Define your generation here. Generation What
أطفال.. ليسوا مجرمين
 
 

إنه مساء السبت، هناك حوالي خمسة عشر صبيا على أرض ملعب كرة القدم فى الحرم الجديد للجامعة الأميركية في القاهرة. يرتدي نصفهم قمصان ذات اللون الأصفر الساطع، والنصف الآخر قمصان ذات اللون الزهري الساطع. يضرب خالد محمود الكرة وصولا لخلفية الملعب؛ يمررها إلى الجناح الأيمن حيث يجرى زميله بطول الملعب، يجري بها حتى حدود الملعب، ثم ركلها بطريقة عرضية في اتجاه المرمى – ركلة جانبية تكاد تكون مثالية تهبط أمام المرمى بالظبط. في هذه النقطة كان خالد قد شق طريقه إلى مزيج الهجوم، تسلم الكرة على صدره وضرب بها فى المرمى ضربة مباشرة من لمسة واحدة.

“جوووول” يصرخ الأولاد كلهم وهم يتجمعون، يحيون بعضهم، يرقصون، ويثنون على بعضهم البعض بالألفة الرياضية المعتادة، “يا بطل!” أو “يا نجم!”

على أرض الملعب، هؤلاء الصبية مثلهم مثل أي لاعب كرة ناشئ. هم واثقون بأنفسهم، ويفكرون بشكل جماعي – يرتكبون الأخطاء ويغضبون، حتى يتداركوا الخطأ في اللعبة التالية.

ولكن الوضع لم يكن دائما على هذا النحو بالنسبة لهم. فقد كانوا يعيشون على أرض مختلفة تماما وملعب أشد قسوة: الشارع. والآن، هم يأملون السفر لريو دى جانيرو نهاية هذا الشهر للمشاركة في كأس العالم لطفل الشارع.

هؤلاء الصبية لم يعودوا أطفال شوارع. فقد كان الكل يعيش فى الجمعية الأهلية الخاصة به منذ سنة على الأقل، وفي الغالب هم منقسمون بين من يعيش في مرفق “أنا المصرى” في السادس من أكتوبر، و قرية الأمل (Hope Village) في المعادى، وسكن Face Children. في الأسبوع الماضى، Save the Children، واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية للأطفال على مستوى العالم أعلن شراكتها هي الأخرى في كأس العالم لطفل الشارع.

بمبادرة من المجموعة البريطانية لحقوق الإنسان Amos Trust، تم تدشين كأس العالم لطفل الشارع فى ديربان، جنوب أفريقيا في مارس ٢٠١٠، مع ثمانية فرق مشاركة للفتيات والصبية من أربع قارات. من خلال كرة القدم، الفن، ومؤتمر عالمي لطفل الشارع، تأمل المؤسسة أن تتحدى التصورات والمعاملة السلبية لأطفال الشارع في جميع أنحاء العالم وأن توفر منبراً عالمياً لأصوات أطفال الشارع.

وفقا لمها مأمون، عضو الحملة الشعبية لحماية الأطفال، العوامل الأساسية التي تقود الأطفال للشارع هي الفقر، يليه العنف الأسري.

“بمجرد أن يكونوا في الشارع، يتعرض هؤلاء الأطفال للأذى اليومي بسبب حياة الشارع الصعبة”، توضح مأمون. “ولكن القضية الرئيسية الأخرى هي مئات الأطفال الذين يتم سحلهم خلال التظاهرات، وحبسهم وإلحاق الأذى بهم في السجن. وليس من الضرورة أن يحدث ذلك من الشرطة أو قوات الأمن، ولكن غالبا من خلال النزلاء الآخرين وبتشجيع من المشرفين”.

مصر، تقول مأمون، لديها خصوصية ثقافية فيما يتعلق بالتعامل مع الأطفال، وكمجتمع هي تتعامل معهم مثل البالغين، “أطفال الشارع دائما ما يتم تنميطهم كمجرمين، ومن ثم نحتاج إلى مجهود كبير لإصلاح هذه الثقافة وهذا التعسف ضد الأطفال – فوجودهم في الشارع بداية سببه المعاملة غير الآدمية واعتداء المجتمع، وكل المجهودات التي تعمل لمحاربة هذا التصور وهذه المعاملة للأطفال مفيدة”.

فريق مصر، الذى يتدرب مرتين في الأسبوع منذ ثمانية عشر شهرا تقريبا، بدأ بمبادرة من كريم حسنى ومحمد خضر. يقول المدربان أنهما كانا دائما على إيمان بإمكانية استغلال القوة الدافعة لكرة القدم لخلق شىء إيجابى للمجتمع. وعندما علموا بكأس العالم لطفل الشارع في ٢٠١١، اتجهوا للجمعيات الأهلية المحلية المشاركة في المشروع.

ولكن على طول البرنامج هناك قرارات صعبة يتم اتخاذها. تسع لاعبون فقط يسمح لهم بالسفر للبرازيل كجزء من الفريق المصرى بسبب التكلفة المادية والسكن المحدود في معسكر ريو دي جانيرو. بداية بحوالي عشرين طفل، مر الفريق بأكثر من مرحلة للتخلي عن عدد من اللاعبين. ويشرح حسنى أنه مع صعوبة العملية، هو مؤمن بالدروس المستفادة من تجارب الأداء.

“نحكي لهم عن خططنا طويلة المدى مما يجعهلم أقل حزنا، وأحيانا نقوم بزيارتهم في مؤسساتهم”، يضيف حسني، “بالطبع يشعرون بالحزن [عندما لا يتم اختيارهم] ولكن في النهاية إن هذا جزء من التجربة”.

المشاركون في المشروع المحلي يأملون في إضافة فريق للفتيات لكأس العالم في السنوات المقبلة.

“أعتقد أن كرة القدم بها ديناميكيات لكل شىء مثل العمل الجماعي، النصر والخسارة والمهارة. أعتقد أن ديناميكيات كرة القدم تشمل كل عوامل الحياة.” يقول حسنى.

يتحدث الصبية عن الاختيارات بطيب خاطر، يقولون أنهم فقط يأملون السفر للبرازيل، ومتحدثين عن الدروس التي تعلموها من الفريق.

“في البداية لم نكن متائلفين ولم نكن متعاونين في اللعبة لأننا لم نثق في بعضنا البعض،” يقول خالد محمد الطفل صاحب الأربعة عشرة عاما، وقد قضى خمس سنوات في الشوارع قبل المجىء لـ”أنا المصرى”. “ولكن بعد فترة بدأنا في التعرف على بعضنا البعض وفي التعاون حتى وصلنا إلى هذا المستوى، وأظن أنه متقدم للغاية”.

المشاكل في المنزل أجبرت محمد وشقيقته على حياة الشارع قبل أن ينتقلوا إلى مرافق الجمعيات الأهلية منذ سنتين. وقد رفض محمد مؤخرا عرض من بيبسي للانضمام إلى فريق كرة القدم الخاص بها، لكي يبقى مع شقيقته في الجمعية.

“رفضت لأنني إذا غادرت معهم لن أستطيع السفر مع الأكاديمية (للبرازيل)، وأظن أن الأكاديمية أفضل بالنسبة لي لأنهم قاموا بتربيتي وبتوفير الدعم اللازم لي”.

وعند خروجه من الملعب، يتحدث عبدالله عزت، البالغ من العمر الثالثة عشر والمقيم بـ”أنا المصري” منذ سن التاسعة، عن قدرته على انتزاع الكرة وعمله على تحسين سرعته.

“هذه أول مرة ألعب فيها كرة القدم مع ناس أكبر مني سنا”، يضيف عزت، “تعلمت أن أتعاون مع اللاعبين الآخرين، وأعتقد أن كرة القدم ليست مجرد لعبة – إنها نهج حياة”.

“إننا نتحمس عند لعب كرة القدم. نتعلم كيف نتعاون، كيف نلعب في الفريق، وكيف نميز الأخطاء ونصححها،” ثم استطرد قائلاً “وكذلك، ألا نقلل من مكانة زميل في الفريق، حتى عند ارتكاب الأخطاء، وأن نشجعهم دائما”.

في مرفق “أنا المصرى” في السادس من أكتوبر، يجلس خالد وعبد الله جنبا إلى جنب. يبدو على الصبيين التركيز خلال قراءتهما من الكتب المدرسية بصوت عال والمدرس يتحرك بين الطلبة والحائط، مشيرا إلى صور المفردات التى يدرسونها.

مرفق “أنا المصري” يتكون من ثلاثة مبان متلاصقة، ألوانها لون الرمال، في الصحراء، تم إنشاؤه عام ٢٠٠٨، يأوي حاليا مرفق “أنا المصري” ١١٤ طفلا، بينما يوفر الأطفال وعائلاتهم بما يأملون بأن يكون برنامج إعادة تأهيل كامل.

لا توجد أرقام دقيقة لعدد أطفال الشارع في مصر بسبب صعوبة تعريف الأطفال الذين تشتمل عليهم الاستبيانات. الجمعيات الأهلية ذات التركيز المحلي بما فيها Plan Egypt, Face Children تقدر العدد من عشرات الآلاف إلى مليونين، في القاهرة والإسكندرية على وجه عام.

“إن البداية دائما تكون مع الأطفال في الشارع”، توضح سهير مراد مالك، مديرة “أنا المصري”، “هذا هو برنامج التوعية – الهدف هو التعرف على الأطفال وبيئتهم ومحاولة إقناعهم باتخاذ قرارات تخص مستقبلهم”.

إذا الطفل، أحيانا بتدخل من عائلته، اختار أن يدخل المؤسسة، يقوم فريق عمل “أنا المصري”، والذى يضم معلمين، أخصائيين نفسيين، وموظفين اجتماعيين، بتقييمه. ويتم وضعه في برنامج شامل يعمل نحو إعادة تأهيله، ويتم توفير برنامج تعليمي، تدريب مهني ورعاية صحية. وتقوم الجمعية أيضا بمساعدة العائلات على الانتقال من الشارع أو العثور على دخل أكثر استقرارا من خلال مشاريع ريادة الأعمال للتمويل الصغير.

التكلفة تكون بين ١٥٠٠ – ٢٠٠٠جنيه مصري للطفل، شهريا. توضح مالك أن ٨٣٪ من التمويل يأتى من خلال مؤسسة ساويرس، مع بعض الإضافات في بعض الأوقات من الأعضاء المؤسسين. ولكن المؤسسة تستكمل النضال لجمع الـ ١٧٪ المتبقية واللازمة لاستدامتها.

وفقا لعهدى عزت إسكندر، أحد الأعضاء المؤسسين للجمعية، من الصعب تدبير المبلغ اللازم لإرسال الأطفال إلى ريو. وبالرغم من ذلك فهو يعمل مع الجمعيات الأخرى لجمع الأموال، بالتحاور مع الشركات الراعية والأفراد الذين يتحمسون للبرنامج، مع العلم بأنه لا يأتي تمويل مباشر من “أنا المصري”.

بالنسبة لعبد الجاد الكريم، مدير بجمعية قرية الأمل Hope Village، إن برنامج كأس العالم لطفل الشارع يساعد على تعزيز العمل التمهيدي الذي قامت به الجمعيات المحلية بالفعل. بعد إطلاق أكاديمية للرياضة في ٢٠٠٧، وجدت الجمعية أن الرياضة تجذب الأطفال وتساعد بشكل جدي على عملية إعادة التأهيل.

“المصريون عاشقون لكرة القدم وكل الأطفال يدركون ذلك”، يوضح الكريم، “الإعلام يسلط الضوء على جوائز الفريق القومي والنادى الأهلي، وهذا يجعل كرة القدم مصدر لاستهواء هؤلاء الأطفال”.

في العام الماضي أثبت كأس العالم لطفل الشارع أنه منصة متزايدة الحجم لما هو أكثر من كرة القدم؛ شارك الأطفال أيضا فيما يعد أول مؤتمر عالمي لطفل الشارع، المؤدي إلى إعلان ديربان، الصوت الجماعي المطالب بالاعتراف بحقوق أطفال الشارع.

خلال المؤتمر، عمل الأطفال مع منظمي كأس العالم لطفل الشارع لوضع مسودة بيان رسمي محيط بقضايا المنزل والأسرة، الحماية من العنف، والحق فى الحصول على التعليم والرعاية الصحية. تم تقديم الإعلان للجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، حكومات مركزية وإقليمية، بالإضافة إلى العديد من جمعيات المجتمع المدني. ووفقا للموقع الإليكتروني لكأس العالم لطفل الشارع، البيان الرسمي يدعو هذه الجمعيات لتحدي الحصانة المحيطة بالعنف الذى يواجهه أطفال الشارع، يضغط من أجل تدابير وقائية تمكنهم من البقاء في المنزل، ويضيف اقتراح زيادة الاستثمار في خدمات أطفال الشارع والاستماع لأصواتهم.

في دورة ٢٠١١، تسابقت ثمانية فرق في دورة كرة قدم للفرق المكونة من سبعة لاعبين وحارس مرمى، والتى هزم فيها الفريق الهندى الفريق التنزانى ٠ – ١ في النهائي، حاصلا بذلك على دعم عالى المستوى من أساطير كرة القدم مثل ديفيد بيكهام وسير أليكس فيرجسون.

هذا العام، يعقد كأس العالم طفل الشارع في ريو دى جانيرو قبل كأس العالم المقبل – انطلقت الدورة في الثامن والعشرين من مارس وهناك أيضا قسما للفتيات. ومرة أخرى سيكون هناك مهرجان للفنون ومؤتمر عالمي لطفل الشارع والذي سيبلغ منتهاه بإعلان ريو الذى سيشمل عددا من المهام الخاصة بكل دولة.

ويبقى إسكندر مساندا للبرنامج، بسبب قدرته على تغيير التصور العالمي، لأن أطفال الشارع ليسوا بقنبلة موقوتة للمجتمع، بل ضحايا يستحقون إعادة التأهيل وملعب أكثر عدالة، لكنه لايزال لديه تحفظات.

“إنني متفاجئ جدا بأن الناس تريد دفع ثمن تذكرة لأحد هؤلاء الأطفال ليسافر لمدة أسبوع ومع ذلك لا يريدون أن ينفقوا من أجل تنشئتهم”.

اعلان