Define your generation here. Generation What

اللاعدالة الانتقامية

(١)

قال وزير الخارجية السويدي، كارل بيلدت، على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي الشهير “تويتر”، معلقا على حكم محكمة جنايات المنيا بتحويل أوراق ٥٢٩ مواطن مصري لفضيلة المفتي “أن هذا أسوأ ما يشهده العالم بأسره”، وذلك بعد أن قررت الدائرة السابعة بمحكمة جنايات المنيا صباح الإثنين الموافق ٢٤ مارس ٢٠١٤، برئاسة المستشار سعيد يوسف، إحالة أوراق ٥٢٩ مواطنا ممن ينتمون لجماعة الإخوان المسلمين لفضيلة المفتي، وبراءة ١٧ آخرين. وذلك في قضية الاعتداء على مركز شرطة مطاى، وقتل العقيد مصطفى رجب نائب مأمور المركز، والشروع في قتل شرطي وضابط وإطلاق الأعيرة النارية والاستيلاء على أسلحة مركز الشرطة .

(٢)

في الثلاثاء الموافق ١٨ مارس ٢٠١٤ قضت محكمة جنح الخانكة، برئاسة المستشار محمد عبد الله عباس، بسجن نائب مأمور قسم شرطة مصر الجديدة ١٠ سنوات، وحبس ٣ ضباط آخرين بالقسم، سنة مع وقف التنفيذ، في قضية اتهامهم بالتسبب في وفاة ٣٧ مواطنا وإصابة آخرين أثناء ترحيلهم بسيارة الترحيلات من قسم مصر الجديدة إلى سجن أبو زعبل.

(٣)

هيئة المحكمة اعتلت المنصة في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف، وقام رئيس المحكمة بتلاوة الآيات الأولى من سورة الرحمن، بسم الله الرحمن الرحيم “الرحمن، علّم القرآن، خلق الإنسان، علّمه البيان ..”، ثم أصدر حكمه باعدام ٥٢٩ إنسان، ذلك وسط تهليل كبير من الضباط المتواجدين بقاعة المحكمة المنعقدة بـ”معهد أمناء الشرطة”، فور النطق بالحكم، حيث ظلوا يرددون هتافات “يحيا العدل”، مع تصفيق حاد واعتلاء لمقاعد قاعة المحكمة، ولكن أي عدالة يصيح من أجلها هؤلاء لا أحد يعلم شيئا!

(٤)

تروي صحيفة “الجارديان” البريطانية في تقرير أعده باتريك كينجسلي، أظهرت فيه للمرة الأولى شهادات الناجين من سيارة الموت، الآتي:

“وصل الأستاذ جمال صيام -وهو خبير اقتصادي في جامعة القاهرة- إلى مكتب النائب العام في مصر، هشام بركات، وكان ابنه الأكبر، شريف، قد اعتقل يوم الأربعاء ١٨ أغسطس، خلال اقتحام رابعة، ولكن كان “هناك خطأ” كما قال والده للنائب العام، طالبا المساعدة. بدرجة ما، تعاطف بركات –النائب العام مع الأب، أعطى والد شريف رسالة ممهورة منه إلى المسؤولين إلى السجن، من أجل (تسريع إجراءات شريف)، ولكن ما لم يعرفه بركات ولا صيام، هو أن الوقت كان قد تأخر جدا بالفعل، فقبل دقائق قليلة، وفي الجزء الخلفي من سيارة الشرطة المكتظة، على الجانب الآخر من القاهرة، اختنق شريف صيام هو و٣٦ آخرين بالغاز حتى الموت”.

(٥)

بين أسوأ ما شاهده العالم من احكام قضائيه بالإعدام وسيارة الموت، هناك دليل واضح على مدى الانهيار الذي تعانيه منظومة العدالة في مصر بأذرعها الثلاث: “الداخلية- النيابة- القضاء”، وتحديدا بعد ثورة مر عليها أكثر من ثلاث سنوات كان أحد أهم مطالبها “تطبيق العدل”. إن الحقيقة التي يحاول الكثيرون اليوم طمسها بكل الوسائل هو أن انتفاضة يناير اشتعلت بالأساس ضد قمع وبلطجة داخلية حبيب العادلي، ضد سلخانات التعذيب في كل قسم شرطة، ضد وزارة مبنية بالأساس على ثقافة السلطة والسطوة وليس على ثقافة القانون واحترام حقوق الإنسان.

انتبه من فضلك الثورة “خيّشت في حيطة”، كل رموز نظام مبارك إلى اليوم لم تتم محاكمتهم محاكمات عادلة على ما قاموا به من فساد وإفساد سياسي طيلة ثلاثون عاما مضت، بينما يحكم -قاضي ما- على بعض طلاب الأزهر بعد جلستين أو ثلاث بالسجن ١٧، ١١ عاما، هذا، قد قتل ١٤ طالبا حتى الآن  في عام دراسي واحد –لم ينته بعد- برصاص قوات الشرطة دون أن تتم محاسبة مسئول واحد، هناك ١٣٢٤ طالب معتقل، وما يقارب ١٦٠٠٠ معتقل سياسي –على الهوية- حسب أدق التقديرات بينما مهرجان البراءة للجميع لا يزال مستمرا بحق كل ضابط صوّب بندقيته لقتل متظاهر منذ يناير ٢٠١١ وحتى اليوم.

(٦)

طالما تشدقنا أثناء معارضتنا لنظام مبارك بأن مصر تمتلك تيار لاستقلال القضاء يقف عائقا في وجه جبروت سلطة مبارك، بعضهم خرج ليفضح تزوير الانتخابات، والآخر أصدر أحكاما تاريخية بطرد الحرس الجامعي، وعدم جواز غلق معبر رفح، إلخ..، بعضهم تم سحله أمام نادي القضاة ودفع ثمنا باهظا للوقوف بجانب الحق والعدل، وبعضهم أيضا حوكم بسبب ذلك.

أتذكر جيدا حينما تم القبض علي لأول مرة وأنا أهتف “يا قضاة يا قضاة خلصونا من الطغاة”، “يا قاضي النقض خليك ع العهد”، إلخ..، ولكنني اليوم أتذكر أيضا ماذا فعل رموز هذا التيار بعد تولي جماعة الإخوان للسلطة، بوقوفهم إلى صف حكم فاشل وقاتل وظالم، ومن حينها فقد القضاء المصري جناحه “المستقل” الذي كنا دوما نعلق عليه الآمال، وأصبحنا أمام مؤسسة تدار بواسطة الدولة، تحمي السلطة، تداعب الجنرالات بأحكام ظالمة وعبثية أملا في رضا زائل من سلطة سيسقطها المصريون، كما أسقطوا كل من سبقها ولم يلتزم بأهداف ومطالب ومضامين يناير في العيش والحرية والعدالة والكرامة.

(٧)

إن ما يحدث في مصر اليوم هو استعادة لمحاكم تفتيش العصور الوسطى ولكن بزي الألفية الثانية، لأن التاريخ الحديث لم يحمل بين طياته في أي من بقاع الأرض حكم بقتل أكثر من خمسمائة مواطن –على الهوية- دون أي دليل إدانة يثبت تورطهم جميعا في فعل القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد الذي يتوجب حكما بالإعدام.

أفضل ما كُتب تعليقا على ذلك ما قاله الإعلامي حسين عبد الغني، على صفحته الشخصية عبر موقع التواصل الاجتماعي –تويتر- “في محكمة نورمبرج لجرائم النازية في الحرب العالمية الثانية، التي تسببت في مقتل ٥٠ مليون إنسان لم يحكم بالإعدام إلا على ١٢ متهمًا ونفذ في ٦ فقط”، لكم إذا أن تتخيلوا كم البؤس الذي يعيشه سكان ذلك الوجه المظلم من الكرة الأرضية في بلدان العالم الثالث.


لم يعد العالم الحديث يعرف معنى حكم الإعدام، حيث عرفت البشرية منذ وقت طويل قدسية “الحق في الحياة”، فتجد على سبيل المثال غياب حكم الإعدام عن كل الدول المنضوية تحت لواء الاتحاد الأوروبي، ومعظم أمريكا الشمالية، بينما يظل متواجدا بأفريقيا وبعض دول أمريكا اللاتينية، إن هذا الحكم بقتل ٥٢٩ مواطنا مصريا على الهوية لا يمكن توصيفه بالحكم “الصادم” ولا يمكن الرد عليه ببيان حقوقي يتحدث عن مخالفة ذلك للعهود والمواثيق الدولية، إن أبسط ما يقال عن هذا الحكم أنه ضد الإنسانية.

اعلان
 
 
مصطفى شوقي