Define your generation here. Generation What
أهم فيلم في تاريخ السينما المصرية على الإطلاق؟
 
 

في سبتمبر ٢٠٠٦ قررت مجلة “جودنيوز سينما” أن تحرر ملفاً خاصاً عن أهم ١٢٥ فيلم في تاريخ السينما المصرية، وكان ذلك بمناسبة العدد رقم ٢٥، كاتب تلك السطور كان مديراً لتحرير المجلة، وتولى مسئولية تحديد الطريقة التي سيتم على أساسها اختيار الأفلام وترتيبها، لتكون النتيجة النهائية معبرة عن مجموع آراء المحررين الرئيسيين والنقاد العاملين بالمجلة، وبعد توزيع وملء الاستمارات، وجمع النقاط، وترتيب النتائج، وهي العملية التي استغرقت أكثر من أسبوعين، كانت المفاجأة التي أذهلت طاقم التحرير بأكمله، بل وأصابته بالارتباك. لقد جاء “الهروب” في المركز الأول، كأهم فيلم في تاريخ السينما المصرية على الإطلاق، متقدماً بذلك على كل الكلاسيكيات التي اعتدنا تواجدها في المراكز الأولى عند وضع مثل هذه القوائم!

“الهروب” الذي عرض سينمائياً عام ١٩٩١، يبدو استثنائياً في مشوار مخرجه الراحل “عاطف الطيب”، فلكل مخرج سينمائي جيد، سمات وملامح محددة تظهر في أعماله، بعضها له علاقة بالشكل (زوايا التصوير، أحجام اللقطات، حركة الممثلين، طبيعة شريط الصوت، وحتى أسلوب السرد الدرامي)، وبعضها مرتبط بالموضوعات والمضامين التي يطرحها في الأفلام، والوقوف على سمات وملامح مخرج بعينه، يتطلب إمعان النظر في كل أعماله، فالمعتاد أن تجد ملمحاً ما واضحاً بارزاً في بضعة أفلام، لكنه يتوارى في أفلام أخرى لصالح ملمح آخر، لذا يندر أن تجد فيلماً واحداً، يعبر بوضوح ونضج عن كل السمات الأسلوبية والموضوعية لمخرجه، نحن هنا أمام هذه الحالة النادرة، فـ “الهروب” يمثل خلاصة سينما “عاطف الطيب”.

على مستوى الموضوعات والمضامين، كان “الطيب” مهموماً في أفلامه دائماً بهاجسين أساسيين: الأول هو التعبير عن الواقع الاجتماعي لأبناء الطبقة المتوسطة المصرية في عصرنا الحالي، والتأكيد على حالة التفكك التي يشهدهها المجتمع، والإشارة إلى غياب القيم الجماعية القادرة على حماية الفرد ومؤازرته في محنه، مثل قيمة الأسرة، وقيمة الصداقة، وغيرها، أما الهاجس الثاني: فهو إظهار مدى توحش السلطة السياسية، وبطشها بالمواطنين البسطاء وقهرها لهم، ومحاولة زرع بذرة التمرد في نفوس المشاهدين، وتحريضهم على المقاومة والتغيير.

في كل أعمال “الطيب” السابقة واللاحقة لـ “الهروب”، كان إبراز أحد الهاجسين في واجهة العمل، كفيلاً بتراجع الهاجس الثاني إلى الخلفية، ستجد الصيغة الاجتماعية الواقعية، مسيطرة تماماً على أفلام مثل: “سواق الأتوبيس، الحب في هضبة الهرم، إنذار بالطاعة، دماء على الأسفلت”، لا تخلو هذه الأفلام من إشارات سياسية واضحة، لكنها تبقى في الخلفية، في حين أنه عندما وضع هاجسه السياسي في بؤرة الشاشة، وعلا خطابه التحريضي ضد تعسف السلطة، كان يتنازل عن قالبه الواقعي والاجتماعي المفضل، ويميل إلى التجريد أو للأسلوب الملحمي، فعل ذلك في “الزمار”، البريء” و”كشف المستور”، وحتى في “ناجي العلي”.. وحده “الهروب” جمع كلا الهاجسين الأساسيين عند “الطيب” بنفس القدر من الوضوح والتأثير.

السيناريو الذي كتبه “مصطفى محرم” في مرحلته الأولى، ثم قام “بشير الديك” بتطويره وإعادة صياغته –بشكل غير رسمي للأسف، فلن تجد اسمه على التترات- يحكي عن “منتصر” –بأداء “أحمد زكي” المعتاد في روعته- الذي يعمل في إحدى شركات تسفير العمالة بالقاهرة، ورغم علمه أن عقود التوظيف التي تقدمها الشركة للبسطاء بها الكثير من الأوهام الخادعة، فانه يتغاضى عن ذلك ملتمساً لنفسه المبررات.. لكنه عندما يصطدم بمحاولة صاحب الشركة خداع أهل قريته هو شخصياً، يشعر بالخزي، ويرفض، فيُلفق له شريكه قضية مخدرات، وبعد خروجه يسعى للانتقام.. تدريجياً تتفاقم الأمور، ويتحول في رحلة هروبه إلى بطل شعبي، والمدهش أن الحكومة تيسر له مواصلة الهروب، لتلهي به الرأي العام عن مفاسدها وفضائحها.

“منتصر” هنا يعبر تماماً عن صفة “مواطن مصري عادي”، فهو صعيدي، نازح إلى القاهرة، متوسط التعليم، متوسط الذكاء، مرتبط بابنة عم قاهرية، ليس نزيهاً على طول الخط، فعنده المرونة الكافية لبعض التنازلات الأخلاقية، طالما أنها لا تمس الشرف، ولا تمس أهله الأقربين، وتدر عليه دخلاً إضافياً هو في حاجة إليه، كما أن “الطيب” لم يعمد إلى تجهيل “الزمن”، فقد كان يقصد الحديث عن الواقع المصري وقت صناعة الفيلم، وللتأكيد على ذلك منحنا لقطة واضحة طويلة للبطل في زنزانته، وعلى جدارها رُزنامة عام ١٩٩٠.  

الأحداث والشخصيات جميعاً شديدة الواقعية، ووثيقة الصلة بالظرف الاجتماعي الذي أفرزها، في الوقت ذاته، يبدو الصراع الأساسي سياسياً صرفاً، الحكومة بكل جبروتها، في مواجهة مواطن، تتلاعب به لخداع كل المواطنين والسيطرة عليهم، وعندما تمل اللعبة، وتشعر بقرب انفلات الخيوط من بين أصابعها، لا تتورع عن غربلته هو ومن يدافع عنه بالرصاصات القاتلة، مع ملاحظة أن الفيلم لم يرسم رجال الحكومة نمطاً واحداً، بل هم أطياف متدرجة في شراستها وتعسفها، بل إن بينهم من يعارضهم، والأهم أن أكثرهم خسة، هو ذلك الضابط القادم من الولايات المتحدة، بعد جرعة تدريبية مكثفة على وسائل اللعب بالإعلام لصالح الحكومة.

عبر هذه المكونات، يظهر لنا مدى الاندماج والتمازج بين ما هو سياسي، وما هو واقعي اجتماعي، الأمر الذي يدفعنا للتأكيد على كون الفيلم أكثر أعمال “الطيب” تعبيراً عن مضامينه وأفكاره.

على المستوى الفني أيضاً، يبدو “الهروب” من أكثر أفلام هذا المخرج تعبيراً عن أسلوبه السينمائي، فالمعالجة الدرامية تعتمد على البناء الكلاسيكي في السرد، بداية فوسط فنهاية، إنه البناء الدرامي المفضل عند “الطيب” وإن تخلى عنه في بعض الأفلام.

كما ستجد نموذجاً لفلسفة “الطيب” في اختيار طاقم الممثلين، حيث لم يكن من هواة مباغتة الجمهور بوجوه جديدة في الأدوار المهمة، بل كان يسعى دائماً لحشد أكبر عدد من الوجوه المألوفة جماهيرياً، والقادرة على الأداء المرتفع فنياً، في الأدوار المساعدة، أسماء بحجم “أبو بكر عزت”، “حسن حسني”، “عبد العزيز مخيون”، “زوزو نبيل”، “هالة صدقي”، “محمد وفيق”، احتشدت كلها هنا، فبدا الفكاك من أسر الأداء التمثيلي الراقي أمراً مستحيلاً، خاصة مع إجادة توظيف الممثل المناسب في الدور غير المتوقع، لنرى “وفيق” قاسياً ثعلبياً، و”عزت” صارماً ساذجاً، و”هالة” راقصة درجة ثالثة مغلوبة على أمرها، و”زوزو” أماً صعيدية مكلومة شامخة.

ستجد أيضاً مدى اهتمام “الطيب” بأن يكون تقطيع اللقطات والمشاهد في خدمة المتفرج، ليرى من خلالها ما يشبع فضوله، لا ما يريد المخرج أن يريه إياه، بمعنى أنك عندما تشعر بالحاجة لمشاهدة رد فعل هروب البطل على الضابط المتعجرف، ستراه فوراً، دون تأخير. وعندما يرنو الضابط الطيب بنظره إلى سقف مخزن الفواكه، لن يؤجل الفيلم إبلاغك بما رآه، فالقطع التالي مباشرة يكشف لك أن البطل معلقاً في السقف، وعندما يتم تسليم السلاح للبطل في قاعة المحكمة كي يتمكن من الهروب، لن يبخل عليك المخرج بلقطة مقربة ليده، وهي تلتقط السلاح وتدفسه تحت الثياب، وبذلك لا تبدو سينما “الطيب” جميلة ومكتملة فنياً، بقدر ما تبدو دافئة وحميمية وصادقة، وهذه سمة أساسية في أفلامه جميعاً.

ربما لا يتفق كثيرون مع ما وصلت إليه “جودنيوز سينما” قبل ثماني سنوات، من أن “الهروب” هو أهم فيلم مصري على الإطلاق (في حقيقة الأمر، لم يكن الفيلم ضمن الخمسة الأوائل في كل قوائم محرري المجلة الذين اشتركوا في إعداد الملف!) لكن ذلك لا ينفي كونه عملاً استثنائياً، لمخرج استثنائي.

اعلان