Define your generation here. Generation What
عباءة جديدة باللون نفسه: إلكا آيكهوف تناقش الدعم والسياسات الثقافية
 
 

لقد وجدت المؤسسات الثقافية الغربية والجهات المانحة من كل من أوروبا والشرق الأوسط فرصة سانحة في الثورات العربية للخروج من مأزق الثنائيات المقيّدة والتمثيل النمطي لكل من “الشرق” و”الغرب”، بحسب ما جاء على لسان إلكا آيكهوف في المحاضرة العامة التي ألقتها مؤخراً، وإن كانت خطابات الاستشراق التي صاغها الآخر بواعز المصالح أو السوق لاتزال مع الأسف هي النغمة السائدة.

لقد تحدثت آيكهوف – وتشغل حالياً منصباً في المعهد الهولندي الفلمنكي بالقاهرة – من منطلق البحث الذي أجرته لحيازة شهادة الدكتوراه، عن كل من التمييز والتمثيل باعتبارهما اثنين من أبرز مصادر الرواج والسلطة والشرعية المجتمعية في السياق الفني، وذلك استناداً إلى طرح عالم الاجتماع الفرنسي بيير بوردو. سعت آيكهوف إلى إيضاح كيف تنعكس خطابات معينة حول ماهية الفن والثقافة العربية المعاصرة على مؤسسات ثقافية أجنبية ومناهجها التمويلية.

في مؤلّفه الذي يحمل عنوان “الربيع العربي: نهاية ما بعد الحداثة” (٢٠١٢) يتنبأ حميد دباشي – الذي تصف آيكهوف رؤيته بالهامة والمفعمة بالأمل – بنهاية إنتاج الغرب للمعرفة القياسية وبتحرّر العالم العربي في أعقاب ثوراته. وإن كانت آيكهوف تقدم طرحاً بأن خطابات ما بعد ١١ سبتمبر والمتعلقة بتنميط الإسلام والحداثة والتقاليد والإرهاب لاتزال يعاد تكريسها من خلال نوع جديد من النعرات العرقية – عباءة جديدة باللون نفسه. وهكذا يصاب الفنانون المصريون ممن يعملون في إطار تلك المحدّدات والتوقعات بإحباط متزايد بطبيعة الحال، بحسب ما جاء على لسان الفنان باسم مجدي في مقاله المنشور في العام ٢٠٠٣ في نفس مجلة الفن، والذي يحمل عنوان “امشي كما يمشي المصري.”

ولكن “إن لم يستعن المرء بعبارات طنانة، فلا سبيل لأن يحصل على تمويل،” كما ذكرت آيكهوف وقد عدّت نفسها ضمن من يعانون تلك المعضلة.

لقد قدّمت آيكهوف بضع نماذج من فيض تمثيلات الآخر “الثوري” أو “الثائر” في الخطابات الثقافية الغربية، ومن هنا دفعت بأن بعض الفعاليات شأن مهرجان شباك المقام في لندن، أو بينالي فينيسيا المقام في العام ٢٠١١ قد لعبت دوراً في إعادة تكريس فكرة الفنان الثائر، فصار الفن بذلك مجازاً إشكالياً عن الوعي السليم أو عن الحداثة.

واستأنفت قائلة بأن أوروبا لاتزال تنظر إلى نفسها باعتبارها مرجعاً للثقافة القياسية، بدلاً من أن تسعى جاهدة صوب أي تبادل ثقافي حقيقي.

وأضافت أن تمثيل ذلك الثائر المتعلّم الحداثي رسام الغرافيتي لا يمثل أي تهديد يذكر للبنيويات الدولية، بل ويتفق موقف التضاد الذي يتّخذه الفنان العربي تمام الاتفاق مع الذهنية الأورو-أمريكية المتعلقة بالفرد التقدّمي المتحّرر من قيود التقاليد، وهي ذهنية وطيدة الصلة بصعود البرجوازية في أوروبا الحديثة.

ولكن الصورة ليست قاتمة تماماً، كما أشارت آيكهوف للحضور وكان أغلبهم من العاملين بالمؤسسات الثقافية الغربية في القاهرة أو من زملائهم. لازال الكثير من المشروعات النافعة مرهفة الحس في مصر يتلقى دعماً من دافعي الضرائب في الغرب، إذ يسد هؤلاء الفجوة الناجمة عن قصور الدعم الذي تقدمه الحكومة المصرية للفنون. جدير بالذكر أن وزارة الثقافة المصرية تتلقى أقل من واحد بالمائة من إجمالي موازنة الدولة وتوجه النسبة الأعلى من ذلك إلى القائمة نفسها من المستفيدين، الأمر الذي يترك الفنانين والمبادرات الأخرى الجديدة في وضع مشروط بتوفر الدعم الخارجي.

“من العسير أن يقوم المرء بأي عمل في غياب الدعم،” كما ذكرت آيكهوف. “لابد أن ينخرط المرء في منظومة السوق العالمي، وإلا فمن عساه قد يدفع له أجره؟”

وأضافت أنها قد قابلت في سياق بحثها وعياً ثاقباً بتلك القضايا الشائكة، وذلك على الجهتين المانحة والمستفيدة.

ونقلاً عمّا جاء على لسان فنانة الشارع المصرية آية طارق في مجلة “ري أورينت” وتأكيداً على كل من صعوبات التمثيل بالوساطة من جهة، ودرجة الوعي التي يتمتع بها الفنانون المحليون فيما يتعلق بموازين القوى التي يتعرضون لها.

“في أعقاب الثورة – أو “الربيع العربي” – لم تكن السياسة تثير اهتمامي إطلاقاً، ولازالت لا تثير اهتمامي… كل ما هنالك أن سوقاً كان قد انفتح في أعقاب الثورة. لقد توجهت أنظار الجميع إلى مصر. وإن قام المرء بإبداع أي عمل يتعلق بالثورة أو يتعلق بالسياسة فلسوف يباع فوراً، بل ولسوف يباع بسرعة مخيفة… ولقد كانت تلك هي مشكلتي بصفة عامة، وتحديداً فيما يتعلق بوجهة نظر “الغرب” عنّا. إن كان المرء من الغرب لتعرضت أعماله للنقد [على ما هي عليه]. ولكن ونظراً لكون المرء مصرياً، فقد لاحظت اعتياد وجود تلك النغمة، وكأنما من الشجاعة أن يبدع المرء فنّاً على الرغم من معاناته.”

إن بيت القصيد هو أن ثمة ميزان قوى مختل، يصنع من أحد الطرفين مانحاً ومن الآخر مستفيداً.

ضربت آيكهوف مثلاً على قصور السياسة الثقافية الأوروبية في مجموعة يونيك (مؤسسات الثقافة الوطنية بالاتحاد الأوروبي، والتي تضم كلاً من معهد غوته والمجلس الثقافي البريطاني، وكلاهما من أبرز الجهات المانحة في القاهرة) وفي كتابها السنوي للعام ٢٠١٢/٢٠١٣، والذي ترأس كلمته الافتتاحية العنوان الغادر “رفع النقاب”، في دعوته لمقاربات “لينة” للدبلوماسية الثقافية.

إن إحدى أكثر النقاط إثارة للاهتمام في محاضرة آيكهوف جاءت في تأكيدها على كون الإسقاطات حول الشباب الثائر الحديث لا يتعارض بالمرة مع التوجهات العنصرية ضد الإسلام والمشاعر المضادة للمهاجرين في أوروبا. إذ من الممكن اعتبار ذلك الهوس العالمي بثقافة الهيب هوب وفن الغرافيتي باعتبارهما أدوات للثورة المشروعة سبيلاً تنتهجه الحكومات الغربية لاستيعاب قضايا الهوية والعرق والهجرة والتفكك ورصدها.

إن توازي اعتبارات المؤسسات الثقافية الغربية ومصادر الدعم و”الشباب الثائر” وسياسات الهجرة كلها في كل من العالم العربي وفي أوروبا يطرح عدداً من التساؤلات المثيرة. أهما وجهان لعملة واحدة؟ هل تمثّل مصادر الدعم مساع لاستيعاب المجتمع الأهلي، وبالتالي إحكام السيطرة عليه بطريق الدبلوماسية الثقافية الواعية؟ أم تراها مساع صادقة وإن كانت تفتقر لتحقيق جاد في عالم الآخر تسلط دائرة الضوء على ثقافات المجتمع العربي والإسلام والشباب التي يسهل على الغرب أن يتعرّف على نفسه فيها؟

أعتقد أن ملاحظات آيكهوف والتي تستند إلى عملها مع المؤسسات الثقافية في كل من برلين والقاهرة وفي تلك المؤسسات، لهي ملاحظات سديدة في قوامها. وإن أتت المحاضرة متخمة بمحتواها في غضون ٤٥ دقيقة فحسب، ولقد أثار حفيظتي غياب أي نقاش حول قدرة الفرد الفنان أو حول تبادلية العلاقة التي تربطه بالمؤسسات الثقافية. لكان من المفيد ربما أن نستمع إلى المزيد حول شتى اللقاءات التي عقدتها آيكهوف مع الفنانين والمؤسسات الثقافية في القاهرة في سياق مشروع بحث شهادة الدكتوراه الذي أجرته، وذلك بغرض الوقوف على السبل التي ينظر بها كل من الطرفين إلى تلك العلاقة والأطر التي تحكمها، في سبيل تعيين دوافع الآخر وتطلعاته وكيف تنامت على مر الزمان.

طرح أحد الحضور سؤالاً في النقاش المفتوح الذي أعقب المحاضرة: “هل تظنين أن الدول الأوروبية تعتبر نفسها قد نجحت في تخصيصها للدعم؟” واستأنف قائلاً: “هل حصلوا على ما كانوا يأملون فيه؟”

أجابت آيكهوف بأن الأمر يعتمد على شخص من يجلس مع الفنان، أي ممثلي تلك المؤسسات الثقافية ممن حملوا على عاتقهم عبء ترجمة سياسات حكوماتهم.

بعد المحاضرة وبينما نرتشف مرطبات باردة في الخارج، ترامى إلى مسامعي حديث عدد من العاملين في بعض المؤسسات الثقافية البارزة في القاهرة يتبادلون التهنئة على ما اعتبروه منهجاً في العمل أكثر استنارة من منهج نظرائهم الأوروبيين، الذين شددوا بدورهم على معرفتهم باللغة العربية وعلى عدد سنوات خدمتهم في القاهرة وتباروا في ذكر أسماء فنانين من الشباب الصاعد، وتساءلت حينها عن وقع محاضرة آيكهوف على ذلك الحضور، إن كان لها وقع من الأصل.

أقيمت محاضرة إلكا آيكهوف في ٢٧ مارس/ آذار في المعهد الهولندي الفلمنكي بالقاهرة، وذلك في سياق سلسلة المحاضرات العامة، والتي سوف تشتمل على محاضرة ألقيها يوم الخميس المقبل عن البحث الذي أجريه حول تسليع شهداء الثورة المصرية. 

اعلان