانتهم مؤخراً جعلتهم يدركون أيضاً أن ما يجري في المحكمة لن يؤثر كثيراً على الأحكام التي ستصدر في قضاياهم.

 

اعلان
 
 
هبة عفيفي